شبهات حول معتقد الشيعة في المهدي المنتظر عليه السلام .................................................. 67

الشبهة الخامسة: أن المهدي ( ع ) من ولد الإمام الحسن ( ع ).


فقد أخرج أبو داود بسنده عن أبي إسحاق قال: قال علي
( رض ) ونظر إلى ابنه الحسن فقال: إن ابني هذا سيِّد كما سمَّاه النبي ( ص )، وسيخرج من صلبه رجل يُسمَّى باسم نبيكم، يشبهه في الخُلُق، ولا يشبهه في الخَلْق. ثم ذكر قصة ( يملأ الأرض عدلاً ) ( 3 ).

والجواب:

1- أن هذه الرواية ضعيفة السند، فإن أبا داود لم يروِها عن هارون بن المغيرة نفسه، وإنما رواها عمن حدَّثه عنه، فتكون

 

( 3 ) سنن أبي داود 4/108.

 

 

68 ......................................................................... من هو خليفة المسلمين في هذا العصر؟

الرواية مرسلة.
وهارون بن المغيرة وإن ذكره ابن حبان في الثقات إلا أنه قال: ربما أخطأ
( 1 ).
وفي سند هذه الرواية: عمرو بن أبي قيس.
قال فيه أبو داود: لا بأس به، في حديثه خطأ.
وقال الذهبي: صدوق له أوهام
( 2 ).
وقال عثمان بن أبي شيبة: لا بأس به، كان يهم في الحديث قليلاً
( 3 ).
وأما أبو إسحاق السبيعي فقيل: إنه لم يروِ عن أمير المؤمنين
( ع )، وإنما رآه رؤية.
قال المنذري: هذا [الحديث] منقطع، أبو إسحاق السبيعي رأي عليًّا
( ع ) رؤية ( 4 ).
وقال الألباني في تعليقته على مشكاة المصابيح: إسناد الحديث ضعيف
( 5 ).


2- أنا لم نجد عندهم دليلاً آخر يدل على أن المهدي
( ع ) من ولد الإمام الحسن السبط ( ع )، إلا الاستحسانات والظنون التي لا تنفع في المقام.

قال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح: اختُلف في أنه [أي المهدي] من بني الحسن أو من بني الحسين، ويمكن أن يكون جامعاً بين النسبتين الحسنيين، والأظهر أنه من جهة الأب

حسني، ومن جانب الأم حسيني، قياساً على ما وقع في ولدَي إبراهيم، وهما إسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام، حيث كان أنبياء بني إسرائيل كلهم من بني إسحاق، وإنما نُبِّئ من

ذرية إسماعيل نبيُّنا ( ص ) ، وقام مقام الكل، ونِعْمَ العِوَض، وصار خاتم الأنبياء ، فكذلك لما ظهرت أكثر الأئمة وأكابر الأمة من أولاد الحسين، فناسب أن ينجبر الحسن بأن أُعطي له ولد يكون خاتم الأولياء، ويقوم مقام
 

 

( 1 ) الثقات لابن حبان 9/238
( 2 ) ميزان الاعتدال 5/341.
( 3 ) تهذيب التهذيب 8/82.

( 4 ) تحفة الأحوذي 6/403.
( 5 ) مشكاة المصابيح 3/26.

 

 

شبهات حول معتقد الشيعة في المهدي المنتظر عليه السلام .................................................. 69

سائر الأصفياء، على أنه قد قيل: لما نزل الحسن رضي الله تعالى عنه عن الخلافة الصورية كما ورد في منقبته في الأحاديث النبوية، أُعطي له لواء ولاية المرتبة القطبية، فالمناسب أن

يكون من جملتها النسبة المهدوية المقارنة للنبوة العيسوية، واتفاقهما على إعلاء كلمة الملة النبوية... وسيأتي في حديث أبي إسحاق عن علي ( رض ) ما هو صريح في هذا المعنى، والله تعالى أعلم ( 1 ).

والجواب:

1ـ أن نَسَب الإمام المهدي ( ع ) لا يثبت بأمثال هذه الاستحسانات، وإنما يثبت بما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة، والملا علي القاري لم يرتكز في استحساناته على دليل تام صحيح، فلا قيمة لكلامه، لأنه مبتنٍ على الظنون التي لا يعوَّل عليها في ثبوت الأنساب.

2ـ أن قوله: ( ويمكن أن يكون [المهدي] جامعاً بين النسبتين الحسنين ).

جوابه: أنَّا لا ننازع في إمكان ذلك، بل ننازع في ثبوت كونه ( ع ) حَسَني الأب.

وقوله: (والأظهر أنه من جهة الأب حَسَني، ومن جانب الأم حُسَيني، قياساً على ما وقع في وَلَدَي إبراهيم، وهما إسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام).

جوابه: أن الأنساب لا تثبت بالقياس ولا بالاستظهارات التي لا دليل عليها.

ولا يصح أن يقال: إن مقتضى الجمع بين ما دلَّ على أنَّ الإمام المهدي ( ع ) من ولد الإمام الحسن ( ع )، وما دلَّ على أنه من ولد الإمام الحسين ( ع ) هو أنه حَسَني الأب حُسَيني الأم،

لاحتمال العكس، فيكون حُسَيني الأب حسني الأم لو صحَّت الرواية الدالة على أنه من ولد الإمام الحسن ( ع )، مع أنها لا تصح كما مرَّ آنفاً.


وقوله: ( حيث كان أنبياء بني إسرائيل كلهم من بني إسحاق، وإنما نُبِّئَ من ذرية إسماعيل نبيُّنا
( ص )، وقام مقام الكل، ونِعْمَ العِوَض، وصار خاتم الأنبياء، فكذلك لما ظهرت أكثر الأئمة وأكابر الأمة من أولاد الحسين، فناسب أن ينجبر الحسن بأن أُعطي له ولد يكون
 

 

( 1 ) مرقاة المفاتيح 9/349.

 

 

70 ......................................................................... من هو خليفة المسلمين في هذا العصر؟

خاتم الأولياء، ويقوم مقام سائر الأصفياء ).

جوابه: أن هذا القياس غير صحيح، لأن نبيّنا ( ص ) كان خاتم الأنبياء وأفضلهم، وأما الإمام المهدي ( ع ) فهو وإن كان خاتم الأئمة عليهم السلام ، إلا أنه لم يكن أفضلهم.

وجعل الأنبياء والأئمة لا يكون لأمثال هذه المناسبات، بل لعلم الله سبحانه بأهلية النبي أو الإمام لهذا المقام، كما قال سبحانه ( اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ )
( 1 ).


وقوله: ( على أنه قد قيل: لما نزل الحسن رضي الله تعالى عنه عن الخلافة الصُّورية كما ورد في منقبته في الأحاديث النبوية، أُعطي له لواء ولاية المرتبة القطبية، فالمناسب أن يكون من جملتها النسبة المهدوية المقارنة للنبوة العيسوية، واتفاقهما على إعلاء كلمة الملة النبوية ).


جوابه: أن هذه المناسبات المزعومة لا نسلِّم بها، ولا يصح أن يثبت بها نَسَب كما مرَّ.
ولا ندري ماذا يريد بلواء ولاية المرتبة القطبية، فإن كان مراده لواء إمامة المسلمين فإن

الإمامة العظمى كانت ثابتة للإمام الحسن الزكي ( ع ) قبل نزوله عن الخلافة الصُّورية وبعدها، وإن أراد به شيئاً آخر مغايراً للإمامة قد ثبت له ( ع ) بسبب نزوله عن الخلافة فهذا يحتاج

منه إلى إيضاح وإثبات، حتى يتبيَّن لنا هل من المناسب أن تكون النسبة المهدوية من جملة لواء المرتبة القطبية أو لا.


وقوله: ( وسيأتي في حديث أبي إسحاق عن علي
( رض ) ما هو صريح في هذا المعنى ).

جوابه: أنَّا أوضحنا فيما تقدَّم ضعف سند هذا الحديث، وأنه لا يصلح أن يكون دليلاً في المقام.


3- أن بعض رواياتهم قد دلَّ على أن الإمام المهدي
( ع ) من ولد الإمام الحسين ( ع )، فقد أخرج أبو نعيم الأصفهاني في كتابه (صفة المهدي) بسنده عن حذيفة ( رض ) قال: خطبنا رسول الله ( ص ) ، فذكَّرنا رسول الله ( ص ) بما هو كائن، ثم قال: ( لو لم يبقَ من الدنيا إلا
 

 

( 1 ) سورة الأنعام، الآية 124.

 

 

شبهات حول معتقد الشيعة في المهدي المنتظر عليه السلام .................................................. 71

يوم واحد لَطوَّلَ الله عزَّ وجل ذلك اليوم، حتى يبعث فيه رجلاً من ولدي اسمه اسمي). فقام سلمان الفارسي ( رض ) فقال: يا رسول الله، من أي ولدك ؟ قال: (هو من ولدي هذا)، وضرب بيده على الحسين ( ع ) ( 1 ).

وأخرج نعيم بن حماد في كتاب الفتن بسنده عن عبد الله بن عمرو قال: يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق، ولو استقبلتْه الجبال لهدمها واتخذ فيها طُرُقاً
( 2 ).

وعن أبي قبيل قال: يخرج رجل من ولد الحسين لو استقبلتْه الجبال الرواسي لهدَّها واتخذ فيها طُرُقاً (
3 ).


4- أن الروايات الصحيحة المروية عن أئمة أهل البيت
( ع ) دلت على أن الإمام المهدي ( ع ) من ولد الإمام الحسين ( ع ).

منها: صحيحة الصدوق المتقدمة عن سلمان الفارسي
( رض ) أنه قال: دخلت على النبي ( ص ) وإذا الحسين على فخذيه وهو يقبِّل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: أنت سيِّد ابن سيِّد، أنت إمام ابن إمام أبو الأئمة، أنت حجة ابن حجة أبو حُجَج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم ( 4 ).


ومنها: حسنة أبي هاشم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري
( ع ) يقول: الخلف من بعدي الحسن ابني، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟! قلت: ولِـمَ جعلني الله فداك؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه. قلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد صلوات الله وسلامه عليه ( 5 ).


هذه هي أهم الشبهات التي أُوردت على هذه المسألة، وهناك شبهات أُخر ضعيفة أعرضنا عنها رعاية للاختصار، فمن أرادها فليطلبها في مظانّها.
 

 

( 1 ) صفة المهدي لأبي نعيم (عن عقد الدرر، ص 24).
( 2 ) الفتن لنعيم بن حماد، ص 263.
( 3 ) نفس المصدر، ص 264.
( 4 ) كتاب الخصال 2/475. كمال الدين وتمام النعمة 1/262.
( 5 ) علل الشرائع 1/245.

 

 

72 ......................................................................... من هو خليفة المسلمين في هذا العصر؟

( وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ )
سورة الأنعام: 66

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب