|
50
.........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
شبهات حول
معتقد الشيعة في المهدي المنتظر عليه السلام
لقد أُورد على هذا المعتقد في الإمام المهدي
( ع ) عدة شبهات، نستعرض أهمها
ونجيب عنها بإيجاز.
الشبهة الأولى: في طول عمر المهدي
عليه السلام
:
وهذه الشبهة مترتبة على القول بولادته
( ع ) سنة 255هـ، فمن غير
المألوف أن يعمَّر الإنسان ما ينيف على ألف عام، ولأجل هذا صار الاعتقاد ببقاء
المهدي
( ع ) هذه المدّة الطويلة مما
يشنِّع به خصوم الشيعة عليهم.
قال بعضهم مخاطباً الشيعة:
ما آنَ للسِّردابِ أن يَلِدَ الذي كلَّمتموه
بجهلِكم ما آنا
فعلى عقولِكم العَفَاءُ فإنكم ثلَّثتمُ العَنْقاءَ والغِيْلانا
( 1 )
والجواب يتضح بأمور:
الأول : أن بقاء المهدي
( ع ) إلى هذا الوقت إنما هو
بقدرة الله تعالى، وقدرته سبحانه تتعلق بالممكنات، وهذا أمر ممكن، بل هو واقع
كما سيأتي، فلا مانع من تعلق قدرة الله تعالى به، بل لا مفرّ من ذلك، لتعيّن
الإمامة فيه دون غيره كما أوضحناه فيما تقدَّم.
قال فخر الدين الرازي : قال بعض الأطباء : العمر
الإنساني
| |
( 1 ) الصواعق
المحرقة، ص 198. المنار المنيف في الصحيح
والضعيف، ص 152. |
|
|
|
شبهات حول معتقد
الشيعة في المهدي المنتظر عليه السلام
..................................................
51 |
لا يزيد على مائة وعشرين سنة. وقوله ( وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا
خَمْسِينَ عَامًا )
( 1 ) يدل على خلاف قولهم،
والعقل يوافقه، وإلا لما بقي نوح هذه المدة،
والمؤثِّر في بقاء الإنسان عمراً طويلاً إما أن يكون هو الله سبحانه أو ينتهي
إليه، والله سبحانه دائم، فتأثيره يجوز أن يكون دائماً ، فالبقاء إذن ممكن في
ذاته.
وقال: ثم نقول: لا نزاع بيننا وبينهم، لأنهم
يقولون: العمر الطبيعي لا يكون أكثر من مائة وعشرين.
ونحن نقول: هذا العمر ليس طبيعياً، بل هو عطاء
إلهي، وأما العمر الطبيعي فلا يدوم عندنا ولا لحظة، فضلاً عن مائة أو أكثر
( 2 ).
قلت: لا شك في أن طول عمر الإمام المهدي
( ع ) لم يكن جارياً على
المألوف عند الناس، بل هو خارج عن العادة، ولكنه حاصل بقدرة الله عزَّ وجل،
كغيره من خوارق العادات التي
وقعت في حياة الأنبياء والأولياء، والتي اتفق المسلمون بشتى مذاهبهم على
وقوعها، مثل طول عمر نوح
( ع )، وبقاء أصحاب الكهف
نياماً في كهفهم ثلاثمائة وتسع سنين، وولادة عيسى
( ع ) من غير أب، وكلامه في
المهد صبيًّا، وإبرائه الأكمه والأبرص وإحيائه الموتى... وغير ذلك مما يطول
ذكره.
ولما انحصرت الإمامة في هذا الزمان في الإمام المهدي
( ع ) كما مرَّ بيانه
مفصَّلاً، وقد رآه كثير من الناس، حكمنا ببقائه وبطول عمره الشريف.
الثاني: أن الله جلَّ وعلا أطال أعمار جمع كثير
من الناس في الأمم السالفة والسنين الماضية، كما تقدم في آية سورة العنكبوت
الدالة على أن نوحاً
( ع ) لبث في قومه يدعوهم إلى
عبادة الله ألف سنة إلا خمسين عاماً.
وعاش آدم
( ع ) ألف سنة
( 3 )، ولبث
أصحاب الكهف في كهفهم ثلاثمائة وازدادوا تسعاً، وعاش سلمان الفارسي أكثر من
مائتين وخمسين عاماً على جميع الأقوال
( 4 ).
| |
( 1 ) سورة
العنكبوت ، الآية 14.
( 2 ) التفسير الكبير 25/42 ، بتوضيح
منّا.
( 3 ) قصص الأنبياء 1/57.
( 4 ) قال ابن حجر في الإصابة 2/62: قال
الذهبي : وجدت الأقوال في سِنّه كلها دالّة على أنه جاوز المائتين
وخمسين سنة، والاختلاف إنما هو الزائد… إلى أن قال: إن ثبت ما ذكروه
يكون ذلك من خوارق العادات في حقّه، وما المانع من ذلك؟!
=> |
|
|
|
52
.........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
الثالث: أن المسلمين يعتقدون ببقاء رجال صالحين
غير المهدي
( ع ) كعيسى والخضر
( ع )، وإلياس
( ع ) على بعض الأقوال، كما يعتقدون ببقاء
رجال غير صالحين كالدجَّال.
أما عيسى
( ع ): فقد دلَّت آيات الكتاب العزيز على رفعه إلى السماء.
قال جلَّ وعلا ( وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهمْ وَإِنَّ
الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهم بِهِ مِنْ عِلْمٍ
إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا *
بَل رَّفَعَهُ اللهُ
إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا )
( 1 ).
ودلّت الأحاديث المروية في الصحاح على أنه ينزل في آخر الزمان، كحديث مسلم في
صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله
( ص ): والله لينزلنَّ ابن مريم حَكَماً
عدلاً، فليكسرنَّ الصليب، وليقتلنَّ الخنزير، وليضعنَّ الجزية...
وعنه أيضاً قال: قال رسول الله
( ص ): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم
منكم؟!( 2 )
وقد نصَّ أعلام أهل السنة على حياته وبقائه إلى الآن:
قال ابن حجر العسقلاني : إن عيسى رُفع، وهو حيٌّ على الصحيح
( 3 ).
وقال ابن كثير: المقصود من السياق ـ أي سياق الآيات ـ الإخبار بحياته الآن في
السماء، وليس كما زعمه أهل الكتاب الجهلة أنهم صلبوه، بل رفعه الله إليه، ثم
ينزل من السماء قبل يوم القيامة كما دلّت عليه الأحاديث المتواترة
( 4 ).
وقال: إنه رفعه إليه، وإنه باقٍ حيٌّ، وإنه سينزل قبل يوم
| |
=>
فقد روى أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من طريق
العباس بن يزيد، قال: أهل العلم يقولون: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين
سنة، فأما مائتان وخمسون سنة فلا يشكّون فيها.
( 1 ) سورة النساء،
الآيتان 157، 158.
( 2 ) صحيح مسلم
1/136.
( 3 ) فتح الباري
6/290.
( 4 ) النهاية في
الفتن والملاحم، ص93. |
|
|
|
شبهات حول معتقد
الشيعة في المهدي المنتظر عليه السلام
..................................................
53 |
القيامة كما دلَّت
عليه الأحاديث المتواترة
( 1 ).
وقال القرطبي: الصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة ولا نوم كما
قال الحسن وابن زيد، وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عن ابن عباس، وقاله الضحاك
(
2 ).
وأما الخضر
( ع ) : فقد ذهب المشهور إلى تعميره وبقائه إلى الآن.
قال النووي: جمهور العلماء على أنه حيٌّ موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند
الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه
وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن يُحصر، وأشهر
من أن يُستر
( 3 ).
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: هو حيٌّ عند جماهير العلماء والصالحين، والعامة
معهم في ذلك. قال: وإنما شذّ بإنكاره بعض المحدثين
( 4 ).
وقال القرطبي: وقد ذكر شيخنا الإمام أبو محمد عبد المعطي بن محمود بن عبد
المعطي اللخمي في شرح الرسالة له للقشيري حكايات كثيرة عن جماعة من الصالحين
والصالحات
بأنهم رأوا الخضر
( ع ) ولقوه، يفيد مجموعها غاية الظن بحياته مع ما ذكره
النقاش والثعلبي وغيرهما
( 5 ).
