192 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الباب الثاني : الشفاعة

قرأنا تصريح ابن تيمية بأن طلب الشفاعة إن قصد بها طلب الدعاء من الميت ليس شركا بل بدعة ، ولكن مع ذلك تجد أن بعض علمائهم ركز على عنوان الشفاعة واتخاذ الشفعاء كموجب للوقوع في الشرك .

قال ابن عبدالوهاب : " إن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه ، وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قوله ( هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه " (1) .
وقال : " فإن قال : الكافر يريد منهم - الأصنام - وأنا أشهد أن الله هو النافع المدبر لا أريد إلا منه والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم .

 

(1) شرح كشف الشبهات ص 76 - 77 .

 
 

193 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فالجواب : أن هذا قول الكفار سواء بسواء واقرأ عليه قوله تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) الزمر / 3 وقوله تعالى ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) يونس / 18 " (1) .

فتراه حينما قيل له في الإشكال : إننا نعتقد بأن الضار النافع الله فقط ونعتقد أن الصالحين ليس لهم من الأمر شي ولكن نقصدهم نرجو من الله شفاعتهم ، كان ظاهر جوابه أن مجرد التوجه إلى الله بتوسيطهم هو الذي أوجب الشرك لتماثله مع فعل المشركين في الآيتين .

وعبارة عبداللطيف آل الشيخ في رده على من يتوسل بالصالحين ظاهرة في ذلك حيث قال : " أن هذا بعينه قول عباد الأنبياء والصالحين من عهد قوم نوح إلى أن بعث إليهم خاتم النبيين ولم يزيدوا على ما ذكره هؤلاء الغلاة فيما انتحلوه من الشرك الوخيم والقول الذميم كما حكى الله عنهم ذلك في كتابه الكريم قال تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) وقال تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ، فهذه النصوص المحكمة صريحة في أن المشركين لم يقصدوا إلا الجاه والشفاعة والتوسل بمعنى جعلهم وسائط تقربهم إلى الله " (2) .

وذلك واضح في قول آخر منهم هو أبو السمح : " فيظنون أن أولياء تقرب العباد من الله فيكونون وسطاء عنده لغيرهم ممن ليسوا بأولياء ولم يدروا أن اتخاذ الأولياء وسطاء وشفعاء من دون الله هو دين المشركين في كل زمان " (3) .

 

(1) المصدر السابق ص 85 - 86 .
(2) نقلا عن كتاب ( الواسطة بن الله وخلقه عند أهل السنة ومخالفيهم ) ص551 .
(3) الواسطة بين الله وخلقه عند أهل السنة ومخالفيهم ص 358 .

 
 

194 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فهذه العبارات يظهر منها أنهم اعتبروا الشفاعة المذكورة في قوله تعالى ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) هي التي تحقق الشرك بمعنى أنه لا إشكال عندهم في مطلق الدعاء والطلب من غير الله باعتبار أن طلب البشر بعضهم من بعض أمر من المسلمات التي تقوم عليها حياة البشر ولا يمكن أن يتعلق في نفسه بعنوان الشرك ، ولكن خصوص توسيط الشفيع هو الذي حقق الشرك ، ولنقل التشفع أو الاستشفاع هو الموجب بمعنى طلب المحتاج من الشفيع أن يذهب للتوسط عند الله .

توضيح اللغويين لكلمة لشفاعة

وفي البدء ينبغي تحديد المعنى اللغوي للكلمة ، قال الأزهري : " قال المنذري : وسمعت أبا العباس وسئل عن اشتقاق الشفعة في اللغة ، فقال : الشفعة الزيادة ، وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عنده فتزيده وتشفعه بها أي تزيده بها ، أي أنه كان وترا واحدا فضم إليه ما زاده وشفعه ... " ، وعن المعنى المستعمل في الشرع قال : " والشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره " (1) .

وقال الخليل : " والشافع : الطالب لغيره ، وتقول استشفعت بفلان فشفع لي إليه فشفّعه في والاسم الشفاعة واسم الطالب الشفيع " (2) .

وقال ابن المنظور : " والشفاعة كلام الشفيع للملك في حاجة يسألها لغيره ، وشفع إليه في معنى طلب إليه والشافع الطالب لغيره يتشفع به إلى المطلوب ، يقال : تشفعت بفلان إلى فلان فشفعني فيه واسم الطالب شفيع ... واستشفعته إلى فلان أي سألته أن يشفع لي إليه ، وتشفعت إليه في فلان فشفعني فيه تشفيعا ... " ، وعن المعنى المقصود هنا قال : " وقد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا

 

(1) تهذيب اللغة ج1 ص 278 .

(2) العين ص 485 .  
 

195 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

والآخرة وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم ، والمشفِّع الذي يقبل الشفاعة والمشفَّع الذي تقبل شفاعته " (1) .

وقال الطريحي : " والشفعة كغرفة ، قد تكرر ذكرها في الحديث ، وهي في الأصل التقوية والإعانة ، وفي الشرع استحقاق الشريك الحصة المبيعة في شركة ، واشتقاقها على ما قيل من الزيادة ، لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به ،كأنه كان واحدا وترا فصار زوجا شـفعا " ، وعن المعنى المستعمل فيه هنا قال : " وفي الحديث تكرر ذكر الشفاعة فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة ، وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم ، ومنه قوله (ص) : أعطيت الشفاعة " (2) .

تعريف المفسرين وعلماء الحديث للكلمة

قال الطبري : " والشفاعة مصدر من قول الرجل : شفع لي فلان إلى فلان شفاعة وهو طلبه إليه في قضاء حاجته ، وإنما قيل للشفيع شفيع وشافع لأنه ثنى المستشفع به ، فصار له شفْعا ، فكان ذو الحاجة قبل استشفاعه به في حاجته فردا فصار صاحبه له فيها شافعا ، وطلبه فيه وفي حاجته شفاعة ، ولذلك سمي الشفيع في الدار وفي الأرض شفيعا لمصير البائع به شفعا " (3) .

وقال الراغب : " الشفع ضم الشيء إلى مثله ، ويقال للمشفوع شفع ... والشفاعة الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه ، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى ، ومنه الشفاعة في يوم القيامة قال ( لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ) ... أي لا يشفع لهم " (4) .

 

(1) لسان العرب ج 8 ص 184 .
(2) مجمع البحرين ج4 ص 353 -354 .

(3) تفسير الطبري ، المجلد الأول ، ج1 ص 381 .
(4) المفردات في غريب القرآن ص 263 .
 
 

196 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

والظاهر أن ما ذكره اللغويون في توضيح المعنى المستعمل فيه مصدره قول ابن الأثير في ( النهاية في غريب الحديث ) : " قد تكرر ذكر الشفاعة في الحديث فيما يتعلق بأمور الدنيا والآخرة وهي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم " (1) .

قال ابن حجر في تفسير الخبر المروي عنه (ص) : " فيقولون : لو استشفعنا على ربنا : ضمن معنى استشفعنا سعى ، لأن الاستشفاع طلب الشفاعة ، وهي انضمام الأدنى إلى الأعلى ليستعين به على ما يروعه " (2) .

 

(1) النهاية في غريب الحديث والأثر ج2 ص 434 .

(2) فتح الباري ج11 ص 432 - 433 .  
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب