219 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الاستعمالات اللغوية المتعددة لمفردة الدعاء

وقبل أن نناقش كلماتهم هذه ينبغي عرض استعمالات الكلمة المتعددة في اللغة والقرآن الكريم ، قال الراغب في توضيح الاستعمالات المتعددة لكلمة دعاء : " الدعاء كالنداء إلا أن النداء قد يقال بيا أو أيا ونحو ذلك من غير أن يضم إليه الاسم ، والدعاء لا يكاد يقال إلا إذا كان معه الاسم ... ، ويستعمل استعمال التسمية نحو دعوت ابني زيدا أي سميته ... ، ودعوته إذا استغثته قال تعالى ( قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ ) أي سله وقال : ( قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ) تنبيها أنكم إذا أصابتكم شدة لم تفزعوا إلا إليه ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) ، ( وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ، ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ) ، ( وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ ) ، ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ) " (1) .

 

(1) المفردات ، ص 169- 170 .

 
 

220 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ومن الواضح أن الكلمة استعملت بمعنى الذكر والتسبيح في القرآن الكريم ، والذكر والتسبيح من قبيل العبادات المختصة بالله عز وجل ، كما في قوله تعالى ( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يونس / 10 ، لذا كان الدعاء هنا بمعنى الذكر لا بمعنى الطلب والسؤال .

قال ابن الأثير : " وفي حديث عرفة ( أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ) ، إنما سمي التهليل والتحميد والتمجيد دعاء لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله وجزائه كالحديث الآخر( إذا شغل عبدي ثناؤه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين )" (1) .

قال الأزهري : " وقال الفراء : ( وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ ) يريد : آلهتهم ، يقول : استغيثوا بهم ... فالدعاء هنا بمعنى الاستغاثة ، وقد يكون الدعاء عبادة ومنه قول الله جل وعز ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) أي الذين تعبدون من دون الله .

وقال أبو إسحاق في قول الله عز وجل ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ) يعنى الدعاء لله على ثلاثة أضرب ، فضرب منها : توحيده والثناء عليه كقولك : يا الله لا إله إلا أنت ، وكقولك : ربنا لك الحمد ، إذا قلته فقد دعوته بقولك ربنا ثم أتيت بالثناء والتوحيد ، ومثله قوله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ ) الآية ، فهذا الضرب [ ضرب ] من الدعاء ، والضرب الثاني : مسألة الله العفو والرحمة وما يقرب منه كقولك : اللهم اغفر لنا.

والضرب الثالث : مسألة الحظ من الدنيا كقولك : اللهم ارزقني مالا وولدا ، وإنما سمي هذا أجمع دعاء لأن الإنسان يصدر في هذه الأشياء بقوله : يا الله يا رب يا رحمن ،

 

(1) النهاية في غريب الحديث والأثر ، ج2 ص 115 .

 
 

221 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فلذلك سمي دعاء ... وأما قول الله عز وجل ( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) يعني أن دعاء أهل الجنة تنزيه الله وتعظيمه وهو قوله ( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ) ، ثم قال ( وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) أخبر أنهم يبتدئون دعاءهم بتعظيم الله وتنزيهه ، ويختمونه بشكره والثناء عليه ، فجعل تنزيهه دعاء وتحميده دعاء ، والدعوى هنا معناها الدعاء ...
وروي عن النبي (ص) أنه قال : الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) ، وقال مجاهد في قوله ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ) قال : يصلون الصلوات الخمس ، وروي مثل ذلك عن سعيد بن المسيب ... ، وقال - الأخفش - في قول الله ( أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) : أي جعلوا ... ، وقوله ( لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا ) أي لن نعبد إلها دونه ، وقال الله عز وجل ( أَتَدْعُونَ بَعْلًا ) أي أتعبدون ربا سوى الله ، وقال ( فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ) أي لا تعبد " (1) .

وقال ابن سيده : " الدعاء : الرغبة إلى الله ، ومن كلامهم اللهم أشركنا في دعوى المسلمين ، وقال : دعوت له بخير ، وعليه بشر ...
ودعا الرجل دعوا ودعاء : ناداه والاسم الدعوة ، فأما قوله تعالى ( يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ) فإن أبا إسحاق ذهب إلى أن يدعو بمنزلة يقول ، ولمن مرفوع بالابتداء ، ومعناه : يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله ورب " (2) .

وقال الزبيدي : " والدعاء العبادة والاستغاثة ، ومن الثاني ( وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم ) أي اسغيثوا بهم " (3) .

 

(1) تهذيب اللغة ج3 ص 76 – 79 ، ونقل ذلك ابن منظور في ( لسان العرب ) ج14 ص257 .

 
(2) المحكم والمحيط ج2 ص 325 . (3) تاج العروس ج10 ص128 .
 

222 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقد لخص أبو البقاء المعاني المتعددة للدعاء مستشهدا بآيات القرآن الكريم ، قال : " والدعاء : الرغبة إلى الله والعبادة نحو ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُكَ ) ، والاستعانة نحو ( وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم ) ، والسؤال نحو ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) ، والقول نحو ( دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ) ، والنداء نحو ( يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ) ، التسمية نحو ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا ) " (1) .

والظاهر صحة ما ذهب إليه ابن فارس من رجوع مادة ( دعو ) إلى معنى أساسي واحد هو النداء ، قال : " الدال والعين والحرف المعتل أصل واحد وهو أن تميل الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك تقول : دعوت ادعو دعاء ، والدعوة إلى الطعام بالفتح ، والدعوة في النسب بالكسر " (2) .

والمتحصل مما سبق على أن أهم المعاني التي استعملت بها الكلمة :
1- مجرد النداء بمعنى أن يصيح عليه بما ينبه للالتفات أو المجيء مثل قولنا ادعوا زيدا ، وقوله تعالى ( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) النمل / 80 ، وقوله تعالى ( ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ ) ، وقوله تعالى ( وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ ) ، وكذلك قوله تعالى ( تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى ) كلها آيات استعملت بهذا المعنى ، وقد اجتمعت الكلمة ومرادفتها في قوله تعالى ( مَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء ) ، وكذلك قوله تعالى ( لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا ) النور / 63 ، وبهذا المعنى جاء قوله

 

(1) الكليات ص 447 .

(2) مقاييس اللغة ، ص 337 .  
 

223 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

تعالى ( اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ) الأنفال / 24 ، وكذلك قوله تعالى ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ) نوح / 5 .

2- التسمية والادعاء : مثل دعوت المولود زيدا أي سميته زيداً ، وبهذا المعنى استعملت في قوله تعالى ( تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) مريم / 91 ، أي ادعوا زورا أن لله ولدا ، قال الطبري : " وقال ( أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ) يعني بقوله ( أَن دَعَوْا ) أن جعلوا له ولدا كما قال الشاعر :
ألا رب من تدعو نصيحا وإن تغلب تجده بغيب غير منتصح الصدر " (1) .

وقال ابن الجوزي : " قوله تعالى ( أَن دَعَوْا ) قال الفراء : من أن دعوا ولأن دعوا ، وقال أبو عبيدة : معناه : أن جعلوا ، وليس هو من دعاء الصوت ... " (2) .

وكذلك استعملت في قوله تعالى ( ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ) غافر / 12 ، قال الطبري : " ( بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ) فأنكرتم أن تكون الألوهية له خالصة ، وقلتم ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ) ، ( وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ) يقول : إن يجعل لله شريك تصدقوا من جعل ذلك له " (3) .

وقال ابن الجوزي : " ( بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ) ، أي إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم وإن جعل له شريك آمنتم " (4) .

 

(1) تفسير الطبري ، المجلد التاسع ، ج16 ص 164 .
(2) زاد المسير ج5 ص 196 .

(3) تفسير الطبري ، المجلد الثاني عشر ، ج24 ص 62 .
(4) زاد المسير ج7 ص 72 .
 
 

224 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

3- الطلب والاستغاثة : وهذا كثير في القرآن مثل قوله تعالى ( هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ) ، وكذلك قوله تعالى ( قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا ) ، وانطلاقا من هذا المعنى تستعمل في الطلب من الله والاستغاثة به كما هو ظاهر قوله تعالى ( قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ) الأنعام / 41 أو ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) الأعراف / 56 ، وهكذا في مثل قوله تعالى ( قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً ) الإسراء / 56 .

4- العبادة : وهو المذكور في قول الأزهري : " وقد يكون الدعاء عبادة ومنه قول الله جل وعز ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) أي الذين تعبدون من دون الله " ، وقول أبي البقاء : " والدعاء الرغبة إلى الله والعبادة نحو ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ) " ، بل أكثر استعمالات القرآن قصد منها هذا المعنى ، فقد قرر الشوكاني استدلال البعض وقوله : " الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة " (1) .
والمعنى الثالث هو الذي اصطلح عليه بدعاء المسألة وأما الأخير فهو دعاء العبادة .

 

(1) فتح القدير ج4 ص571 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب