مقدمة ........................................................................................................ 5

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وبعد:
فإن من المسائل التي كثر الجدال فيها بين فِرَق المسلمين، وخصوصاً بين الشيعة وأهل السنة: مسألة الخلافة، ومَنْ هو الأولى بها.

وقد نشأ الخلاف في هذه المسألة بعد انتقال رسول الله
( ص ) إلى الرفيق الأعلى مباشرة، فتشاجر الصحابة في سقيفة بني ساعدة وتسابّوا في أول تجربة لهم في اختيار الخليفة.

ثم استمر الخلاف بعد ذلك في الخلافة إلى يومنا هذا، فقامت الثورات المتتابعة عبر العصور، وثارت الحروب التي سُفِكتْ فيها دماء

6 ......................................................................... من هو خليفة المسلمين في هذا العصر؟


المسلمين، ووقعت الفتن والقلاقل التي زعزت استقرار أكثر الدول التي تعاقبت على الحكم من عصر الصحابة إلى زماننا هذا.


وفي خِضَمِّ هذه الأحداث سلَّمَ أهل السُّنة أمورهم لكل مَنْ تسلَّط على الأُمَّة بالقوة والقهر، فبايعوا هؤلاء المتسلِّطين خلفاء عليهم، وحكموا بأن خلافتهم شرعية لا يحل نقضها، ولا يجوز التنصُّل من تبعاتها.

ومع أن الحُكْم بعد عصر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
( ع ) قد تحوَّل إلى مُلْك عضوض، يتوارثه الأبناء من الآباء من دون مشورة من المسلمين، إلا أنه بقي متسمِّياً باسم الخلافة التي كانت تستمد شرعيتها من الإسلام نفسه.

وبعد ازدياد تردِّي أحوال المسلمين الدينية والسياسية، وضعف السلطة المركزية في بغداد تقسَّمت البلاد الإسلامية إلى دُويلات كثيرة، يتنازعها حُكَّام كثيرون لم تكن لهم أية مؤهِّلات تؤهِّلهم لتولِّي أمور المسلمين كما هو حال خلفاء بني أميَّة وبني العباس.

واستمر حال المسلمين على هذا النحو إلى هذا اليوم.

وبهذا نشأت في البلاد الإسلامية حالة جديدة لا تلتئم مع ما قرَّره علماء أهل السنة، من وجوب بيعة إمام واحد للمسلمين في كل عصر، وعدم شرعية حُكم خلفاء متعددين أو حكَّام متفرقين، إلى

مقدمة ........................................................................................................ 7

غير ذلك مما سيأتي بيانه.

ومع نشوء هذه الظاهرة في الخلافة والحُكم، اتَّضح أكثر من ذي قبل أن إشكالات الشيعة على معتقدات أهل السنة في مسألة الخلافة وخلافة الخلفاء السابقين كانت مستحكمة.

وأما الشيعة الإمامية فإنهم لما ذهبوا إلى أن الخليفة لا بدَّ أن يكون معصوماً ومنصوصاً عليه، ويجب أن يكون من العترة النبوية الطاهرة، ورأوا عدم صلاحية غيرهم للخلافة، فإن الخلافة عندهم لم تصبح نهبة لمن هبَّ ودب.

إلا أن الإشكال الذي كثر الطَّرْق عليه والتشنيع به قد انصبَّ على اعتقاد الشيعة بإمامة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري
( ع ) ، المولود في سنة 255هـ، وقولهم باستمرار حياته

وإمامته إلى هذا العصر، فإن أهل السنة رأوا في هذا المعتقد دلالة على ضعف الأفهام وسخافة العقول، فلا يمكن التصديق بإمامٍ قد وُلِد قبل حوالي ألف ومائة وتسع وستين سنة، وهو لا يزال حيًّا إلى يومنا هذا، فإن العمر الطبيعي لا يبلغ إلى هذا الحد بأي حال من الأحوال.


ومع أن أهل السنة قد شنَّعوا بهذا على الشيعة الإمامية، إلا أنهم لم يجيبوا على كثير من الأسئلة التي كانت ولا تزال تدور حول مسألة إمام المسلمين في هذا العصر، فإن هذه المسألة مع

أهميتها قد سكت عنها علماء أهل السنة، ولم يخوضوا فيها، بل عتَّموا عليها، حتى صار السُّنِّي لا يهتدي فيها إلى شيء صحيح.


وإني لأرجو بهذه الدراسة أن أكون قد أوضحت هذه المسألة بشيء من الإيضاح، وكشفت ما انتابها من غموض وإبهام.


وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتقبَّله مني بأحسن قبول، إنه سميع مجيب الدعوات، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


في 20 شهر رمضان 1424هـ

علي آل محسن
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

فهرس الكتاب