265 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الخلل الثاني : لا بد من تقييد دعاء المسألة الشركي .

الغريب إن كلمات علماء الوهابية صريحة في أن هناك شركاً في دعاء المسألة وليس في دعاء العبادة فقط ولكنه مقيد ، وإليك بعض كلماتهم في ذلك .
قال ابن عثيمين : " الدعاء ينقسم إلى قسمين :
الأول : دعاء عبادة مثاله الصوم والصلاة ... وهذا القسم كله شرك ... .
الثاني : دعاء المسألة فهذا ليس كله شركا بل فيه تفصيل ، فإن كان المخلوق قادرا على ذلك فليس بشرك ... ... ، وأما من دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله فإن دعوته شرك مخرج عن الملة " (1) .

وقال الفوزان : " الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه وتعالى ، فهذه هي الشرك الأكبر لأنها صرف للعبادة لغير الله سبحانه وتعالى .

أما الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه المخلوق الحاضر عنده ، كاستغاثة الإنسان بغيره في الحرب ليساعده ويناصره على عدوه فهذا جائز كما قال الله تعالى عن موسى (ع) ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) ، فالاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه – كالاستغاثة بالأموات والغائبين – شرك أكبر ، لأنه يستغيث بمن لا يقدرون على شيء أبدا ، فالذين يستغيثون بالأضرحة وبالأولياء وبالصالحين والأموات أو يستغيثون بالغائبين من الجن أو بالشياطين كل هذا من النوع الممنوع " (2) .

المشكلة الأساسية التي تواجه هذا المعيار أي جعل دعاء المسألة موجبا للشرك تنطلق من أن جواز دعاء غير الله والطلب منه من مسلمات الدين بل الفطرة الإنسانية ، بل تقوم عليه النصوص ، فدعاء البشر لغيرهم واستغاثتهم ببعضهم من المباحات الواضحة والضرورية ، لذا كان لا بد من التقييد .

 

(1) القول المفيد ج1 ص 120- 121 .

(2) إعانة المستفيد ج1 ص267  
 

266 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

التقييد يبدأ من كلمات ابن عبدالوهاب نفسه
وابن عبدالوهاب وإن كان يظهر مما نقلناه عنه سابقا أنه يرى الشرك في مطلق الدعاء ، وذلك عندما قال في المنع من طلب الشفاعة النبي (ص) : " فإن قال : النبي (ص) أعطي الشفاعة ، وأنا أطلبه مما أعطاه الله ؟ فالجواب : أن الله أعطاه الشفاعة ، ونهاك عن هذا فقال : ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) فإذا كنت تدعو الله أن يشفع نبيه فيك فأطعه في قوله ( فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ) " (1) .

ولكنه يرجع ويعترف هنا بأنه لا يمكن منع مطلق الدعاء بل المنع لنوع منه ، فقال : " ولهم شبهة أخرى وهو ما ذكر النبي (ص) أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله (ص) قالوا : فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركا .

والجواب : أن نقول سبحان من طبع على قلوب أعدائه ، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها ، كما قال الله تعالى في قصة موسى ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ) القصص / 15 ، وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب أو غيره في أشياء يقدر عليها المخلوق ، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله " (2) .

وأكد ابن عثيمين في شرح على ذلك قائلا : " وقد أجاب عنها بجوابين :
الأول : أن هذه استغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه وهذا لا ينكر لقوله تعالى في قصة موسى ( فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ ) .

 

(1) شرح كشف الشبهات ص92 - 93 .

(2) المصدر السابق ص 125 – 126 .  
 

267 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الثاني : أن الناس لم يستغيثوا بهؤلاء الأنبياء الكرام ليزيلوا عنهم الشدة ، ولكنهم يستشفعون بهم عند الله - عز وجل - ليزيل هذه الشدة ، وهناك فرق بين من يستغيث بالمخلوق ليكشف عنه الضر والسوء ومن يستشفع بالمخلوق إلى الله ليزيل الله عنه ذلك " (1) .

المهم أنك ترى تخصيص الدعاء الممنوع والموجب بالشرك دعاء وطلب الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله كما هو مقتضى قول ابن عبدالوهاب : " ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله " .

دعاء صاحب القبر دعاء مسألة يتردد بين طلب الشفاعة وطلب الحاجة
إن المسلم الذي يدعو صاحب القبر بمعنى يسأله ويطلب منه إما يريد شفاعة صاحب القبر عند الله أو هو يرى أن له قدرة مثل قدرة المسيح على فعل المعجز بإذن الله فيطلب منه ، وقد يحكون مخطئا مبتدعا فلا نريد نفي هذا الوصف بل ما يهمنا في هذه المرحلة نفي وصف الشرك ، وأما إذا رأى أن صاحب القبر قادر من دون إذن الله فلا شك بأننا نحكم بشركه .

في موضع سابق وكذلك هنا اعتبر ابن عبدالوهاب أن موجب الشرك هو الدعاء ، لكن فيما سبق عندما قيل له : إننا نطلب الشفاعة من النبي (ص) ، رد بقوله : لا تطلبها منه لأن الله نهاك والطلب هنا شرك ، فاعتبر أن مجرد الطلب من غير الله شرك .

وأما هنا فلم يمنع مطلق الطلب والدعاء بل الشرك يتحقق في خصوص طلب ما لا يقدر عليه إلا الله من غيره ، وكما ترى إذا كان الحديث عن طلب الشفاعة من النبي (ص) ،

 

(1) شرح كشف الشبهات ص 126 .

 
 

268 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فمن الواضح أن الشفاعة المطلوبة من النبي (ص) ليست مما لا يقدر عليه إلا الله بل هو في مقدور النبي كما أن الإغاثة في مقدور موسى (ع) .

ولذا ينبغي أن يقال له : سبحان من طبع على قلوب أعدائه ، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا تنكرها ، والشفاعة بمعنى أن يدعى رسول الله (ص) ويطلب منه سؤال الله كي يقضي حاجة المؤمن المستشفع هو أمر في مقدروه (ص) ، فلم يطلب منه (ص) إلا هذا المقدور ، فكيف يصبح الطالب هنا مشركا وأما الطالب المستغيث بموسى (ع) لا يعد مشركا ؟!

من الواضح أن عبارة ابن عبدالوهاب هنا حديث عن الأمور الخارقة والتي ليست إلا في مقدور الله إذ قال : " ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله " ، فالحديث عمن طلب ما لا يقدر عليه إلا الله ، وهكذا عبارة ابن عثيمين وهو يتحدث عن دعاء المسألة قال : " وأما من دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله فإن دعوته شرك مخرج عن الملة " .

فيظهر من العبارات السابقة أن الحديث عن الخوارق والمعاجز التي ليست في مقدور غير الله ذاتيا نعم يمكن أن يقدره الله عليها .

تعديل في القيد السابق للدعاء الشركي
ولكن هناك عبارات أخرى لهم يظهر منها أن الحديث عن مطلق ما لا يقدر عليه المدعو ، فيشمل الأمور التي في مقدور البشر الآخرين غير أن هذا المدعو لا يقدر عليه لموته أو غيبته لا أنه يشترط أن يكون الأمر المطلوب من الخوارق التي لا يقدر عليها إلا الله .

ولذا غير ابن عثيمين القيد المذكور في كلام ابن عبدالوهاب قائلا : " وكلام المؤلف رحمه الله ليس على إطلاقه بل يقيد بما لا يقدر عليه المستغاث به إما لكونه

269 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ميتا أو غائبا أو يكون الشيء مما لا يقدر على إزالته إلا الله تعالى ، فلو استغاث بميت ليدافع عنه أو بغائب أو بحي حاضر لينزل المطر فهذا كله من الشرك ، ولو استغاث بحي حاضر فيما يقدر عليه كان جائزا " (1) ، فكما تلاحظ هناك شيء آخر وهو أن الأمر قد يكون في مقدور الإنسان وليس من المعاجز ولكن المدعو لا يقدر عليه لموته أو لغيبته ، فمثل هذا الدعاء داخل في الشرك .

ولذا بطبيعة الحال يجب مناقشة الأمرين أو القيدين ، فالأول يختص بالخوارق مما لا يقدر عليه البشر والثاني يختص بما لا يقدر عليه المدعو لخصوصية الموت أو الغيبة أو أي موجب للعجز عن استجابة الدعاء وإن كان في مقدور البشر نوعا .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

(1) شرح كشف الشبهات ج1 ص 260

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب