228 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الخلل الأول : الخلط بين دعاء العبادة ودعاء المسألة

إن هذه الآيات التي يظهر منها الوحدة بين الدعاء والعبادة لا تنفع لإثبات الرؤية الوهابية بعد أقرارهم بوجود معنيين واستعمالين لمفردة الدعاء يمكن أن تكون الكلمة استعملت في أحدهما في الآيات المستشهد بها ، والاستعمالان هما دعاء العبادة ودعاء المسألة ، وقد أقر علماؤهم بوجود هذين الاستعمالين ، ونقلنا عبارتهم سابقا ، ولا بأس بإعادتها .

قال ابن عثيمين : " الدعاء ينقسم إلى قسمين :
الأول : دعاء عبادة مثاله الصوم والصلاة ... وهذا القسم كله شرك ... .
الثاني : دعاء المسألة فهذا ليس كله شركا بل فيه تفصيل ، فإن كان المخلوق قادرا على ذلك فليس بشرك ... ... ، وأما من دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله فإن دعوته شرك مخرج عن الملة " (1) .

 

(1) القول المفيد ج1 ص 120- 121 .

 
 

229 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقال صالح الفوزان : " أما الدعاء فهو أعم من الاستغاثة - كما سبق - وهو نوعان : دعاء عبادة ودعاء مسألة ، دعاء العبادة هو الثناء على الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته ، ودعاء المسألة هو طلب الحاجات من الله سبحانه وتعالى " (1) .

وأصل تقسيم الدعاء إلى دعاء عبادة ودعاء مسألة مذكور في كلمات ابن تيمية عند تفسيره لقوله تعالى ( ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ) الأعراف / 55-56 قال : " هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء دعاء العبادة ودعاء المسألة فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة ، ويراد به مجموعهما وهما متلازمان فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي وطلب كشف ما يضره ودفعه ، وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر .

ولهذا أنكر - تعالى - على من عبد من دونه ما لا يملك ضرا ولا نفعا ، وذلك كثير في القرآن كقوله تعالى ( وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ ) يونس / 106 وقال ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ) يونس / 18 ، فنفى -سبحانه- عن هؤلاء المعبودين الضر والنفع القاصر والمتعدي فلا يكون لأنفسهم ولا لعابديهم " (2) .

وعلى ضوء ذلك لا شك أن الدعاء إذا قصد به العبادة ومثل لها بالصلاة والصوم كما في العبارات السابقة ، فإقامته لغير الله شرك بلا شك بل هو من مسلمات الإسلام ، بل لن يكون الشرك في دعاء العبادة إلا عبارة أخرى عن الشرك في العبادة .

 

(1) إعانة المستفيد ج1 ص267

(2) مجموعة الفتاوي ج15 ص 10 .  
 

230 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ولكن إن قصد به دعاء المسألة وحقيقته أن الداعي لغير الله يطلب منه ويسأله حاجة ، فما هو موجب الشرك وهو أمر نراه يقع يوميا في حياتنا ؟! فلم يعد دعاء غير الله ومسألته شرك ؟! ولأن هذا الإطلاق غير معقول خص في مثل كلمة ابن عثيمين بدعاء ما لا يقدر عليه إلا الله ، وهو أمر سنبحثه في الخلل الثاني ، ولكن ما نريد التركيز عليه هنا هو هل كل الآيات التي ذكروها تتحدث عن دعاء المسألة ، فيكون معنى دعاء غير الله في الآيات أي سؤال غير الله ، ومن ثم تكون دليلا على أن سؤال غير الله والطلب من ذلك الغير شرك ؟!

فما يجب عليهم إثباته أن الحديث في كل الآيات السابقة عن دعاء المسألة لا دعاء العبادة ، فبعد أن أقروا بانقسام الدعاء إلى النوعين السابقين ، يتوجه إليهم الإشكال والسؤال التالي : من قال لكم إن الآيات تتحدث عن دعاء المسألة لا دعاء العبادة ؟! إذ يكفي أن يقال إن كل الآيات السابقة هي تتحدث عن دعاء العبادة ولا علاقة لها بدعاء المسألة ، فلا وجه للاستدلال بها على شركية دعاء المسألة ، وهو ما تريدون إثبات أنه شرك يقع فيه الكثيرون عند قبور الأولياء ، ولا بد من أن نطيل الوقوف عند هذه النقطة انطلاقا من ضرورة بيان المعنى الصحيح للآيات المستدل بها ، وهل هي تتحدث عن دعاء المسألة أو دعاء العبادة ؟

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب