214 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الباب الثالث
دعاء غير الله هو موجب الشرك

إن الأقوال التالية لأئمة هذه الرؤية صريحة في أن المناط في تحقق شرك المشركين في آيتي الزلفى والشفعاء هو دعاء غير الله ، فالمشركون المذكورون في الآيتين أشركوا لأنهم دعوا غير الله .

قال ابن تيمية : " فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم ، وخطاب تماثيلهم هو أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى ، قال تعالى ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ) فإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والاستغاثة بهم واستشفاع به في هذه الحال - ونصب تماثيلهم بمعنى طلب الشفاعة منهم - هو من الدين الذي لم يشرعه الله " (1) .

وقد مر علينا قوله : " وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية البدعية فينبغي إتباع ذلك والمراتب في هذا الباب ثلاث :

 

(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص 18 .

 
 

215 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

إحداها : أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سوء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول : يا سيد فلان أغثني ... أو انصرني على عدوي ... فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه " (1) .

وقال ابن عبدالوهاب بعد استشهاده بآيتي الزلفى والشفعاء : " فإن قال أن لا أعبد الله وهذا الالتجاء إلى الصالحين ودعاؤهم ليس بعبادة .
فقل له : أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة لله وهو حقه عليك ، فإذا قال : نعم ، فقل له : بين لي هذا الذي فرض عليك وهو إخلاص العبادة لله وحده وهو حقه عليك فإن كان لا يعرف العبادة ولا أنواعها ، فبينها له بقولك : قال الله تعالى ( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) ، فإذا أعلمته بهذا فقل له : هل علمت هذا عبادة لله فلا بد أن يقول : نعم ، والدعاء مخ العبادة .
فقل له : إذا أقررت أنها عبادة ودعوت الله ليلا ونهارا خوفا وطمعا ثم دعوت في تلك الحاجة نبيا أو غيره هل أشركت في عبادة غيره ؟ فلا بد أن يقول : نعم " (2) .

ففي هذه العبارة وفيما نقلناه سابقا من قوله : " النبي (ص) أعطي الشفاعة وأنا أطلبه مما أعطاه الله ؟ فالجواب : أن الله أعطاه ونهاك عن هذا " دليل على أن الوهابية ترى أن الشرك في آيتي الزلفى والشفاعة يتحقق بدعاء غير الله والطلب منه ، وعلى هذا استقرت أغلب كلماتهم في تقرير النقطة التي أوجبت اعتبار القائلين في الآيتين مشركين ، فهي متضمنة في كلمة العبادة بمعناها اللغوي والعرفي ، ولكن باعتبار أن الطلب والدعاء أجلى مصاديقها ، وليس في قولهم المنقول ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ولا في قولهم الآخر( هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) دعاء وطلب

 

(1) راجع هذا الكتاب ص 68 .

(2) شرح كشف الشبهات ص 87 -89 .  
 

216 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

صريح ، لكن من واضح أن المستشفع يطلب الشفاعة وقضاء الحاجة ، بل هو استشفع الآلهة من أجلها .

قال سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب : " فإن قلت : إنما حكم سبحانه وتعالى بالشرك على من عبد الشفعاء ، أما من دعاهم للشفاعة فقط فهو لم يعبدهم ، فلا يكون ذلك شركا .
قيل : مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك ، والشرك لازم له ، كما أن الشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه وتعالى ، والتنقص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى ، وعلى هذا فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في الخارج ، وإنما هو شيء قدره المشركون في أذهانهم ، فإن الدعاء عبادة ، بل هو مخ العبادة ، فإذا دعاه للشفاعة فقد عبدهم وأشرك في عبادة الله شاء أم أبى " (1) .
ولا أعرف كيف يكون الشرك لازما لاتخاذ الشفعاء والمسلمون جميعا يتخذون رسول الله (ص) شفيعا ؟!!

قال عبدالعزيز العبداللطيف في ( دعاوى المناوئين ) :
" ولما دخلت جيوش الموحدين مكة سنة 1218 هـ كان مما حدث مع علماء مكة ما سطره الشيخ عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب : عرفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار ... فذكر بعضهم شبهة أو شبهتين فرددناها بالدلائل القاطعة من الكتاب والسنة حتى أذعنوا ... لم يبق لديهم شك في من قال : يا رسول الله ... طالبا بذلك دفع شر أو جلب خير ... أنه مشرك الشرك الأكبر الذي يهدر دمه ويبيح ماله وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون هو الله وحده ، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء متقربا له لقضاء حاجته " (2) .

 

(1) تيسير العزيز الحميد ص221 .

(2) دعاوى المناوئين ص 357 - 358 ، عن الهدية السنية .  
 

217 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ونقل عن الشيخ سليمان حفيد ابن عبدالوهاب في شرحه لتوحيد جده : " الدعاء عبادة من أجل العبادات بل هو أكرمها على الله ... فإن لم يكن الإشراك فيه شركا فليس في الأرض شرك وإن كان في الأرض شرك فالشرك في الدعاء أولى أن يكون شركا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة بل الإشراك في الدعاء هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول الله (ص) فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين والملائكة ليشفعوا لهم عند الله ، ولهذا يخلصون في الشدائد لله وينسون ما يشركون " (1) .

قال ابن عثيمين في شرحه لتوحيد ابن عبدالوهاب :
" من الشرك أن يدعو غير الله ، وذلك لأن الدعاء من العبادة ، قال الله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) عبادتي أي دعائي فسمى الله الدعاء عبادة ، وقال (ص) : إن الدعاء هو العبادة .
والدعاء ينقسم إلى قسمين :
1- ما يقع عبادة وهذا صرفه لغير الله شرك وهو المقرون بالرهبة والرغبة والحب والتضرع .
2- ما لا يقع عبادة فهذا يجوز أن يوجه إلى المخلوق قال النبي (ص) : من دعاكم فأجيبوه ، وقال : إذا دعاك فأجبه ، وعلى هذا فمراد المؤلف بقوله : أو يدعو غيره ، دعاء العبادة أو دعاء المسألة فيما لا يمكن للمسؤول إجابته (2) .

 

(1) دعاوى المناوئين ص 347 - 348 ، نقله عن تيسر العزيز الحميد باختصار يسير .

(2) القول المفيد ج1 ص 260  
 

218 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقال صالح الفوزان في شرحه لتوحيد ابن عبدالوهاب :
" من أنواع الشرك الأكبر أن يستغيث بغير الله والاستغاثة طلب الغوث ولا تكون إلا في وقت الشدة ، وأما الدعاء فهو عام في وقت الشدة وفي غيرها فعطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص ، والاستغاثة بالمخلوق على قسمين :
القسم الأول : الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى ، فهذه هي الشرك الأكبر لأنها صرف للعبادة لغير الله سبحانه وتعالى .
أما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق الحاضر عنده ،كاستغاثة الإنسان بغيره في الحرب ليساعده ويناصره على عدوه فهذا جائز كما قال الله تعالى عن موسى (ع) ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) ، فالاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه – كالاستغاثة بالأموات والغائبين – شرك أكبر ، لأنه يستغيث بمن لا يقدرون على شيء أبدا ، فالذين يستغيثون بالأضرحة وبالأولياء وبالصالحين والأموات أو يستغيثون بالغائبين من الجن أو بالشياطين كل هذا من النوع الممنوع .
أما الدعاء فهو أعم من الاستغاثة – كما سبق - هو نوعان : دعاء عبادة ودعاء مسألة ، دعاء العبادة هو الثناء على الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته ودعاء المسألة هو طلب الحاجات من الله سبحانه وتعالى " (1) .

وكما تلاحظ عبارة ابن عثيمين : " فيما لا يمكن للمسؤول إجابته " وعبارة الفوزان : " فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى " وهما احتمالان في تقييد الدعاء الشركي سنتحدث عنهما قريبا .

وقال الشيخ ابن عثيمين مبينا أن حقيقة الشرك في دعاء غير الله :
" ثم إن هذا المشرك المشبه ليس يريد من رسول الله (ص) أن يشفع له ، ولو كان يريد ذلك لقال : اللهم شفع فيّ نبيك محمدا رسول الله (ص) ، ولكنه يدعو الرسول مباشرة ،

 

(1) إعانة المستفيد ج1 ص267

 
 

219 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ودعاء غير الله شرك أكبر مخرج من الملة ، فكيف يريد هذا الرجل الذي يدعو مع الله غيره أن يشفع له أحد عند الله سبحانه وتعالى ؟! " (1) .

وإن كانت عبارته هنا مرتبكة تحتمل أنه يرى ما استظهرناه من رأي ابن تيمية في اختصاص الشرك بالدعاء لقضاء الحاجة مباشرة من المدعو بحيث لا يشمل دعاء وطلب الشفاعة عند الله خلافا لعبارات أخرى .

 

(1) شرح كشف الشبهات ص 93 -94 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب