186 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

محاولات لتحديد معيار الشرك وضابطته في الفكر الوهابي

سعينا فيما سبق لتوضيح وتحديد الأمر الذي أوجب وقوع المشركين في الشرك في آيتي الزلفى والشفعاء ، والآن نحاول فهم التحديدات المذكورة في كلمات الوهابيين ومناقشتها ، والأمر يرتبط بعبادة الآلهة الشفعاء الذي أصبحوا شركاء والمشار إليهم في الآيتين .

فإن قالوا بأن الشرك تحقق بسبب قصد الآلهة الشفعاء بالخضوع الخاص لله في الأعمال العبادية فهو ما نقوله وهو موجب صحيح للوقوع في الشرك ، ولكن لا يوجد مسلم يفعل ذلك عند القبور ولا هو حقيقة الشفاعة والتوسل عند المسلمين .

187 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وإن كان في شيء آخر ، فما هو الأمر أو الفعل الذي أوقع القائلين في آية الزلفى وآية الشفعاء بالشرك في نظر الوهابيين ؟ وبحيث تنطبق الآية على المسلمين الذين لا يقصدون أصحاب القبور بعبادة بل يقصدون الله في عباداتهم كلها .

الذي يظهر أن هناك ثلاثة أمور أو ثلاثة معايير لشرك العبادة محتملة في كلمات الوهابية هي :
1- أن يكون الشرك في التوجه إلى الله والطلب منه متوسلا بمكانة هؤلاء الشفعاء .
2- أن يكون في التوجه للشفعاء والطلب منهم كي يشفعوا عند الله ويطلبوا منه ويدعوه .
3- أن يكون في التوجه للشفعاء كي يقضوا الحاجات مباشرة وبأنفسهم .

وقد تحدث عن ذلك ابن تيمية في كتابه ( قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ) وميز بين الأمور بنحو جيد قائلا :
" وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية البدعية فينبغي إتباع ذلك والمراتب في هذا الباب ثلاث :
إحداها : أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول : يا سيد فلان أغثني ... أو انصرني على عدوي ... فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه .
الثانية : أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين : ادع الله لي أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا ... ، فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة ...

188 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الثالثة : أن يقال : أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك ونحو ذلك الذي تقدم عن أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما أنه منهي عنه ، وتقدم أيضا أنه هذا ليس بمشهور عن الصحابة ... " (1) .

وكما ترى فإنه اعتبر فقط دعاء الميت مباشرة وكأنه القادر على قضاء الحوائج هو الموجب للشرك ، وأما الاحتمالان الآخران فقد أدخلهما في بحث السنة والبدعة ، واعتبرهما من البدع لا من الشرك ، وإليك الاحتمالات مشروحة أكثر :
المعيار الأول : عبادة الشفعاء تتحقق بالتوسل بها
وهو الاحتمال الثالث المذكور في كلمة ابن تيمية السابقة أي قوله : " أن يقال : أسألك بفلان أو بجاه فلان عندك " ، هو حديث عما اصطلح عليه في التراث الإسلامي بالتوسل ، فهل الأمر الذي حقق الشرك هو التوجه إلى الله والطلب منه متوسلا بالشفعاء والوسطاء أو الإقسام بمكانتهم ؟ فيكون على ضوء ذلك مجرد اتخاذ الشفيع والتوجه إلى الله من خلاله دون المباشرة في ذلك يعني عبادته من دون الله ، فعلى ذلك الشرك في العبادة هو في التوجه إلى الله متوسلين بالوسائط ، وبعبارة أخرى في مجرد عدم التوجه إلى الله مباشرة ، ومثل هذا التوسل أمر واقع عند المسلمين ، فهل هو المحقق للشرك والموقع به ؟ وهل هو الأمر الذي تريد الوهابية محاربته ؟

لقد كانت عبارة ابن تيمية واضحة في أن الحديث هنا لا يمكن أن يكون إلا حديثا عن السنة والبدعة ، ومن الواضح أن الوهابية لا ترفض التوسل مطلقا ، فمع قوله تعالى ( وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ) المائدة / 35 وقوله (ص): " سلوا الله لي الوسيلة " (2) ، لا بد من القبول بأن هناك توسلا بالأعمال الصالحة أو الصالحين - على الأقل في حال

 

(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 164- 168 .

(2) صحيح مسلم ج1 ص 288- 289 .  
 

189 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

حياتهم - كما سيتضح من قبولهم لخبر توسل عمر في الاستسقاء بالعباس عم النبي (ص) .

فالحق أن أصحاب هذه الرؤية يقرون بأن هذا البحث أي بحث التوسل يختلف عن بحث الشرك والتوحيد ولا علاقة له به ، فيعتبرون بعض أنواع التوجه لله من خلال مكانة الأنبياء والأولياء مما ثبت في النصوص فيدخل تحت عنوان السنة وبعضها لم يثبت فيدخل تحت عنوان البدعة ، قال ابن تيمية : " وما زلت أبحث وأكشف ما مكنني من كلام السلف والأئمة والعلماء هل جوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء أو فعل ذلك أحد منهم فما وجدته ثم وقفت على فتيا للفقيه أبي محمد بن عبدالسلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي (ص) وأما النبي (ص) فجوز التوسل به إن صح الحديث في ذلك " (1) .

بل تجد الاعتراف بالتوسل في كلمات ابن عبدالوهاب نفسه فينفي أنه يكفر من يتوسل ، قال : " ولكن أنكرنا على من دعا المخلوق أعظم مما يطلب منه تفريج الكربات وإعطاء الرغبات ، فأين هذا ممن يدعو الله مخلصا له الدين لا يدعو مع الله أحدا ، ولكن يقول في دعائه : أسألك بنبيك أو بالمرسلين أو بعبادك الصالحين ، أو غيره يدعو عنده لكن لا يدعو إلا الله مخلصا له الدين " (2) .

ويصرح حمد بن ناصر بجواز التوسل بالحي قائلا : " الذي فعله الصحابة ( رض ) هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات والتوحيد ، والتوسل بما أمر الله به من الإيمان بالرسول ومحبته وطاعته ونحو ذلك ، وكذلك توسلوا بدعاء النبي (ص) وشفاعته في حياته ، وتوسلوا بدعاء العباس وبيزيد ... " (3) .

 

(1) دعاوى المناوئين ص 261 نقلا عن كتاب ( الرد على شبهات المستعينين بغير الله ) ص 49 .
(2) دعاوى المناوئين ص 256 نقلا عن ( مجموعة مؤلفات الشيخ ) 3/ 68 .
(3) دعاوى المناوئين ص 256 نقلا عن ( الدرر السنية ) ج9 ص17 .

 
 

190 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وصرح عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب بأن التوسل بالميت من البدع لا من الشرك قائلا : " وأما التوسل ، وهو أن يقال : اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد (ص) أو بحق نبيك أو بجاه عبادك الصالحين أو بحق عبدك فلان ، فهذا من أقسام البدع المذمومة ولم يرد بذلك نص " وقال أيضا : " وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو من البدع المحدثة في الإسلام ولكن بعض العلماء يرخص فيه وبعضهم ينهى عنه ويكرهه .. لكنه لا يوصله إلى الشرك الأكبر ..." (1) .

المعيار الثاني : عبادة الشفعاء تتحقق بطلب الدعاء منها
وهذا الاحتمال الثاني في تقسيم ابن تيمية أي قوله : " أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين : ادع الله لي أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا " ، وهذا أيضا أقر بأنه لا يمكن أن يكون موجبا للوقوع في الشرك بل هو موجب للوقوع في البدعة .
وهو ما يعبر عنه في التراث الإسلامي بطلب الشفاعة من الأولياء عند الله .

فهل يعقل أن يكون محقق الشرك هو طلب الشفاعة من موجود من الموجودات التي لها مكانة عند الله ولو في اعتقاد المستشفع ؟ بمعنى أن يتوجه إلى الشفيع ويطلب منه أن يدعو الله لقضاء حاجته ، فليس طلب الشفاعة بهذا المعنى إلا من قبيل طلب الدعاء من الأخ المؤمن ، ولا شك بجواز طلب الدعاء من الأخ المؤمن فضلا عن عدم إمكان عده شركا ، وعدم الفرق هذا هو الذي يجعل ابن تيمية يبعد عنها فرضية الشرك .

ولكن مع ذلك تجد ظاهر كلمات بعض علماء الوهابية أن الشرك يتحقق بمجرد الاستشفاع بموجود ما بمعنى أن تطلب منه الشفاعة ، ولذا ينبغي أن نفصل في الحديث عن الشفاعة أكثر ولكن بعد عرض الفرضية الثالثة في تحديد موجب الشرك ومحققه .

 

(2) المصدر السابق ص 259 ، الفقرة الأولى عن ( الدرر السنية ) 1 /129 ، والثانية عن ( مجموعة الرسائل والمسائل ) 1 / 69 باختصار .

 
 

191 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

المعيار الثالث : عبادة الشفعاء تتحقق بطلب قضاء الحاجة منها وبنفسها
نهاية اعتبر ابن تيمية الطلب المباشر من الشفيع كي يقضي الحاجة بنفسه موجب الشرك وسببه ، فيكون الدعاء بمعنى الطلب المباشر من المعبود من دون الله هو المحقق للشرك وذلك عندما تطلب الحاجة منه مباشرة لا أن يشفع له في ذلك عند الله ، وهي الفرضية التي ذكرها ابن تيمية بقوله : " إحداها : أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول : يا سيد فلان أغثني ... أو انصرني على عدوي ... فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه " .

ولكن هذه الفرضية تواجه مشكلة كبيرة وهي منافاتها وتعارضها مع التصوير الوهابي للمشركين بأنهم موحدون في الربوبية ، فكيف يطلبون من غير الله مباشرة مع افتراض اعتقادهم بأن الله هو الخالق المدبر لا هذه الآلهة ؟!

واعتقد بأن فيما عرضناه أخيرا نتائج مهمة أخذت من فم ابن تيمية الذي أقر بأن عنوان التوسل وعنوان طلب الدعاء من الشفيع لا يدخلان في بحث التوحيد والشرك بل في بحث السنة والبدعة ، لكن كما قلنا هناك خلط كبير في كلماتهم ، فهناك عبارات صريحة عند أصحاب هذه الرؤية تعتبر الشفاعة موجبا للشرك مع اضطراب واضح في تحديد الشرك وارتباطه بمفردة الشفاعة ، كما أنه لا بد من مناقشة صحة ما ذهب إليه ابن تيمية من أن دعاء الميت وطلب الحاجة منه هو موجب الشرك و محققه ، وهذا ما سنبحثه مفصلا عند دراسة فرضية أن يكون الدعاء هو محقق الشرك .

وباعتبار أن موجب الشرك في العبادة ومحققه تردد في كلماتهم بين أن يكون في طلب الشفاعة وبين أن يكون في طلب الحاجة مباشرة ، لذا استيفاءً للبحث ندرس الشفاعة والدعاء ضمن البابين التاليين ، نتحدث في الأول منهما عن عنوان الشفاعة ، وفي الثاني عن عنوان الدعاء وطلب قضاء الحوائج من غير الله .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب