269 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أولا : ما لا يقدر عليه إلا الله

فالمشكلة الأولى التي يواجهها هذا التقييد للدعاء الممنوع والشركي هي أنها لن تنطبق على طلب الشفاعة من المدعو لأنه في مقدور البشر مع أن الوهابية تعتبره من الشرك ؟

والمشكلة الثانية هي قيام الأدلة الواضحة الصريحة على أن الأنبياء تمكنوا من فعل أمور خارقة لا يقدر عليها إلا الله أصالة وطلب منهم فعل تلك الخوارق من دون أن يتهموا الطالب بالشرك ، فصريح الخبر الذي رواه مسلم في صحيحه أن الناس يطلبون من الأنبياء ويستغيثون بهم يوم القيامة ، وفي الخبر قول رسول الله (ص) : " فيأتوني "، فهل هناك معنى لهذا إلا الطلب منه (ص) يعني يأتوني ويطلبون مني ، فكيف يدعي أنه لا يجوز أن تطلب منه الأمور الخارقة التي ليست إلا في مقدور الله وإلا كانت شركا بالله ، فهل الشفاعة هي التي أوقعت المشركين في الشرك و مع ذلك جازت في هذا

270 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الخبر ؟! فكلمة الشفاعة بنفسها مذكورة إذ فيه أن الله عز وجل يقول لرسوله (ص) : " اشفع تشفع " .

ومفاد الحديث أن رسول الله (ص) يخرج الناس من النار إلى الجنة ، فقد قدره الله على عمل غير مقدور للبشر أصالة لا أنه دعا الله فقط ، ففي آخر الخبر قال : " قال رسول الله (ص) فيأتوني ، فأستأذن على ربي ، فيؤذن لي ، فإذا أنا رأيته وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله فيقال : يا محمد ارفع رأسك ، قل تسمع ، سل تعطه ، اشفع تشفع ، فأرفع رأسي ، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ربي ثم أشفع ، فيحد لي حدا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة ... " (1) .

ويكفي مثالا على ذلك قدرة المسيح (ع) على إحياء الموتى إبراء الأكمه والأبرص بإذن الله ، ولا شك أن المسلم لا يطلب مثل تلك الأمور التي هي لله إلا أن يعتقد أن المدعو أعطي القدرة من الله عز وجل وبإذنه كالقدرة التي أعطيت للمسيح (ع) والمذكورة في قوله تعالى ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ ) آل عمران / 49 ، وهكذا بالنسبة لسليمان (ع) إذ قال تعالى ( فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ) ص / 63 ، فوجود مثل تلك القدرات أمر مصرح به في القرآن ، فكيف يمكن تكفير مسلم لاعتقاده بذلك وترتيب الأثر على تلك العقيدة .

ولا يعقل أن يقال وبكل بساطة إن الدعاء وطلب الشفاء حرام على المرضى الذين عاشوا زمن المسيح (ع) بل لو طلب الأكمة والأبرص الشفاء من عيسى (ع) كان مشركا .

وإذا أراد مكابر أن يصر على ذلك ، نقول له يكفيك أن الذي عنده علم من الكتاب أتى بعرش ملكة سبأ بطلب من سليمان (ع) كما في قوله تعالى ( قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ

 

(1) صحيح مسلم ج1 ص 181 .

 
 

271 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ) النمل / 38 فاستجاب الذي عنده علم من الكتاب لطلب سليمان وقام بذلك كما في قوله تعالى ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي ) النمل / 40 ، فهل أشرك نبي الله سليمان (ع) بطلبه هذا ؟! هذا فضلا عن أن بحث جواز طلب ذلك ممن ثبت أن الله قدره على فعل الخارق لا يدخل إلا في بحث الثابت في النصوص من غير الثابت أي بحث السنة والبدعة لا بحث الشرك والتوحيد.

ويكفيك إقرار ابن عبدالوهاب بذلك - في جوابه عن إشكال أورده - في قصة جبريل وإبراهيم (ع) قال : " ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم (ع) لما ألقي في النار اعترض له جبريل في الهواء فقال : ألك حاجة ؟ فقال إبراهيم : أما إليك فلا ، قالوا : فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركا لم يعرضها على إبراهيم ، فالجواب : إن هذا من جنس الشبهة الأولى ، فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه ، فإنه كما قال الله تعالى فيه ( شَدِيدُ الْقُوَى ) النجم / 5 ، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل ، ولو أمره أن يضع إبراهيم في مكان بعيد عنهم لفعل ، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل ، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلا محتاجا فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئا يقضي به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد ، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون " (1) .

المهم والواضح في جوابه الأخير إنه يقر بأن جبريل قادر هنا وبإذن الله على ما لا يقدر عليه عادة إلا الله ، ولم يجد محيصا من أن يجيب بذلك ولا يمكنه أن يجيب كما أجاب في الاستغاثة بالأنبياء بأنهم يسألون الله أن يفرج عن الناس ، لأن العمل ليس في مقدورهم المباشر .

 

(1) شرح كشف الشبهات ص 129 -130 .

 
 

272 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

والأهم في هذا الجواب أنه يعني عدولا عن تقييد تحقق الشرك في الدعاء بكون الأمر المدعو له مما لا يقدر عليه إلا الله (2) إلى القول بأن المخرج عن شرك الدعاء والمانع من تحققه هو ثبوت قدرة المدعو على مثل الأمر ولو كان مثل القدرات الخارقة الثابتة لجبريل (ع) والمذكورة في قول ابن عبدالوهاب : " فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه ، فإنه كما قال الله تعالى فيه ( شَدِيدُ الْقُوَى ) ، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل ... الخ ".

وكذلك يقول ابن عثيمين وهو يتحدث عن دعاء المسألة :
" وأما من دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله فإن دعوته شرك مخرج عن الملة " (1) .

ونقول : كيف يطلق القول بأن دعاء المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله شرك ولا يفصل في ذلك مع إقرارهم بأن جبريل قدره الله على أمور لا يقدر عليها إلا الله ولم يعتبروا الطلب منه شركا ؟!

ألا ينبغي أن يفصل هنا ويقال : وأما من دعا المخلوق بما لا يقدر عليه إلا الله ، فإن اعتقد بأن الله أعطاه هذه القدرة بإذنه فهذا ليس من الشرك وهو دعاء جائز كما هو الحال في قصة جبريل وإبراهيم (ع) وكما لو طلب أحد من المسيح أن يحيى الميت ، ولكنه قد يصيب في عقيدته تلك كما في اعتقاد المسلمين في المسيح (ع) ، وقد يخطئ خطأ فاحشا كما لو اعتقد أن القطب الصوفي الفلاني له قدرات كقدرات المسيح (ع) ، لا أن يحكم بكفره وشركه لخطئه هذا .

نعم إذا اعتقد بأن ذلك الموجود يفعل ذلك مستقلا عن الله ودون إذنه كان مشركا بلا شك وبإجماع المسلمين ، ولكنه من شرك الربوبية لا شرك الألوهية كما هو واضح .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

(2) المذكور في قول ابن عبدالوهاب : " ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله " كشف الشبهات ص 126 .
(1) القول المفيد ج1 ص 121 .

 
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب