20 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

عقيدتهم بكلماتهم

قلنا إن الذي فرض علينا هذه الكتابة هو الرؤية التي أسسها ابن تيمية وتبناها ابن عبدالوهاب مؤسس الحركة الوهابية ومن تبعه من علمائهم عندما صاغوا معنى خاصا للتوحيد والشرك ، ولذا يهمنا أن نستعرض كلماتهم التي تشرح عقيدتهم تلك حتى لا يتخيل القارئ أنها مقولات حملت عليهم ، فيتضح أن ما عرضناه مصرح به في نصوصهم ، فإليك صياغة عقيدتهم من خلال استعراض كلمات ابن تيمية وابن عبدالوهاب فقط ، وسنعرض كلمات مشايخ آخرين لهم عند مناقشة تلك المحاور .

كلماتهم حول المحور الأول
فقد أكدت الرؤية الوهابية على تقسيم الشرك إلى شرك ربوبية وشرك ألوهية ، وصرحوا بأن المشركين كانوا يؤمنون بالله الخالق الأوحد للكون فلم يكونوا مشركين في الربوبية وإنما كان شركهم في الألوهية أي العبادة التي كانت تتجلى في تقربهم لله من خلال وسائط يدعونها ويعبدونها .

قال ابن تيمية في ( مجموعة الفتاوى ) :
" فإذا تقرر ذلك فالشرك إن كان شركا يكفر به صاحبه ، وهو نوعان شرك في الإلهية وشرك في الربوبية ، فأما الشرك في الإلهية فهو أن يجعل لله ندا أي مثلا في عبادته أو محبته أو خوفه أو رجائه أو إنابته ، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه قال تعالى ( قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ) ، وهذا هو الذي قاتل عليه رسول الله (ص) مشركي العرب لأنهم أشركوا في الإلهية قال الله تعالى ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ ) ، وقالوا ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ، وقالوا ( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ

21 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) وقال تعالى (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ ) إلى قوله ( الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ) .

وقال النبي (ص) لحصين : كم تعبد ؟ قال : ستة في الأرض وواحداً في السماء ، قال : فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك ؟ قال : الذي في السماء ، قال : ألا تسلم فأعلمك كلمات ؟ فأسلم ، قال النبي (ص) : قل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي .

وأما الربوبية فكانوا مقرين بها ، قال الله تعالى ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) ، وقال ( قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّه ِ ) إلى قوله ( فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) وما اعتقد أحد منهم قط أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبره ، وإنما كان شركهم كما ذكرنا اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ، وهذا المعنى يدل على أن من أحب شيئا من دون الله كما يحب الله تعالى فقد أشرك ، وهذا كقوله ( قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، وكذا من خاف أحدا كما يخاف الله أو رجاه كما يرجو الله وما أشبه ذلك " (1) .
وقال أيضا :
" والمشركون من قريش وغيرهم - الذين أخبر القرآن بشركهم واستحل دماءهم وأموالهم وسبي حريمهم وأوجب النار لهم – كانوا مقرين بأن الله وحده خلق السماوات والأرض كما قال ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) ... .

وكان المشركون الذين جعلوا معه آلهة أخرى مقرين بأن آلهتهم مخلوقة ولكنهم كانوا يتخذونهم شفعاء ويتقربون بعبادتهم إليه كما قال تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) ... .

 

(1) مجموعة الفتاوى ج1 ص 71 .

 
 

22 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

وقد قال الله تعالى ( قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ) ... .

والمشركون من هؤلاء قد يقولون إنا نستشفع بهم أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا ، فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا ... ، ومنهم من يتأول قوله تعالى ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا ) ... .

فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم وخطاب تماثيلهم هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين من غير أهل الكتاب وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات ما لم يأذن به الله تعالى قال الله تعالى ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ) " (1) .

وفي أول ( مجموعة التوحيد ) لابن عبدالوهاب :
" وأما التوحيد فهو ثلاثة أنواع توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات ، أما توحيد الربوبية : فهو الذي أقر به الكفار على زمن رسول الله (ص) ولم يدخلهم في الإسلام وقاتلهم رسول الله (ص) واستباح دماءهم وأموالهم وهو توحيده بفعله تعالى ، والدليل قوله تعالى ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ )
( قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ) ... .

 

(1) مجموعة الفتاوى ج 1 ص 117 .

 
 

23 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

النوع الثاني : وهو توحيد الألوهية ، فهو الذي وقع فيه النزاع في قديم الدهر وحديثه ، وهو توحيد الله بأفعال العبادة كالدعاء والنذر والنحر والرجاء والخوف والتوكل والرغبة والرهبة والإنابة ، ودليل الدعاء قوله تعالى ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ) ... .

وأما النوع الثالث : فهو توحيد الذات والأسماء والصفات قال تعالى ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) ... " (1) .

وقال أيضا :
" وبعد فهذه أربع قواعد من قواعد الدين يميز بهن المسلم دينه من دين المشركين .
القاعدة الأولى : أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله (ص) كانوا مقرين لله بتوحيد الربوبية يشهدون أن الله هو الخالق الرازق المحي المميت المدبر لجميع الأمور ولم يدخلهم ذلك في الإسلام والدليل قوله تعالى ( قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) .

القاعدة الثانية : إن الكفار الذين قاتلهم رسول الله (ص) ما أرادوا من قصدوا إلا قربة وشفاعة ودليل القربة قوله تعالى ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ... ) ودليل الشفاعة قوله تعالى ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ ... ) .

القاعدة الثالثة : إن الله بعث النبي (ص) إلى أهل الأرض وهم على أديان مختلفة وعبادات متفرقة منهم من يعبد الملائكة ومنهم من يعبد النبيين والصالحين ومنهم من يعبد الأحجار والأشجار وقاتلهم رسول الله (ص) ولم يفرق بينهم ... .

 

(1) مجموعة التوحيد ص3- 4 .

 
 

24 ....................................................................... الخلل الوهابي في فهم التوحيد القرآني

القاعدة الرابعة : إن الكفار الذين قاتلهم رسول الله (ص) كانوا يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء والدليل قوله تعالى ( فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) وأهل زماننا هذا يشركون في الشدة وفي الرخاء كذلك ... " (1) .

وقال في رسالته (كشف الشبهات ) :
" اعلم رحمك الله أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده فأولهم نوح (ع) أرسله إلى قومه لما غلوا في الصالحين ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا .

وآخر الرسل محمد (ص) وهو كسر صور هؤلاء الصالحين أرسله إلى أناس يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرا ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله ، يقولون نريد منهم التقرب إلى الله ونريد شفاعتهم عنده مثل الملائكة وعيسى ومريم وأناس غيرهم من الصالحين فبعث الله محمدا (ص) يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم (ع) ويخبرهم أن هذا التقرب محض حق الله تعالى لا يصلح منه شيء لغير الله ، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل فضلا عن غيرهما ، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له وأنه لا يرزق إلا هو ولا يحي ولا يميت إلا هو ولا يدبر الأمر إلا هو ... " (2) .

كلماتهم حول المحور الثاني
في هذا المحور يسعى الفكر الوهابي لبيان الشرك الواقع في العبادة ، وقلنا إنه يظهر من بعض كلماتهم أنها تتحقق بمجرد قصد الوسائط في التقرب إلى الله ، فمن وسط الأولياء والشفعاء عبد تلك الوسائط ، ويظهر من كلمات أخرى لهم - وهي الأدق في تصوير موجب الشرك عندهم - أن دعاء غير الله هو الموجب للوقوع في شرك العبادة نظرا إلى أن الدعاء أجلى مصاديق العبادة .

 

(1) مجموعة التوحيد ص 15 – 16 .

(2) شرح كشف الشبهات ص 20 – 29 .  
 
 
 
 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب