202 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الشرك عند العرب في عبادة الشفيع لا في مجرد الاعتقاد بشفاعته .

ما دامت الشفاعة في نفسها من مسلمات الإسلام ، فإذن علينا أن نتساءل أين كان شركهم إذا لم يكن في الشفاعة ؟! أين تحقق الشرك الذي تحدث عنه ابن تيمية في قوله : " فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك " ، فما هي الشفاعة التي فيها شرك ؟ ومتى تكون كذلك ؟

اعتقد أن الربط بين الشرك من جهة وتوسيط الآلهة في تقربهم المذكور في آية الزلفى أو شفاعتها المذكورة في آية الشفعاء من جهة أخرى سبب لبسا عند الكثيرين ، وفي معناهما قوله تعالى ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) الأنعام / 94 ، وقوله تعالى ( وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ) الروم / 13 إذ ذكر فيهما اعتقاد المشركين بشفاعة آلهتهم مع ذكر أنهم أشركوا بالله باتخاذها آلهة .

والآيات ليس فيها أكثر من تقرير عقيدتهم بأن الآلهة تشفع لهم عند الله ، لذا قال ابن عباس في آية الأنعام : " شفعاؤكم أي آلهتكم الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم " (1) ، وقال ابن كثير في الآية نفسها : " وقوله ( وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء ) تقريع وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان ظانين أنها تنفعهم في معاشهم معادهم إن كان ثم معاد " (2)، وقال في آية الروم : " ( وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء ) أي ما شفعت فيهم الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله تعالى " (3) .

 

(1) زاد المسير ج3 ص 68 .

(2) تفسير ابن كثير ج2 ص 163 . (3) المصدر السابق ج3 ص 438 .  
 

203 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

و يتكرر في القرآن ذكر عبادة المشركين لغير الله من دون ربط للأمر بالتقرب إلى الله والشفاعة كما في قوله تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ) الفرقان / 55 ، كما أن القرآن يذكر الشفاعة في آيات أخرى دون أن يكون الحديث عنها حديثا عن الشرك بل يقر بوجودها وتحققها على أنها حق وصواب ، ولكن بعد أن يأذن الله كما في قوله تعالى ( مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ) يونس / 3 ، وخطأ الوهابية أنها قامت بالربط بين الأمرين وكأنهما أمر واحد وحقيقة واحدة .

ولتوضيح الأمر أكثر نقول هناك آيات في القرآن ظاهرها نفي وجود الشفيع بصورة مطلقة كقوله تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) البقرة / 254 ، ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) الأنعام / 51 ، ( أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ ) الأنعام /70 .

ما المقصود بالنفي في هذه الآيات ؟

قال الطبري في حديثه عن الآية الأولى : " وهذه الآية مخرجها في الشفاعة عام والمراد بها خاص ، وإنما معناه : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة لأهل الكفر بالله لأن أهل ولاية الله والإيمان به يشفع بعضهم لبعض " (1) .

 

(1) تفسير الطبري المجلد الثالث ،ج3 ص 7 .

 
 

204 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقال ابن كثير : " ولا شفاعة : أي لا تنفعهم شفاعة الشافعين " (1) .
وقال الشوكاني : " ولا شفاعة مؤثرة إلا لمن أذن الله له " (2) .

وقال الشيخ الطوسي : " ( وَلاَ شَفَاعَةٌ ) وإن كان على لفظ العموم فالمراد به الخصوص بلا خلاف لأن عندنا قد تكون شفاعة في إسقاط الضرر وعند مخالفينا في الوعيد قد يكون في زيادة المنافع فقد أجمعنا على ثبوت الشفاعة وإنما ننفي نحن الشفاعة قطعا عن الكفار ، ومخالفونا عن كل مرتكب كبيرة إذا لم يتب منها " (3) .

وقال الشيخ الطبرسي : " ( وَلاَ شَفَاعَةٌ ) أي لغير المؤمنين مطلقا ، فأما المؤمنون فقد يشفع بعضهم لبعض ويشفع لهم أنبياؤهم كما قال سبحانه ( وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ) ، ( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) ... ( وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ... وأخبر أنه حرم الكافر هذه الأمور " (4) .

وعليه كل الآيات التالية هي بيان لحال الكفار ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) البقرة / 48 ، ( وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ) البقرة / 123 ، وكذلك قوله تعالى عنهم ( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) الشعراء /100– 101 ، فكلها آيات صريحة في أنه أمر لا يحصل عليه الكفار .

بل الأمر واضح في القرآن حينما يقول عز وجل ( فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ) المدثر / 48 فالآية صريحة في وجود الشافعين لكن شفاعتهم لا تنفع ، وعلى ذلك يحمل قوله تعالى ( قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا ) الأعراف / 53 فهم يعلمون بوجود الشفعاء فيطلبون شفاعتهم ، ولكنه ليس طلبا حقيقيا هنا بل هو

 

(1) تفسير ابن كثير ج1 ص 312 .
(2) فتح القدير ج1 ص 310 .

(3) التبيان في تفسير القرآن ج2 ص 306 .
(4) مجمع البيان ج1 ص 360 .
 
 

205 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

لبيان الحسرة التي يعيشونها حينذاك ، وعليه يكون قوله تعالى ( مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ) غافر / 18 صريحا في أنه ليس لهؤلاء الظالمين شفيع يطاع ولكن لغيرهم شفيع يطاع .

ما نريد بيانه أن المفسرين أجمعوا على أن تلك الآيات ليست في صدد نفي أصل الشفاعة وإنما تنفي حصول نوع معين من الناس عليها وهم الكفار .

ولا شك أن القرآن ذم تخيلات المشركين بأن آلهتهم تشفع في آيات عدة منها آيتي القربى والشفعاء الأساسيتين في الباب ، ولكن الآيات التي ذمت مثل تلك التخيلات لم تكن في صدد ذم أصل الشفاعة أو اعتبارها فكرة خاطئة في نفسها ، بل هي ذمت خصوص تخيلاتهم الخاطئة في تحديد الشفعاء وأنهم يلجأون إلى شفعاء لا يشفعون ولا ينفعون ، فذمهم لأنهم جعلوها لموجودات من دون إذن من الله مع أن الشفاعة بيد الله وأمرها إليه ، فانحرافهم يكمن في أنهم جعلوا الشفاعة لآلهة اختلقوها ، قال تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) الزمر / 43-44 .

فعبارة لله الشفاعة جميعا تعني أن أمرها بيد الله ، فهي رد على المشركين الذين جعلوها لآلهتهم التي اتخذوها من دون الله ، لذا تتكرر الآيات التي تؤكد على وجود الشفاعة ولكنها تؤكد في الوقت نفسه على أن أمرها بيد الله ، فكيف جعلتموها لآلهتكم المختلقة ؟!

ويتكرر الحديث في القرآن عن أن الشفعاء المزعومين لا يشفعون قال تعالى ( وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ) الأنعام / 94 ، والمعنى ذاته يتكرر في قوله تعالى ( وَيَوْمَ تَقُومُ

206 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ * وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ) الروم / 12- 13 ، وكذلك قال عز وجل ( أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ ) يس / 23 .

وكحصيلة لما سبق ، نقول لا شك بأن آية الزلفى وآية الشفاعة تحدثتا عن أمر واحد يقوم به المشركون عبر عنه تارة ( لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) وتارة أخرى ( شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) ، وتجد الوحدة بين الأمرين واضحة في قول ابن الجوزي : " قوله تعالى ( مَا نَعْبُدُهُمْ ) أي يقولون ما نعبدهم ( إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) أي إلا ليشفعوا لنا إلى الله " (1) ، فاعتبر إن معنى يقربونا : يشفعوا لنا .

ولكن الأمر المهم الذي أردنا بيانه هنا ، هل تحقق الشرك بمجرد عبادتهم المذكورة في القسم الأول من الآيتين أي قوله ( مَا نَعْبُدُهُمْ ) في الأولى وقوله ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ ) في الثانية وبالمعنى اللغوي لكلمة العبادة والتي وضحها بعض المفسرين بقوله : " ويكون مقصودهم من عبادتها توجيه تلك العبادات إلى أصحاب تلك الصور " (2) ؟
أم كان الشرك في اتخاذها واسطة في القرب وشفيعة ، فالعبادة تحققت عندما اتخذوها شفعاء تشفع لهم عند الله ؟
فما نقوله هنا إن الحديث عن شركهم بالله قد اكتمل في قوله تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ) وأما بقية الآية أي قوله تعالى ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) فهو مطلب جديد لا علاقة له بالشرك ، وأيضا قوله تعالى ( لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) هو بيان لعلة العبادة الغائية ولا علاقة لها بحقيقة العبادة،

 

(1) زاد المسير ج7 ص 41 .

(2) اللباب في علوم الكتاب ج16 ص 470 .  
 

207 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فالعبادة حقيقتها متضمنة في كلمة العبادة نفسها التي في قوله تعالى ( مَا نَعْبُدُهُمْ ) وبمعناها اللغوي عند العرب دون حاجة لإضافة أي توضيح آخر ، وباقي الآية لبيان غاية العبادة وأنها بقصد الحصول على شفاعتها ، وتجد ذلك واضحا في كلمات المفسرين .

فقد روى ابن أبي حاتم أن النضر بن الحارث قال : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى فأنزل الله ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) " (1) .
وقال مقاتل في تفسيره : " قالوا : نعبدها لتشفع لنا يوم القيامة ، فذلك قوله ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ )" (2) .
وقال الطبري : " ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) يعني أنهم كانوا يعبدونها رجاء شفاعتها عند الله " (3) ، لا أن اتخاذ الشفيع هو العبادة .

وعبارة البغوي التالية تفيد أن هناك أمران : الأول عبادة الأوثان والثاني أنها تشفع قال : " ومعنى الآية : أتخبرون الله أن له شريكا وعنده شفيعا بغير إذنه " (4) ، فشريكا شيء وشفعيا بغير إذنه شيء آخر .

قال البيضاوي : " وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعا أنه لا يضر ولا ينفع على توهم أنه ربما يشفع لهم عنده " (5) ، فمن الواضح أنه يعتبر رؤيتهم للشفاعة غاية تترتب على العبادة لا أنها داخلة في حقيقة العبادة .

 

(1) تفسير ابن أبي حاتم ج6 ص 1936 .
(2) تفسير مقاتل ج2 ص 232 .
(3) تفسير الطبري ، المجلد السابع ، ج11 ص 129 .

(4) تفسير البغوي ج2 ص 294 .
(5) تفسير البيضاوي ج1 ص 431 .
 
 

208 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقال الشيخ الطوسي : " وقوله ( وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) إخبار منه تعالى عن هؤلاء الكفار إنهم يقولون إنا نعبد هذه الأصنام لتشفع لنا عند الله ، فتوهموا إن عبادتها أشد في تعظيم الله من قصده تعالى بالعبادة ، فحلت من هذه الجهة محل الشافع عند الله " (1) .

وقال أيضا : " أمر نبيه (ص) أن يقول لهم على وجه الإلزام أتخبرون الله بما لا يعلم من حسن عبادة الأصنام وكونها شافعة " (2) ، وكلامه واضح في افتراق الأمرين العبادة والشفاعة .

وعليه لن تجد معنى محصلا لقول ابن تيمية الذي نقل سابقا : " فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك " ، فشركهم كان في عبادتهم للأوثان لا في اعتقادهم بأنها تشفع ، ولا علاقة للشرك بالشفاعة ، فمن أين ربط بين الأمرين ؟ وقال : الشفاعة التي فيها شرك ، فحقيقة الشفاعة كما في تعريفه هو : " وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود " ، فكيف يمكن أن تصبح هذه الحقيقة شركا في غير عبادة الشفعاء التي وقع بها المشركون ؟ وهو ما لم يحدث بين المسلمين ولا يمت إلى الشفاعة عند المسلمين بصلة حتى لو كان الاستشفاع بميت ، والأعجب والأغرب أن يتحقق الشرك بموت المستشفع وأما في حياته فليس بشرك ؟!

وأما لو قيل بأن الشرك هو في الطلب المباشر لقضاء الحاجة فهذا خروج عن موضوع الشفاعة إذ حقيقتها أن يكون طلب قضاء الحاجة من الله ولكن بشفاعة آخر وتوسيطه .

 

(1) التبيان في تفسير القرآن ج5 ص 355 .

(2) مجمع البيان ج3 ص 98 .  
 

209 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

نعم قد يشكل بوجود تعبير شفعاء من دون الله كما في قوله تعالى ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء ) الزمر / 43 بما يوهم الترادف بين الكلمتين ، ولكن ذكرنا سابقا أنها بتقدير حذف الموصوف فكأن أصلها آلهة شفعاء من دون الله كما هو الحال في كلمة الشهداء في قوله تعالى ( وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) البقرة / 23 فلا شك بأن الشهادة ليست من موجبات الشرك ، ولكن المقصود آلهة شهداء بحذف الموصوف .

والخلاصة أن جواب المشركين يتلخص في اعتقادهم بأن عبادتها أمر لا بد منه لأنه الطريق للتقرب إلى الله ، ولأنها بذلك تصبح شفعاء لنا عند الله ولا يتحقق المطلوب بدون ذلك ، وهذا التبرير لا يتنافى مع اعتقادهم بأن الأبناء ليسوا أربابا وإنما هم فقط آلهة كما هي الرؤية الوهابية ، كما أنه لا يتنافى مع قول من يقول بأنهم اعتقدوا ربوبية الأبناء المختلقين ؟! فالشفاعة تكون على التصوير الثاني أحد أدوارها ، ولها أداور أخرى كطلب النصرة منها مباشرة فيما تقدر عليه وتستقل به .

ونهاية لا يمكن أن يكون مجرد الاعتقاد بوجود الشفيع هو الموجب للشرك وسببه ، ولذا يجب الانتقال لدراسة التصوير الثاني لمناط الشرك الواقع في آيتي الزلفى والشفعاء وهو الدعاء .
 

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب