238 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

آيات الدعاء فيها بمعنى دعاء عبادة وإن توهم خلاف ذلك

قد يقال إن وجود كلمة الاستجابة في الآية التي فيها ذكر للدعاء يرجح أن المعنى المستعمل فيه كلمة الدعاء بمعنى الطلب والسؤال ، ولكن مع ذلك فسرت في أكثر الموارد من قبل المفسرين بدعاء العبادة لقرائن خاصة ، وإليك نماذج لها :
1- ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) غافر / 60 .
وكلمة الدعاء في الآية فسرت بالعبادة في أثر صحيح مروي عن بعض الصحابة ، فقد روى الحاكم عن جرير بن عبدالله البجلي ( رض ) في قول الله عز وجل ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) قال : " اعبدوني أستجب لكم " ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، قال الذهبي : على شرط مسلم (2) .

والبعض يريد أن يستفيد من الآية أن الدعاء عبادة بمعنى أنها أحد مصاديق العبادة ، ولكن الذي تراه في كلمات المفسرين أنهم اعتبروا كلمة الدعاء هنا قصد بها العبادة على نحو المرادف لها ، لا أنها استعملت بمعنى الطلب و الطلب من مصاديق العبادة كما تخيل البعض استئناسا بقوله تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) ، فالحق

 

(2) المستدرك على الصحيحين ج2 ص 301 .

 
 

239 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أن كلمة دعاء في المقطع الأول من الآية يجب أن تفسر بالعبادة ، لا أن كلمة العبادة في المقطع الثاني تفسر بالدعاء كما تخيل البعض .

وهذا تجده صريحا في خبر آخر صحيح روي عن رسول الله (ص) فهم منه المفسرون ما نقوله هنا لا ما فهمته الوهابية ، قال القرطبي : " قوله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) الآية ، روى النعمان بن بشير قال : سمعت النبي (ص) يقول : الدعاء هو العبادة ، ثم قرأ ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ، قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح ، فدل هذا على أن الدعاء هو العبادة ، وكذا قال أكثر المفسرين ، وأن المعنى : وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم " (1) ، فدعا معناه عبد ، لا أن الدعاء بمعنى الطلب والطلب مصداق للعبادة .

وقال الطبري : " وقوله ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول تعالى ذكره ويقول ربكم : أيها الناس [ لكم ] ادعوني يقول اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني من الأوثان والأصنام وغير ذلك ( أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول أجب دعاءكم فأعفو عنكم وأرحمكم وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك :
... عن ابن عباس قوله ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) يقول : وحدوني أغفر لكم .
... عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله (ص) : " الدعاء هو العبادة " ، وقرأ رسول الله (ص) ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ … ) .
وقوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) يقول : إن الذين يتعظمون عن إفرادي بالعبادة وإفراد الألوهة لي " (2) .

 

(1) الجامع لحكام القرآن ، المجلد الثامن ، ج15 ص 292 .

(2) تفسير الطبري ، المجلد الثاني عشر ، ج24 ص 98 - 100 .  
 

240 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

قال البغوي : " ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) أي اعبدوني دون غيري أجبكم وأغفر لكم ، فلما عبر عن العبادة بالدعاء جعل الإثابة استجابة " (1) .
وعبارته صريحة في أن العبادة عبر عنها بكلمة الدعاء ، لا أن الدعاء هنا بمعنى الطلب والمسألة ومن ثم هي من مصاديق العبادة .

قال ابن الجوزي : " ( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) فيه قولان : أحدهما : وحدوني واعبدوني أثبكم ، قاله ابن عباس ، والثاني : سلوني أعطكم ، قاله السدي ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي ) ، فيه قولان : أحدهما : عن توحيدي ، والثاني : عن دعائي ومسألتي " (2) .

قال الشوكاني : " ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) قال أكثر المفسرين : المعنى وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم وقيل : المراد بالدعاء السؤال بجلب النفع ودفع الضر ، قيل : الأول أولى لأن الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة ، قلت : بل الثاني أولى لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعا هو الطلب " (3) .

2- ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ) الرعد / 14.

قال الطبري : " يقول تعالى ذكره لله من خلقه الدعوة الحق والدعوة هي الحق كما أضيفت الدار إلى الآخرة في قوله ( وَلَدَارُ الآخِرَةِ ) وقد بينا ذلك فيما مضى وإنما عنى بالدعوة الحق توحيد الله وشهادة أن لا إله إلا الله ، وبنحو الذي قلنا تأوله أهل

 

(1) تفسير البغوي ج4 ص 91 .

(2) زاد المسير ج7 ص 87 . (3) فتح القدير ج4 ص571 .  
 

241 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

التأويل ذكر من قال ذلك ... عن ابن عباس ( دَعْوَةُ الْحَقِّ ) قال : لا إله إلا الله ... عن علي ( رض ) ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ) قال : التوحيد ... ، وقوله ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) يقول تعالى ذكره والآلهة التي يدعونها المشركون أربابا وآلهة وقوله ( مِن دُونِهِ) يقول من دون الله وإنما عنى بقوله ( مِن دُونِهِ ) الآلهة أنها مقصرة عنه وأنها لا تكون إلها ولا يجوز أن يكون إلا الله الواحد القهار ... وقوله ( لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْء ) يقول : لا تجيب هذه الآلهة التي يدعوها هؤلاء المشركون آلهة بشيء يريدونه من نفع أو دفع ضر " (1) .

قال البغوي : " ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ) أي لله دعوة الصدق ، قال رضي الله عنه : دعوة الحق التوحيد ، وقال ابن عباس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وقيل : الدعاء بالإخلاص والدعاء الخالص لا يكون إلا لله عز وجل ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) أي يعبدون الأصنام من دون الله تعالى " (2) .

قال ابن الجوزي : " قوله تعالى ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) يعني الأصنام يدعونها آلهة ، قال أبو عبيدة : المعنى والذين يدعون غيره من دونه ، قوله تعالى ( لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ ) أي لا يجيبونهم ... ... ، قوله تعالى ( وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ) فيه قولان أحدهما : وما دعاء الكافرين ربهم إلا في ضلال لأن أصواتهم محجوبة عن الله رواه الضحاك عن ابن عباس ، والثاني : وما عبادة الكافرين الأصنام إلا في خسران وباطل ، قاله مقاتل " (3) .

قال ابن كثير : " قال علي بن أبي طالب ( رض ) ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ) قال : التوحيد رواه ابن جرير ، وقال ابن عباس وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر ( لَهُ

 

(1) تفسير الطبري ، المجلد الثامن ، ج 13 ص 168 – 170 .
(2) تفسير البغوي ج3 ص 9 ، ولا أعرف لم يسقط اسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)؟!
(3) زاد المسير ج4 ص 242- 243 .

 
 

242 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

دَعْوَةُ الْحَقِّ ) لا إله إلا الله ( وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ) الآية أي ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله " (1) .

3- ( إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلآ أَنفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ) الأعراف / 194- 197 .
فالحديث في ( تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) عن دعاء عبادة ، ولكن ( فَادْعُوهُمْ ) فدعاء المسألة .

قال الطبري : " يقول جل ثناؤه لهؤلاء المشركين من عبدة الأوثان موبخهم على عبادتهم ما لا يضرهم ولا ينفعهم من الأصنام إن الذين تدعون أيها المشركون آلهة من دون الله وتعبدونها شركا منكم وكفرا بالله ( عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ) ... فإن كنتم صادقين أنها تضر وتنفع وأنها تستوجب منكم العبادة لنفعها إياكم فليستجيبوا لكم إذا دعوتموهم فإن لم يستجيبوا لأنها لا تسمع دعاءكم فأيقنوا بأنها لا تنفع ولا تضر " (2) .

قال ابن كثير : " هذا إنكار على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة لا تملك شيئا من الأمر ولا تضر ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها " (3) .
لكن مع ذلك فقد نقل البغوي عن ابن عباس تفسير فادعوهم بدعاء العبادة فكأن المعنى فاعبدوهم ، قال البغوي : " ( فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ )

 

(1) تفسير ابن كثير ج2 ص 525 .

(2) تفسير الطبري ، المجلد السادس ، ج 9 ص 201 . (3) تفسير ابن كثير ج2 ص 287 .  
 

243 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أنها آلهة ، قال ابن عباس : فاعبدوهم هل يثيبونكم أو يجازوكم إن كنتم صادقين أن لكم عندها منفعة " (1) .

4- ( قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) الأحقاف / 4-6 .
الآيات بينت معنى قوله تعالى ( مَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ) بما في آخرها أي قوله تعالى ( وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) .

قال الطبري : " يقول تعالى ذكره : قل يا محمد لهؤلاء المشركين بالله من قومك : أرأيتم أيها القوم الآلهة والأوثان التي تعبدون من دون الله أروني أي شيء خلقوا من الأرض " (2) .

قال ابن كثير : " ( أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ) أي أرشدوني إلى المكان الذي استقلوا بخلقه من الأرض ( أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ) أي ولا شرك لهم في السماوات ولا في الأرض وما يملكون من قطمير ، إن الملك والتصرف كله إلا لله عز وجل ، فكيف تعبدون معه غيره وتشركون به؟" (3) .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

(1) تفسير البغوي ج2 ص 187 .

(2) تفسير الطبري ، المجلد الثالث عشر ، ج26 ص 4 . (3) تفسير ابن كثير ج4 ص 166 .  
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب