183 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

العبادات والطاعات والقربات

بل تجد لعلماء الإسلام جهدا واضحا في التفريق بين عناوين ثلاثة يمكن أن تتداخل هي العبادة والقربة والطاعة ، ففي حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح يقول : " والعبادة مطلق الطاعات ، وفرق شيخ الإسلام بين العبادة والطاعة والقربة .
فالأولى : ما تتوقف على معرفة المعبود مع النية .
والثانية : امتثال الأمر والنهي عرف الآمر والناهي أم لم يعرف .
والثالثة : ما تتوقف على معرفة المتقرب إليه وإن لم تتوقف على نية كالعتق .
فأخصها العبادة وأعمها الطاعة " (1) .

وكذلك حرص أبو البقاء على عدم الخلط بين هذه العناوين الثلاثة فميز بينها في كلياته قائلا : " والطاعة : هي الموافقة لأمر أعم من العبادة لأن العبادة غلب استعمالها في تعظيم الله غاية التعظيم ، والطاعة تستعمل لموافقة أمر الله وأمر غيره والعبادة تعظيم يقصد به النفع بعد الموت ، والخدمة : تعظيم يقصد به النفع قبل الموت .

والعبودية : إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ، والطاعة فعل المأمورات ولو ندبا وترك المنهيات ولو كراهة فقضاء الدين والإنفاق على الزوجة والمحارم ونحو ذلك طاعة لله وليس بعبادة ، وتجوز الطاعة لغير الله في غير المعصية ولا تجوز العبادة لغير الله تعالى .

والقربة : أخص من الطاعة لاعتبار معرفة المتقرب إلـيه فيها ، والعبادة أخص منهما لأنه يعتبر فيها النية " (2) .

 

(1) حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ج1 ص 5 .

(2) الكليات ص 583 .  
 

184 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قال الفاضل الهندي وهو من كبار فقهاء الإمامية : " وأقسام الملتزم ثلاثة :
الأول : كل عبادة مقصوده للشارع كالصلاة والصوم والحج والهدي والصدقة والعتق ...
الثاني : القربات غير العبادات كعيادة المريض وإفشاء السلام وزيارة القادم فهذه قربات وليست عبادات فإن العبادة أقصى غاية الخضوع له سبحانه ...
الثالث : المباحات كالأكل والشرب " (1) .

قال الشيخ السبحاني حفظه الله معلقا على تعريف ابن تيمية : " وهذا الكاتب لم يفرق - في الحقيقة- بين العبادة وبين التقرب وتصور أن كل عمل يوجب القربى إلى الله عبادة له تعالى أيضا ، في حين أن الأمر ليس كذلك ، فهناك أمور توجب رضا الله وتستوجب ثوابه قد تكون عبادة كالصوم والصلاة والحج ، وقد تكون موجبة للقربى إليه دون أن تعد عبادة كالإحسان إلى الوالدين وإعطاء الزكاة والخمس فكل هذه الأمور - الأخيرة - توجب القربى إلى الله في حين لا تكون عبادة وإن سميت في مصطلح أهل الحديث عبادة فيراد منها كونها نظير العبادة في ترتب الثواب عليها .

وبعبارة أخرى إن الإتيان بهذه الأعمال يعد طاعة ولكن ليس كل طاعة عبادة ، وإن شئت قلت : إن هناك أمورا عبادية وأمورا قربية وكل عبادة مقرب وليس كل مقرب عبادة ، فدعوة الفقير إلى الطعام والعطف على اليتيم مثلا توجب القرب ولكنها ليست عبادة بمعنى أن يكون الآتي بها عابدا بعمله لله تعالى " (2) .

والمهم أننا لا نريد القول بأن كلمة العبادة لا تطلق على القربات أحيانا ، ولكن كما قال الشيخ السبحاني : " وإن سميت في مصطلح أهل الحديث عبادة ، فيراد منها كونها نظير العبادة في ترتب الثواب عليها " لا أنها حقيقة عبادة .

 

(1) كشف اللثام ج9 ص 82 .
(2) التوحيد والشرك في القرآن الكريم ص 98 ، يحتمل أن يقصد بإعطاء الزكاة والخمس إيصاله للفقير لا مجرد إخراجه .

 
 

185 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وهكذا تجد الشيخ المشكيني يسمي مطلق القربات عبادة بالمعنى الأعم مميزا بينها وبين العبادة بالمعنى الأخص : " إنها تنقسم إلى عبادة بالمعنى الأخص وعبادة بالمعنى الأعم ، والأول : ما تعلق به أمر المولى مع كون قصد التقرب مأخوذا فيه شطرا أو شرطا بحيث لو لم يتحقق في مقام العمل كان فاسدا باطلا ... والثاني : العمل القابل لأن يؤتى به بقصد التقرب مع قصده " (1) .

توضيح أكثر للفروق
وعليه إنما يقال هذا العمل كالإنفاق الواجب على الزوجة طاعة وليست عبادة لأنه لا يشترط في صحتها نية القربة كما هو الحال في الصلاة بمعنى لو فعل الواجب تخلصا من كلام الناس لا يبطل إنفاقه ، ولكن لو صلى رئاء بطلت صلاته .

وتلك الطاعة التي يجوز أن تفعل بدون القربة لو نوى بها التقرب من الله له أجر على ذلك ولكنها مع ذلك لا تعد عبادة في الاصطلاح الخاص وإن سميت قربة .

ونهاية لا تكون نية القربة إلا لله ، فإذا كان العمل المتقرب به عبادة فلا يصح بدون نية القربة ، وإذا نوى به التقرب إلى غير الله أشرك ، وإن نوى أمرا آخر ليس من قبيل عبادة الغير كالرياء بطل دون أن يعد مشركا ، وأما غيرها من الطاعات فقد يقصد بها الإنسان وجوها أخرى ولا يوجب ذلك بطلانها كما لو قام المسئول بمهامه تقربا للحاكم لا لله ، فلا يعد هذا شركا ، لكن لا أجر عليها إلا أذا نوي بها القربة إلى الله ، وأما إذا نوى التقرب بها إلى الله تصبح قربة لا مجرد طاعة ، والطاعة تكون لغير الله كطاعة الوالدين ولكن وفق قاعدة لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

ولذا ما يهمنا هو تحديد العمل العبادي أو العمل المتعبد به الذي إذا فعله المكلف عامدا عالما بقصد القربة والخضوع لغير الله أصبح مشركا .

 

(1) مصطلحات الفقه ص 366 .

 
 

186 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فمن العرض السابق لا يمكن أن نعتبر المشرك إلا من قام بعمل متعبد به قاصدا أن يخضع بالخضوع الخاص لغير الله ، وهذا يشمل الخضوع بعمل عبادي متسالم على عباديته مثل الصلاة أو بعمل ابتدعه من عنده كالجلوس أمام الغير صامتا بقصد الخضوع الخاص والعبادة ، والخلاصة أن الشرك في العبادة يتحقق بالقيام بالفعل المتعبد به أو المبتدع بقصد التذلل العبادي إلى غير الله ، وهذا الأمر أي كونهم قصدوا آلهة من دون الله هو الذي أوجب شرك من تحدث عنهم في قوله تعالى ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) وقوله تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) ، ولا يمنع من الحكم بكفرهم وشركهم كونهم عبدوها تقربا إلى الله ، كما لا يمنعنا من الحكم بشرك من قصد أن يخضع بالخضوع العبادي الخاص لنبي ما فقصده في العبادة أو صلى له وقصده في صلاته فهو مشرك وإن ادعى أنه يفعل ذلك قربة إلى الله ، نعم قد يكون في الصورة الثانية جاهلا غير ملتفت للتلازم بين عنوان الصلاة والعبادة ، فيجب رفع جهله وإقامة الحجة عليه .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب