|
وجوب المبادرة إلى بيعة خليفة المسلمين
........................................................................
11 |
وجوب المبادرة إلى بيعة خليفة
المسلمين
إن الأحاديث الصحيحة عند أهل السنة قد دلَّت على
وجوب مبايعة خليفة المسلمين في كل عصر، فقد أخرج مسلم في صحيحه، والبيهقي في
السنن الكبرى، والهيثمي في مجمع الزوائد، وغيرهم عن النبي
( ص ) أنه قال: مَنْ مات وليس
في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية
( 1 ).
وأخرج أحمد في المسند، والهيثمي في مجمع الزوائد،
وأبو داود الطيالسي في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وأبو نعيم في حلية الأولياء،
وغيرهم، أن النبي
( ص ) قال: مَنْ مات بغير إمام
مات ميتة جاهلية
( 2 ).
وأخرج الهيثمي وابن أبي عاصم، أن النبي
( ص ) قال: مَنْ مات وليس عليه
إمام مات ميتة جاهلية
( 3 ).
وفي رواية أخرى : مَنْ مات وليستْ عليه طاعة مات
ميتة جاهلية
( 4 ).
وأخرج الحاكم في المستدرك عن النبي
( ص) أنه قال: مَنْ مات
| |
( 1 ) صحيح
مسلم 3/1478. السنن الكبرى 8/156.
مجمع الزوائد 5/218.
مشكاة المصابيح 2/1088. سلسلة الأحاديث
الصحيحة 2/715.
( 2 ) مسند
أحمد 4/96. مجمع الزوائد 5/218.
مسند الطيالسي، ص 259.
الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7/49. حلية
الأولياء 3/224.
( 3 ) مجمع
الزوائد 5/224، 225. كتاب السنة
2/489، قال الألباني: إسناده حسن، ورجاله ثقات.
( 4 ) مسند أحمد 3/446.
كنز العمال 6/65.
كتاب السنة 2/490. المطالب العالية
2/228. |
|
|
|
12
...........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية
( 1 ).
وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى وابن
أبي عاصم أن النبي
( ص ) قال: من مات ليس عليه
إمام فميتته جاهلية
( 2 ).
تأملات في الحديث :
قوله
( ص )
: من مات : فيه إشعار بوجوب المبادرة إلى
بيعة إمام المسلمين، وعدم إهمالها أو التهاون فيها خشية مباغتة الموت والوقوع
في الهلاك.
قوله
( ص )
: وليس في عنقه بيعة
: أي ولم تكن بيعة ملازمة له لا تنفك عنه، كما في قوله تعالى ( وَكُلَّ
إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ )
( 3 )، فلا يجوز نقض بيعة إمام
الحق ولا نكثها، ولأجل الدلالة على اللزوم لم يقل: (من مات ولم يبايع
إماماً...).
والبيعة : هي المعاقدة والمعاهدة على السمع
والطاعة، ولعلها مأخوذة من البيع، فكأن مَنْ بايع الإمام قد باع نفسه له،
وأعطاه طاعته وسمعه ونصرته.
وعليه فلا تقع البيعة إلا للإمام الحي الحاضر، دون الإمام الميت الغابر، لأن
الميت لا تتحقق معه المعاهدة، واعتقاد إمامة الأئمة الماضين لا يستلزم تحقق
البيعة لهم.
وقوله : مات ميتة جاهلية :
مِيْتة على وزن فِعْلة، وهو اسم هيئة، والمعنى: مات كميتة أهل الجاهلية.
قال النووي : أي على صفة موتهم من حيث هي فوضى لا
إمام لهم
( 4 ).
وقال ابن حجر : والمراد بالميتة الجاهلية ـ وهي
بكسر الميم ـ حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال وليس له إمام مطاع ،
| |
( 1 ) المستدرك
على الصحيحين 1/150 قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
ووافقه الذهبي، 1/204.
( 2 ) المعجم الكبير للطبراني 10/289.
المعجم الأوسط 2/317، 4/232.
مسند أبي يعلى 6/251.
كتاب السنة لابن أبي عاصم 2/489 وقال
الألباني: إسناده حسن ورجاله ثقات على ضعف يسير في عاصم وهو ابن أبي
النجود وأبي بكر بن عياش. مجمع الزوائد
5/224، 225.
( 3 ) سورة الإسراء، الآية 13.
( 4 ) شرح صحيح مسلم 12/238. |
|
|
|
وجوب المبادرة إلى بيعة خليفة المسلمين
........................................................................
13 |
لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافراً، بل يموت عاصياً
( 1 ).
وأقول : لعل تشبيه موت مَن ترك بيعة إمام الزمان
بميتة أهل الجاهلية من حيث إن ترك تلك البيعة يستلزم ترك متابعة إمام الحق،
ويؤدي بالنتيجة إلى متابعة أئمة الجور، فيترتب على ذلك الوقوعُ في الضلال،
وتكون حاله حال أهل الجاهلية الذين يموتون ضُلَّالاً.
وبناءً على ذلك فقد اتفقت كلمة علماء أهل السنة على أنه يجب على الأمة مبايعة
خليفة المسلمين في كل عصر، ولا يجوز التخلف عنها بأي نحو من الأنحاء.
قال القرطبي : إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل
الحَلِّ والعقد أو بواحدٍ على ما تقدَّم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع
والطاعة وإقامة كتاب الله وسُنّة رسوله
( ص )
، ومَنْ تأبَّى عن البيعة لعذر عُذِر، ومَنْ تأبى لغير عذر جُبر وقُهِر، لئلا
تفترق كلمة المسلمين
( 2 ).
وقال ابن حزم : إنَّ رسول الله
( ص ) نصَّ على وجوب الإمامة،
وأنه لا يحل بقاء ليلة دون بيعة
( 3 ).
وقال: لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة
( 4 ).
إلى غير ذلك مما يطول ذِكْره.
ومع كل ذلك فإن أهل السنة بعد عصر الخلافة عندهم أطبقوا على ترك هذا الواجب، بل
تركوا الخوض في هذه المسألة وتجنَّبوا البحث فيها من قريب أو بعيد، فلا نرى
منهم اهتماماً بالبحث
في هذا الأمر مع عظم أهميته، حتى تركه من تعرض لشرح تلك الأحاديث، وقابله
بالإعراض والإهمال الشديدين.
وخذ مثالاً على ذلك : الإمام النووي الذي شرح
صحيح مسلم، فإنه لم يعلّق بحرف واحد على حديث (من مات وليس في
| |
( 1 ) فتح
الباري 13/5.
( 2 ) الجامع لأحكام القرآن 1/272.
|
( 3 ) الفصل في الملل والأهواء والنحل
4/169.
( 4 ) المحلى 8/420. |
|
|
|
14
...........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) ، مع أن النووي توفي سنة 676هـ، أي بعد سقوط
الخلافة العباسية وتشتّت بلاد المسلمين إلى دويلات على كل دولة خليفة. ( راجع
صحيح مسلم بشرح النووي 12/240 ).
ولعل السبب في ذلك خشية علماء أهل السنة من سخط حُكّام
عصرهم إذا نفوا عنهم أهليتهم لإمامة المسلمين، وخوفهم من العامَّة،
وحذرهم من تخطئة كل أهل السنة في ترك أمر مهم واجب لا يجوز لهم تركه أو التهاون
فيه.
|