|
حال أهل السنة في هذا العصر
............................................................................
23 |
حال أهل السنة في هذا العصر!!
إذا نظرنا إلى واقع أهل السنة في هذا العصر وما قبله من العصور وجدنا أنهم
وقعوا في مخالفات صريحة للأحاديث الصحيحة التي نقلنا بعضاً منها، وتغافلوا عما
اتفق عليه علماؤهم السابقون الذين ذكرنا أقوالهم فيما مرَّ.
فإنهم لم يقوموا بنَصْب إمام واحد لهم مع وجوبه عليهم، بل مع كونه من أعظم
الواجبات الدينية كما مرَّ، ورضوا بأن يتولى أمورهم حُكَّام متفرِّقون ليسوا
بخلفاء، وإنما هم ملوك ورؤساء وأمراء.
فإن كان أهل السنة لا يرون هؤلاء الحكَّام المعاصرين وغيرهم ممن حكموا بعد عصر
الخلافة خلفاء شرعيين، فإن الواجب عليهم حينئذ هو خلعهم من الحكم، ونصب خليفة
واحد على كل المسلمين كما مرَّ.
وإن كانوا يرونهم كلهم خلفاء شرعيين فقد خالفوا ما أجمع عليه الصحابة والتابعون
وأطبق عليه العلماء السابقون من أنه لا يجوز عَقْد الخلافة لخليفتين في عصر
واحد، وتركوا العمل بالأحاديث الصحيحة الدالة على لزوم بيعة الخليفة الأول وقتل
الخليفة الآخر.
مضافاً إلى أنهم لم يراعوا في الخلفاء ما يجب عليهم أن يراعوه فيهم مِنْ كونهم
من قريش، وكونهم موصوفين بالعدالة والعلم والاجتهاد، فصار الحُكم طعمة لكل
متغلِّب على الأمة بالقوة
|
24
...........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
والقهر، وأهل السنة لا يُنكرون عليهم، ولا يجهرون بعدم شرعية
حُكمهم، مع أنهم لا يقولون بالتقية التي يقول بها غيرهم.
والحاصل: أن كل أهل السنة واقعون في الإثم سواءً
بايعوا حاكمهم على السمع والطاعة أم لم يبايعوه، وذلك لأنهم لم يبايعوه خليفة
على كل المسلمين، ولم يتابعهم عليه غيرهم، وبذلك
يكونون قد تركوا واجباً من أعظم الواجبات الدينية، وتخلفوا عن
وظيفة من أهم الوظائف الشرعية.
محاولة لدفع الإشكال وردّها:
قد يقال : إن كل فئة من أهل السنة في بلادهم قد
بايعوا حاكمهم بيعة شرعية صحيحة، وبذلك يكونون قد أدَّوا ما فرضه الله عليهم من
مبايعة إمام لهم في هذا الزمان.
والجواب :
1ـ لو سلَّمنا بحصول ذلك فإن كل
فئة من أهل السنة إنما بايعوا حاكمهم فقط، ولم يبايعوا حُكَّام البلاد الأخرى،
وهنا نقول : إما أن تكون بيعة هؤلاء المبايِعين صحيحة فيجب على
غيرهم متابعتهم فيها، وحيث لم يفعلوا فقد تركوا واجباً من أهم
الواجبات، وإما أن تكون بيعتهم تلك باطلة فلا اعتبار بها، فوجودها كعدمها.
2ـ أن مبايعة هؤلاء لهذا الحاكم معارَضة بمبايعة
غيرهم لحُكَّامهم في البلاد الإسلامية الأخرى، ولا يصح بيعة خليفتين في عصر
واحد، فكل بيعة تحقَّقت فهي باطلة قطعاً إلا واحدة، وعلى هذا فإن الإشكال يبقى
لازماً لغالبية أهل السنة كما هو واضح.
3ـ أن هؤلاء المبايعين إنما بايعوا حاكمهم على
السمع والطاعة وعلى كونه حاكماً على بلادهم، لا على كونه خليفة لكل المسلمين،
ولهذا لم نرَ حاكماً معاصراً ادَّعى الخلافة العامة على كل المسلمين، والذي
يتحقق به امتثال الواجب هو البيعة على النحو الثاني لا الأول.
4ـ أن الخليفة الحق لا تثبت خلافته عندهم إلا
بالنص من الله ورسوله، أو بنصّ إمام الحق الذي قبله، أو بالشورى من المسلمين
كافة، أو بالقهر والغلبة على سائر بلاد الإسلام، وشيء من ذلك كله لم يتم لحاكم
معاصر كما هو واضح.
وتثبت الخلافة عندهم أيضاً ببيعة أهل الحل والعقد، وعليه
|
حال أهل السنة في هذا العصر
............................................................................
25 |
فإن كان أولئك المبايعون هم أهل الحل والعقد
( 1 ) فبيعتهم صحيحة، وإلا
فلا، ولا تُعْرَف فئة من أهل السنة في هذا العصر موصوفة بهذه الصفة، وعليه فلا
تصح بيعة هؤلاء، ولا تكون
بيعتهم مُلزِمة لغيرهم، بل تكون مشمولة لقول عمر بن الخطاب : فمَن بايع رجلاً
على غير مشورة من المسلمين فلا يُتابَع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّة
( 2 ) أن يُقتَلا
( 3 ).
ثم إن البيعة لا تصح عندهم إلا إذا كان الحاكم قرشيًّا عادلاً مجتهداً كما مرّ،
وكل حكام المسلمين لم تتوفر فيهم كل هذه الصفات، فكيف تصح بيعتهم خلفاء على
المسلمين؟!
محاولة أخرى وردّها :
وقد يقال أيضاً : إن كل واحد من أهل السنة قد
اتَّبع إماماً من أئمة المسلمين، ومن الواضح المعلوم أن أهل السنة منهم من
يتّبع أبا حنيفة النعمان، ومنهم من يتَّبع مالك بن أنس، ومنهم
من يتبع محمد بن إدريس الشافعي، ومنهم من يتّبع أحمد بن حنبل، فكل واحد منهم
يموت وفي عنقه بيعة لإمام من هؤلاء الأئمة، فلا إشكال عليهم حينئذ.
والجواب :
1ـ أن محل الكلام هو مبايعة الإمام الذي يتولَّى
أمور المسلمين، ويكون حاكماً له سلطة زمنية على الناس، وهذه هي البيعة التي
أوجبها علماء أهل السنة فيما تقدم من عباراتهم، ودلّت
عليها الأحاديث السابقة، وليس محل البحث هو إمامة علماء الدين الذين يعمل الناس
بفتاواهم، فإن هؤلاء لا تجب مبايعتهم بالاتفاق، بل يجب سؤالهم لمعرفة الأحكام
الشرعية لا غير، كما قال جلَّ شأنه ( فَاسْأَلُواْ
أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )
( 4 ).
2ـ لم يُفْتِ أحد من أئمة المذاهب الأربعة بوجوب
أخذ البيعة له أو لغيره من فقهاء الأمصار، ولم ينقل أحد من أعلام أهل السنة
| |
( 1 ) أهل الحل والعقد هم أصحاب الرأي
والدين والمشورة في المسلمين الذين يلزم غيرهم متابعتهم عند أهل السنة،
مثل الصحابة في المدينة بعد زمان النبي ( ص ).
( 2 ) أي حذراً من القتل، فكأن من فعل ذلك فقد غرَّر بنفسه وبصاحبه
وجعلهما عرضة للقتل.
( 3 ) صحيح البخاري 9/100 كتاب الأحكام،
باب الاستخلاف. ط مرقمة 4/2132.
( 4 ) سورة الأنبياء، الآية 7. |
|
|
|
26
...........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
أن البيعة قد أُخِذَت لهم، لا في عصورهم ولا في العصور المتأخرة عنهم، ولو كانت
البيعة لهم واجبة لبيَّنوا ذلك للناس وحثّوهم عليها.
3ـ أنَّا قلنا فيما مرَّ: إن البيعة هي المعاهدة،
وهي لا تتحقق إلا مع الإمام الحي الحاضر، وعليه فلا يمكن مبايعة واحد من الأئمة
الماضين، لأنها مفاعلة بين طرفين، والميت لا يعلم ببيعة الحي له، ولا تقع منه
معاهدة معه على شيء، وهو واضح لا يحتاج إلى زيادة بيان.
محاولة ثالثة وردّها :
قد يقال : إن إمام المسلمين ـ كائناً من كان ـ
واحد من علماء أهل السنة المعاصرين، ونحن نتبعه في فتاواه.
والجواب :
1ـ ما قلناه فيما تقدّم يأتي هنا أيضاً، فإن محل
الكلام هو الإمام الذي يتولَّى أمور المسلمين، ويكون حاكماً عليهم، وليس الكلام
في أئمة العلم، فإن أئمة العلم لا تجب بيعتهم عند أهل السنة كما مرَّ.
2ـ قد تقدَّم أنه يشترط في الإمام أن يكون
مجتهداً، وحيث إن أهل السنة قد أغلقوا باب الاجتهاد، وحصروا التقليد في أئمة
المذاهب الأربعة، فلا يوجد في علماء أهل السنة في هذا
العصر إلا المقلِّدة، ومن يدَّعي الاجتهاد منهم لا يوافقونه على اجتهاده ولا
يسلِّمون له به، فحينئذ لا يصلح واحد منهم لإمامة المسلمين.
3ـ لو سلَّمنا أن واحداً من العلماء المعاصرين
فيه الأهلية للإمامة عندهم، إلا أنه لا يكون إماماً عندهم بمجرد كونه أهلاً
للإمامة، وذلك لأن علماء أهل السنة أنفسهم اعتبروا أيضاً في
إمام المسلمين أن يبايعه أهل الحل والعقد، أو يكون مبسوط اليد على بلاد
المسلمين متسلِّطاً عليها، ولأجل ذلك عدّوا معاوية مثلاً من الخلفاء الاثني
عشر، ولم يعدّوا منهم مَن هو خير
منه من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار المعاصرين له الذين لم تكن لهم
إمرة، كما لم يعدُّوا منهم غيرهم ممن وصفوهم بأنهم من المبشَّرين بالجنة، كسعد
بن أبي وقاص مثلاً، أو
غيره من علماء الصحابة كابن عباس وابن مسعود وغيرهما، للسبب الذي ذكرناه.
|
حال أهل السنة في هذا العصر
............................................................................
27 |
محاولة رابعة وردّها:
وقد يقال: سلّمنا أن أهل السنة تركوا القيام بهذا
الفرض، فلم يبايعوا إماماً لهم، لا في هذا العصر ولا في العصور المتقدمة التي
تلت عصر الخلافة، ولكن لا يلزم من ذلك وقوعهم في
المعصية وموتهم ميتة جاهلية، وذلك إنما يلزم لو تركوه عن قدرة واختيار لا عن
عجز واضطرار
( 1 ).
والجواب:
1ـ أنَّا لا نسلّم أن أهل السنة عاجزون عن بيعة
إمام لهم في هذا العصر، لأن البيعة ـ كما مرَّـ هي المعاهدة على السمع والطاعة
للحاكم، وهذا مقدور عليه، ويمكن لعلماء أهل السنة
أن يرشدوا العوام في جميع البلاد إلى مبايعة مَنْ يرونه الأصلح للإمامة من
حُكَّام المسلمين أو من غيرهم.
وخوفهم من سخط حُكَّام بلادهم لا يسوّغ لهم ترك بيان فريضة من أهم الفرائض،
وإغفال وظيفة من أعظم الوظائف، لأن أهل السنة لا يرون جواز التقية من الحاكم
المسلم، ولهذا
عدّوا من فضائل مالك بن أنس وأحمد بن حنبل وغيرهما أنهم جَهَروا ببيان معتقدهم
مع ما كان فيه من سخط الخلفاء والوقوع في المحنة.
هذا مع أن هناك منابر دولية يُتمكَّن بها من بيان كل عقيدة وإيضاح كل وظيفة بلا
أي محذور ولا خوف ولا ضرر، وهذا أمر مقدور للكل أو للأغلب، ومع ذلك لا نرى
أحداً من أهل السنة قام بهذا.
2ـ مع الإغماض عن كل ذلك وتسليم أن أهل السنة
عاجزون عن مبايعة إمام لهم، فهذا يرفع الإثم والعقاب عنهم، لأن الله جلَّ شأنه
لا يكلِّف الناس بما لا يطيقون.
أما أن ميتتهم لا تكون بسبب هذا الاضطرار جاهلية فهذا لا نسلّم به، فإن أهل
الفَتْرة الذين عاشوا في الجاهلية وهم لا يعلمون بدين سماوي، وكانوا مستضعفين
في الأرض، ولا يفقهون
من أمرهم إلا ما يتعلق بمعاشهم قد يقال: إنهم لا يُعذَّبون، عملاً بقوله جلَّ
شأنه ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولاً )، إلا أنهم ضُلَّال من
| |
( 1 ) هذا الجواب لسعد الدين
التفتازاني (712- 793هـ) في كتابه شرح المقاصد
5/239. |
|
|
|
28
...........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
غير شك، لأن كل من لم يتّبع الحق ـ وإن كان معذوراً ـ فهو ضال.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن حديث مسلم نصَّ على أن كل من لم تكن في عنقه
بيعة لإمام فميتته جاهلية، وبإطلاقه يشمل من كان معذوراً لجهل أو اضطرار أو عجز
أو غير ذلك.
!!!!!
وعلى ضوء ما تقدّم نقول : إن أهل السنة في جميع
البلاد الإسلامية إما أن يكون فيهم من هو أهل للخلافة، ومتَّصف بالصفات التي
اشترطوا توفّرها في خليفة المسلمين، فحينئذ يجب عليهم جميعاً أن يبايعوه خليفة
لهم.
وإما ألا يكون فيهم مَن هو متَّصف بالصفات المزبورة، فالواجب عليهم حينئذ ـ
بحسب دلالة أحاديثهم وأقوال علمائهم ـ بيعة رجل جامع لبعض الصفات ليكون إماماً
على جميع المسلمين، ولا يجوز ترك المسلمين من دون إمام بَرّ أو فاجر.
وأهل السنة في جميع البلدان لم ينصبوا خليفة
عليهم، فهم بأجمعهم أو أكثرهم مخالفون لفتاوى علمائهم، ومعرضون عن الأحاديث
الصحيحة، وغير عاملين بمضمونها، وبذلك تكون ميتتهم جاهلية بنصِّ حديث مسلم
وغيره.
|