وأما النبي إلياس
( ع ): فقد ذهب بعضهم إلى أنه باقٍ لم يمت، وأخرج الحاكم
النيسابوري في المستدرك عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله
( ص )
في سفر،
فنزلنا منزلاً، فإذا رجل
في الوادي يقول: (اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة
المغفورة المثاب لها)، قال: فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاث مائة
ذراع، فقال لي: مَنْ أنت؟ قال: قلت أنس بن
مالك خادم رسول الله
( ص ). قال: أين هو؟
قلت: هو ذا يسمع كلامك. قال: فأته وأَقْرِئْه
| |
( 1 )
تفسير القرآن العظيم 1/577.
( 2 ) الجامع لأحكام
القرآن 4/100.
( 3 ) شرح صحيح مسلم
15/135. تهذيب الأسماء واللغات 1/177.
( 4 ) شرح صحيح مسلم
15/136. الحذر في أمر الخضر، ص86.
تهذيب الأسماء واللغات 1/177. الزهر
النضر في نبأ الخضر، ص 38.
( 5 ) الجامع لأحكام
القرآن 11/43. |
|
|
|
54
.........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
مني السلام، وقل له: ( أخوك إلياس
يُقْرِئك السلام )، فأتيت النبي
( ص )
فأخبرته، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلم عليه، ثم
قعدا يتحدثان، فقال له: يا رسول الله إني إنما آكل في كل سنة يوماً،
وهذا يوم
فطري، فآكل أنا وأنت. فنزلت عليهما مائدة من السماء، عليها خبز وحوت وكرفس،
فأكلا وأطعماني، وصلينا العصر ثم ودَّعته، ثم رأيته مرَّ على السحاب نحو
السماء
( 1 ).
قال عبد العزيز بن أبي روّاد: إن إلياس والخضر
( ع ) يصومان شهر رمضان في كل عام
ببيت المقدس، يوافيان الموسم في كل عام. وذكر ابن أبي الدنيا أنهما يقولان عند
افتراقهما عن الموسم: ما شاء الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ...الخ
(
2 ).
وقال ابن حجر العسقلاني: روى الدارقطني في الأفراد من طريق عطاء عن ابن عباس
مرفوعاً: (يجتمع الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس
صاحبه،
ويفترقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله ما شاء الله)، الحديث في إسناده محمد بن
أحمد بن زيد ... وهو ضعيف، وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد عن الحسن بن
يحيى عن
ابن
أبي رواد نحوه، وزاد : ( ويشربان من ماء زمزم شربة تكفيهما
إلى قابل ) ، وهذا معضل
( 3 )، ورواه أحمد في الزهد بإسناد حسن عن ابن أبي رواد،
وزاد: أنهما يصومان رمضان ببيت المقدس
( 4 ).
وأما الدجَّال: فقد دلَّت روايات أهل السنة على أنه باقٍ من زمان النبي
( ص )
إلى
هذا اليوم، إما لأنه ابن صيَّاد أو لأنه شخص آخر مصفَّد في الأغلال إلى حين
خروجه.
أما ابن صيَّاد: فقد ذكروا له أخباراً غريبة وصفات عجيبة.
قال النووي في شرح صحيح مسلم: (باب ذِكْر ابن صيَّاد) يقال له ابن صياد وابن
صائد، وسُمِّي بهما في هذه الأحاديث، واسمه صاف. قال العلماء: وقصته مشكلة،
وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجَّال المشهور أم غيره؟ ولاشك في أنه
دجَّال من
| |
(
1 ) المستدرك
2/674، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
الجامع لأحكام القرآن 15/116. تفسير
الطبري . العظمة 5/1531.
( 2 ) الجامع لأحكام
القرآن 15/116.
( 3 ) المعضل: هو الحديث الذي سقط من إسناده
اثنان فصاعداً.
( 4 ) فتح الباري
6/337. |
|
|
|
شبهات حول معتقد
الشيعة في المهدي المنتظر عليه السلام
..................................................
55 |
الدجاجلة، قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي
( ص )
لم يوحَ إليه بأنه
المسيح الدجَّال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجَّال، وكان في ابن صياد
قرائن محتملة، فلذلك كان النبي
( ص )
لا يقطع بأنه الدجَّال ولا غيره، ولهذا قال
لعمر : (إن يكن هو فلن تستطيع قتله).
وأما احتجاجه هو بأنه مُسْلِم والدجَّال
كافر، وبأنه لا يولد للدجَّال وقد وُلد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن
ابن صياد دخل المدينة، وهو متوجِّه إلى مكة، فلا دلالة له فيه، لأن النبي
( ص )
إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض، ومن اشتباه قصته وكونه أحد
الدجاجلة الكذابين قوله للنبي
( ص ): ( أتشهد أني رسول الله ؟ )، ودعواه أنه يأتيه
صادق
وكاذب، وأنه يرى عرشاً فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه
يعرف موضعه، وقوله: ( إني لأعرفه، وأعرف مولده، وأين هو الآن )، وانتفاخه حتى ملأ
السكة، وأما إظهاره الإسلام وحَجّه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في
أنه غير الدجَّال.
قال الخطابي: واختلف السلف في أمره بعد كبره، فرُوي عنه أنه
تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنهم لما أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه
حتى رآه الناس. وقيل لهم: (اشهدوا).
قال: وكان ابن عمر وجابر فيما رُوي عنهما
يحلفان أن ابن صياد هو الدجَّال لا يشكَّان فيه. فقيل لجابر: إنه أسلم. فقال:
وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكة وكان في المدينة. فقال: وإن دخل.
وروى أبو داود في
سُننه بإسناد صحيح عن جابر قال: (فقَدْنا ابن صياد يوم الحرة)، وهذا يعطل رواية
من روى أنه مات بالمدينة وصُلِّيَ عليه، وقد روى مسلم في هذه الأحاديث أن
جابر
بن عبد الله حلف بالله تعالى أن ابن صيَّاد هو الدجال، وأنه سمع عمر
( رض )
يحلف على
ذلك عند النبي
( ص )
فلم ينكره النبي
( ص )، وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه
كان يقول: والله ما أشك أن ابن صياد هو المسيح الدجَّال.
قال البيهقي في كتابه
البعث والنشور: اختلف الناس في أمر ابن صياد اختلافاً كثيراً، هل هو الدجال؟
قال: ومن ذهب إلى أنه غيره احتج بحديث تميم الداري في قصة الجسَّاسة الذي ذكره (
1
).
قلت: اختلاف أهل السنة حتى زمان متأخر في أن ابن صياد هو الدجَّال أو لا، يدل
على أنه إن كان هو الدجال فإن طول عمره حينئذ لا يشكل أية مشكلة عندهم.
| |
( 1 )
صحيح مسلم بشرح النووي 18/46. |
|
|
|
56
.........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
وأما خبر الجسَّاسة فقد رووه في كتبهم، وهو يدل على أن الدجَّال موجود منذ زمان
النبي
( ص )
، مصفَّد بالأغلال ينتظر وقت الخروج.
فقد أخرج مسلم في صحيحه أن النبي
( ص )
قال: إني والله ما جمعتُكم لرغبة ولا لرهبة،
ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً، فجاء فبايع وأسلم، وحدثني
حديثاً وافق الذي
كنت أحدثكم عن مسيح الدجَّال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية
مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم أَرْفَأوا
إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس،
فجلسوا في أَقرُب
( 1 )
السفينة، فدخلوا
الجزيرة، فلقيتْهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قُبُلُه من دُبُره من
كثرة الشعر، فقالوا: ويلكِ ما أنت؟ فقالت: أنا الجسَّاسة. قالوا: وما
الجسَّاسة؟
قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدَّيْر، فإنه إلى
خبركم بالأشواق. قال: لما سمَّتْ لنا رجلاً فَرِقْنا منها أن تكون شيطانة، قال:
فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدَّيْر، فإذا فيه أعظم
إنسان رأيناه قط خَلْقاً
وأشده وِثَاقاً، مجموعةٌ يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا:
ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من
العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً،
ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقْرُبها فدخلنا الجزيرة... فقال: أخبروني
عن نخل بَيْسان. قلنا:
عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا
له: نعم. قال: أما إنه يوشك أن لا تثمر. قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية. قلنا:
عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟
قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن
ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زُغَر. قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟
قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له:
نعم هي كثيرة
الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأميين، ما فعل ؟ قالوا:
قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أَقاتَله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟
فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذلك؟
قلنا: نعم. قال: أما إن ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني، إني أنا
المسيح، وإني أوشك أن يؤذَن
لي في الخروج فأخرج، فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين
ليلة،
|
شبهات حول معتقد
الشيعة في المهدي المنتظر عليه السلام
..................................................
57 |
غير مكة وطَيْبة، فهما محرَّمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردتُ أن أدخل واحدة
أو واحداً منهما استقبلني مَلَك بيده السيف صَلْتاً يصدّني عنها، وإن على كل
نَقْب منها ملائكة يحرسونها.
قالت: قال رسول الله
( ص )
وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طَيْبَةُ، هذه طَيْبَةُ، هذه طَيْبَةُ ـ يعني
المدينة ـ ألا هل كنت حدَّثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم. فإنه أعجبني حديث تميم
أنه وافق
الذي كنت أحدِّثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام أو بحر
اليمن، لا بل من قِبَل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما هو، من قبل المشرق ما
هو. وأومأ بيده إلى المشرق( 1
).
قال القرطبي بعد أن ذكر الحديث المروي عن النبي
( ص )
أنه قال : ( أُقسم بالله ما على
الأرض من نَفْس منفوسة تأتي عليها مائة سنة ) : قال علماؤنا: وحاصل ما تضمنه هذا
الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أخبر قبل موته بشهر أنَّ كل من كان من بني آدم
موجوداً في ذلك [الوقت] لا يزيد عمره على مائة سنة، لقوله عليه الصلاة والسلام:
(ما من نفس منفوسة)
وهذا اللفظ لا يتناول الملائكة ولا الجن، إذ لم يصح عنهم
أنهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل، لقوله: (ممن هو على ظهر الأرض أحد)، وهذا
إنما يقال بأصل وضعه على من يعقل، فتعين
أن المراد بنو آدم، وقد بيَّن ابن عمر
هذا المعنى فقال: (يريد بذلك أن ينخرم ذلك القَرْن)، ولا حُجَّة لمن استدل به
على بطلان قول من يقول: (إن الخضر حي)، لعموم قوله: (ما من نفس
منفوسة)، لأن
العموم وإن كان مؤكد الاستغراق فليس نصًّا فيه، بل هو قابل للتخصيص، فكما لم
يتناول عيسى
( ع )، فإنه لم يمت ولم
يُقتل، فهو حيٌّ بنص القرآن ومعناه، ولا يتناول الدجَّال
مع أنه حيٌّ، بدليل حديث الجسَّاسة، فكذلك لم يتناول الخضر
( ع )، وليس مشاهَداً
للناس ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة
| |
( 1 ) صحيح
مسلم 4/2262. وحديث الجساسة روي بألفاظ مختلفة، فراجع:
صحيح مسلم 4/2264، 2265.
صحيح ابن حبان 15/194، 195، 198.
سنن الترمذي 4/521، وقال الترمذي: هذا
حديث حسن صحيح. سنن أبي داود 4/118-120.
سنن ابن ماجة
2/1354. السنن الكبرى للنسائي 2/481.
مجمع الزوائد 7/346.
مسند أحمد 6/373، 412، 417.
المصنف لابن أبي شيبة 7/497، 510.
المعجم الأوسط للطبراني 1/625، 3/366.
المعجم الكبير 2/54، 24/371، 372،
385-403. مسند الحميدي 1/77.
مسند الطيالسي، ص 228.
مسند أبي يعلى 2/323، 328 ، 334. |
|
|
|
58
.........................................................................
من هو خليفة المسلمين
في هذا العصر؟ |
مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم لا يتناوله
( 1 ).
إذا تقرَّر ذلك نقول: كما أن الدليل القطعي قد دلّ على بقاء عيسى والخضر عليهما
السلام،
ودلَّ على بقاء الدجَّال مدة أطول بكثير من العمر الطبيعي، كذلك دلَّت الأدلة
القطعية التي مرَّ بيانها على وجود الإمام المهدي
( ع )
، وأنه هو إمام هذا الزمان،
فيجب قبوله والتسليم به.
وبقاء المهدي هذا العمر الطويل لا يسوِّغ طرح الأدلة الصحيحة الدالة على وجوده
وبقائه وإمامته، كما لم يسوِّغ ذلك ردّ ما دلَّ على بقاء عيسى والخضر عليهما
السلام.
!!!!!
| |
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 11/42. |
|
|
|