273 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

ثانيا : ما لا يقدر عليه المدعو لموته أو غيبته

فهذا التقييد الآخر للدعاء الشركي في كلماتهم ، ويقصد به خصوص طلب الأمر المقدور عليه من الميت لو كان حيا كالشفاعة تمييزا له عن المورد السابق ، وقد أدرج ابن تيمية هذا المورد كما قلنا سابقا في البدعة لا في الشرك وقد نقلنا عبارته إذ قال : " وقد ذكر علماء الإسلام وأئمة الدين الأدعية الشرعية وأعرضوا عن الأدعية البدعية فينبغي اتباع ذلك والمراتب في هذا الباب ثلاث :
إحداها : أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب سواء كان من الأنبياء والصالحين أو غيرهم فيقول : يا سيدي فلان أغثني أو أنا أستجير بك أو أستغيث بك أو انصرني على عدوي ... فهذا شرك بهم وإن كان يقع كثير من الناس في بعضه .

الثانية : أن يقال للميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين : ادع الله لي أو ادع لنا ربك أو اسأل الله لنا ... ، فهذا أيضا لا يستريب عالم أنه غير جائز وأنه من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة ... " (1) .

فكما تلاحظ فقد عد المرتبة الأولى شركا ، وأما المرتبة الثانية - وهو ما نتحدث عنه - فقد عدها من البدع وليس من الشرك .

وهنا نقول أولا : هل يعقل ما قالته الوهابية هنا ؟! فيكون موت أو حياة المستغاث به ضابطة الشرك ومميزا للتوحيد عن الشرك مع افتراض أن الميت كان قادرا على الأمر حال الحياة وقبل الموت ؟ فالحي إذا طلبت منه شيئا أنت موحد ولكن نفس الطلب إذا كررته حال موته أنت مشرك لا مجرد أنك قمت بعمل سفهي .

وثانيا : نقول هنا ما قلناه في الأمور الخارقة التي لا يقدر عليها إلا الله ، إذ كما ثبت أن الله أعطى بعض مخلوقاته الشريفة كالملائكة والأنبياء القدرة على بعض الخوارق كذلك

 

(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص164 - 165 .

 
 

274 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

نقول إن من الأمور الخارجة عن المعتاد التي أعطيت لبعض الأنبياء والأولياء هو القدرة على سماع الأحياء حال موته بل والرد عليهم ، وإليك تفصيل ذلك .

الخلفية المنطقية والشرعية لمخاطبة الأموات
إذ الآيات والروايات صريحة في وجود الحياة البرزخية وبعضها صريح في وجود من هو قادر على معرفة مجريات الوقائع التي تقع في الحياة الدنيا والرد عليهم .

فمن يستشفع بالميت ينطلق من الاعتقاد بأن له حياة برزخية يسمع بها الأحياء ويستند في ذلك على الآيات والروايات ، وإذا ثبت أنه يسمع ويرد ، فهذا يعني أنه يمكن له أن يخاطب ربه ويستشفع لطالب الشفاعة ، وكل من يدعو بعض الأنبياء والأولياء ويطلب منهم الشفاعة حال موتهم ينطلق من ذلك وإن أمكن أن يكون مخطئا بسبب خطأ الأدلة وأما مشركا فلا .

فأما الآيات فأهمها قوله تعالى ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) آل عمران / 196- 170 .

وقد روى مسلم في صحيحه تحت باب ( بيان أن أرواح الشهداء في الجنة وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ) عن مسروق قال : سألنا عبدالله ( هو ابن مسعود ) عن هذه الآية ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) قال : أما إنا قد سألنا عن ذلك ، قال : أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش ، تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل ، فاطلع إليهم ربهم اطلاعه ، فقال : هل تشتهون شيئا ؟ قالوا : أي شيء نشتهي ؟ ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا ، ففعل ذلك بهم ثلاث مرات ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا ، قالوا : يا رب ،

275 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى ، فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا " (1) .

قال القرطبي : " وقد اختلف العلماء في هذا المعنى ، فالذي عليه المعظم هو ما ذكرناه وأن حياة الشهداء محققة ... وصار قوم إلى أن هذا مجاز والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للتنعيم في الجنة ... وقال آخرون : أرواحهم في أجواف طير خضر وأنهم يرزقون في الجنة ويأكلون ويتنعمون وهذا هو الصحيح من الأقوال لأن ما صح به النقل فهو الواقع ، وحديث ابن عباس نص يرفع الخلاف ، وكذلك حديث ابن مسعود ، خرجه مسلم " (2) .

والذي يدل على أن هؤلاء الشهداء يدركون ويسمعون كلام من في الدنيا ما رواه البغوي عن عبيدة بن عميرة قال : " مر رسول الله (ص) حين انصرف من أحد على مصعب بن عمير وهو مقتول ، فوقف عليه ودعا له ثم قرأ ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ) الأحزاب/ 23 ، ثم قال رسول الله (ص) : أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، ألا فأتوهم وزوروهم وسلموا عليهم ، فوالذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه " (3) .

والروايات الصحيحة تدل وبنحو جلي على أن للأنبياء (ع) حياة برزخية مميزة بعد موتهم ، لذا تجد الحافظ البيهقي يكتب رسالة بعنوان ( حياة الأنبياء صلوات الله عليهم بعد وفاتهم ) (4) ، وقد وردت الأحاديث الصحيحة أنه (ص) يسمع سلام المسلمين عليه ؟! منها الحديث الذي رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة قوله (ص) : " ما من

 

(1) صحيح مسلم ج3 ص 1502- 1503 .
(2) الجامع لأحكام القرآن ، المجلد الثاني ، ج4 ص 253 -254 ، وحديث ابن عباس قال عنه في صفحة سابقة : " وفي مصنف أبي داود بإسناد صحيح عن ابن عباس " .
(3) تفسير البغوي ج1 ص 293 .
(4) طبع من قبل مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة ( 1422هـ - 2001 ) بتحقيق الدكتور أحمد الغامدي .

 
 

276 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام " (1) ، صححه الألباني في ( السلسلة الصحيحة ) ونقل رأي بعض العلماء في سنده قائلا : " قال الحافظ العراقي في ( تخريج الإحـياء ) : سنده جيد ، وأما النووي فقال في ( الرياض ) : إسناده صحيح ووافقه المناوي في ( التيسير ) " (2) .

بل ثبت السماع للموتى غير الصالحين كما هو صريح الخبر الذي رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر قال : " اطلع النبي (ص) على أهل القليب ، فقال : وجدتم ما وعد ربكم حقا ، فقيل له : تدعو أمواتا ، فقال : ما أنتم بأسمع منهم ، ولكن لا يجيبون " (3) ، ولا يجيبون هنا يعنى أنهم لا يستطيعون أن يشعرونا بحياتهم وإدراكهم وإلا فالنص السابق صريح بأن رسول الله بل الشهداء (ص) يجيبون ويردون السلام .

والمهم أن يتضح أن أصل دعاء النبي (ص) والطلب منه ليس من قبيل دعاء المشركين لآلهتهم من دون الله ، بل يمكن أن يقوم الدليل على سماع النبي (ص) لكلامنا كما هو الحال في السلام عليه فيكون الأمر من السنة ويمكن أن لا يقوم الدليل عليه فيكون بدعة ، وما دام للأنبياء حياة برزخية خاصة يمكن أن يقوم الدليل أن الاستشفاع بهم وطلب الدعاء منهم أمر جائز بلا فرق بين حال حياتهم ومماتهم .

والمقصود أنه لا يمكن إطلاق القول بأن الميت لا يقدر على شيء ، كيف وقد صرح الخبر بأن رسول الله (ص) وهو في قبره يتمكن من الدعاء لنا ، وهل رد السلام علينا إلا دعاء منه (ص) لنا ؟! فلو قصد المسلم بسلامه على خاتم الرسل (ص) طلب وتحصيل دعائه وسلامه (ص) ، فهل طلبه هذا طلب لشيء مقدور للميت أو غير مقدور ؟

 

(1) مسند أحمد ج 16 ص 477 قال محققو الكتاب : إسناده حسن … وأخرجه أبو داود ( 2041 ) وسنن البيهقي 5/ 245 ، وكذلك صححه الألباني في ( صحيح الجامع ) وقال : إسناده حسن عن أبي هريرة ج 2 ص 911 .

 
(2) سلسلة الأحاديث الصحيحة ج5 ص 338 . (3) صحيح البخاري ج2 ص 122 .
 

277 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

فعلى أصحاب هذه الرؤية للشرك وتحققه بدعاء الميت أن يسألوا أنفسهم : هل يعقل أن يكون الفاصل والمائز بين التوحيد والشرك هو حياة وموت المدعو المستشفع به ؟

فإن كل ما يمكن أن يقال إن الطالب من الميت - إذا طلب شفاعته ودعاءه - يقوم بعمل سفهي غير مجد لأن الميت لا يسمع ولا يستجيب حتى يطلب من الله قبول شفاعته في الطالب وقضاء حاجته لا أنه يشرك بالله بهذا الطلب ، فالموت يفرق بين الدعاء المجدي والدعاء غير المجدي أو يفرق بين الدعاء السني والدعاء البدعي ، وأما أن يكون مميزا بين الدعاء التوحيدي والدعاء الشركي فهذا عجيب ، كيف تمكنت الوهابية من تعقله ؟! لكنه هو ما صرح به ابن عبدالوهاب عندما قال : " ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله ، وذلك أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك فتقول له : ادع الله لي ، كما كان أصحاب رسول الله (ص) يسألونه ذلك في حياته ، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره ، بل أنكر السلف الصالح على من قصد دعاء الله عند قبره فكيف بدعائه نفسه " (1) .

وابن تيمية وإن ذهب إلى ذلك في طلب الحاجة من الميت مباشرة لكنه لم يذهب إلى ذلك في طلب الشفاعة من الميت كما نقلنا قوله قبل قليل .

عموما في الحالتين أي سواء كان الدعاء الممنوع هو طلب الخوراق أو الممنوع هو الطلب من غير القادر لموت أو غيبة سيعود الخلاف مع غيرهم حول تمكين الله للمدعو وعدمه خلافا في الثابت من الشرع من غيره لا خلافا في التوحيد والشرك ، وإلا لا يمكن لمسلم أن يدعو غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله أصالة إلا بسبب اعتقاده أن الله مكّن ذلك المدعو فأصبح قادرا بإذن الله - مخطئا كان في اعتقاده أو مصيبا - وفي

 

(1) شرح كشف الشبهات ص 127 .

 
 

278 ...................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

الحالتين الحديث عن قدرة غير اعتيادية أعطيت من قبل الله عز وجل للمدعو سواء كانت من قبيل سماع الميت وقدرته على الإجابة أو من قبيل الأمور الخارقة التي هي في الأصل ليست إلا في قدرة الله ولكن الله قدر بعض عباده عليها .

ونهاية القول : ليس جوهر الخلل الوهابي في تشخيص الشرك هنا في تقييد الدعاء الممنوع بما لا يقدر عليه سواء بالمعنى الأول أو الثاني أو بالمعنيين معا ، بل جوهر الخلل يكمن في اعتبارهم دعاء المسألة موجبا للشرك ولا أثر لكون المدعو قادرا أو غير قادر .

نعم هناك مورد يعد فيه الداعي دعاء المسألة مشركا بلا شك ، ولكنه مشرك بشرك الربوبية لا شرك الألوهية ، وهو فيما لو دعا الداعي موجودا ما معتقدا بأنه قادر على قضاء الحاجة بنحو مستقل عن الله فرأى أن قدرته في عرض قدرة الله في قضاء الحوائج ، فلا شك بأنه مشرك ، لكنه كما ترى هو شرك نابع من الاعتقاد لا من الفعل ، ولكن أين هذا من كلماتهم ؟!

نهاية

هذا تمام ما أردنا بيانه من نقاط الخلل المتعددة في الرؤية الوهابية للتوحيد والشرك في القرآن الكريم ، ونقاط الخلل متعددة في المنظومة الوهابية :
فهناك خلل في اعتبار المشركين موحدين في الربوبية وتخصيصهم بشرك العبادة .
وهناك خلل فيما يرتبط بفهم معنى العبادة التي أشرك بها المشركون .
وهناك خلل في موجب الشرك في العبادة هل هو الشفاعة أو الدعاء .
وهناك خلل وخلط بين دعاء العبادة ودعاء المسألة .
وهناك خلل في الاستدلال بالآيات على شركية دعاء المسألة .
وهناك خلل في تقييد دعاء المسألة الشركي .

تم بحمد الله تعالى

شيخ عبـدالله دشـتي
الكويت في 19رجب 1427هـ

 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب