|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 58 :
|
الفصل الثالث : مؤهلات الخلفاء
والأئمة
عند أهل السنة
الشروط الأساسية : يذكر
البغدادي الشروط الأساسية التالية التي ينبغي توفرها في الخلفاء والأئمة ،
ويمثل رأيه موقف غالبية العلماء عند أهل السنة :
1 - العلم : وأقل ما يكفيه منه أن يبلغ فيه مبلغ
المجتهدين بالحلال والحرام .
2 - العدل والورع : وأقل ما يجب فيه من هذه الخصلة
أن يكون ممن يجوز قبول شهادته .
3 - الاهتداء إلى وجوه السياسة ، وحسن التدبير ،
والمعرفة بمراتب الناس ، والحروب .
4 - أن يكون نسبه من قريش
( 1 )
.
ويضيف آخرون للشروط المذكور : - الذكورة ،
والبلوغ ، والعقل ، والشجاعة ، والحرية ، وغيرها .
ولا يشترط أهل السنة في الخليفة أو الإمام أن يكون أفضل أهل زمانه ، ودليل ذلك
يوضحه الباقلاني بقوله : ( وأما ما يدل على جواز العقد للمفضول وترك الأفضل
لخوف الفتنة
والتهارج فهو أن الإمام إنما ينصب لدفع العدو ، وحماية البيضة ، وسد الخلل ،
وإقامة الحدود ، واستخراج الحقوق ، فإذا خيف بإقامة أفضلهم الهرج ، والفساد ،
والتغالب ، وترك الطاعة ، واختلاف
| |
( 1 ) البغدادي ، أصول الدين ، ص 277 . (
* )
|
|
|
السيوف ، وتعطيل الأحكام والحقوق ، وطمع عدد من المسلمين
في اهتضامهم وتوهين أمرهم ، صار ذلك عذرا " واضحا " في العدول عن الفاضل إلى
المفضول
( 1 )
.
ودليله على ذلك أن عمر بن الخطاب أجاز استخلاف أي
واحد من الستة الذين عينهم ليختاروا واحدا " منهم ليكون الخليفة بعده ، مع علمه
أن فيهم فاضلا " ومفضولا " ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة ذلك ، فثبتت بذلك
إمامة المفضول على الفاضل .
ويقول ابن حجر المكي : ( إنه لو لزم تعيين الأفضل
، لقام عمر بتعيين عثمان دون الحاجة لجعلها شورى في ستة )
( 2 )
، لأن عثمان برأيه كان أفضل من علي عليه السلام والأربعة الآخرين .
وأما بشأن العلم اللازم للخليفة أو إمام الأمة ،
فالباقلاني يقول : ( إن الأمة لا تحتاج إلى علم متميز له ، وإن غلط في شئ من
مهماته الموكلة إليه ، فإن الأمة من ورائه ستقومه )
( 3 )
حيث إن الأمة ستمارس سلطاتها من خلال هيئة تمثلها تعرف ب ( مجلس أهل الحل
والعقد ).
العصمة للخلافة وليست للخليفة ومما يلفت الانتباه أن أحد علماء أهل السنة
البارزين يقول بعصمة منصب الخلافة والإمامة وإن لم يكن الخليفة أو الإمام
معصوما " .
فهذا فخر الدين الرازي يرى في تفسير قوله تعالى :
( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
الأمر منكم ) [ النساء / 59 ] ، أن فيها دلالة على هذه العصمة ، فهو
يقول :
( إن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم والقطع ، فلا بد أن يكون
[ ولي الأمر ] معصوما " عن الخطأ ، إذ لو لم يكن
| |
( 1 ) الباقلاني ، التمهيد ، ص 184 .
( 2 ) ابن حجر ، الصواعق المحرقة ، ص 9 .
( 3 ) الباقلاني ، التمهيد ، ص 184 . ( *
)
|
|
|
معصوما " عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد
أمر الله باتباعه ، فيكون ذلك أمرا " بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه منهيا "
عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي
في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وإنه محال ، فثبت أن
الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم ، وجب أن يكون معصوما " عن
الخطأ ، فثبت قطعا " أن أولي الأمر المذكورين في هذه الآية لا بد وأن يكونوا
معصومين )
( 1 )
.
ولأنه وافق برأيه هذا قول بعض الفرق الأخرى القائلة بعصمة الأئمة ، فإنه استدرك
على الفور قائلا " : ( إننا في زماننا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ، عاجزون
عن الوصول إليه،
عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالمراد ليس بعضا
" من أبعاض الأمة ، بل المراد هو أهل الحل والعقد من الأمة )
( 2 )
.
وأهل الحل والعقد هم الذين تثق بهم الأمة من
العلماء ورؤساء الجنود ، والسرايا ، وأولياء الدولة ، وسراة القوم ، وغيرهم من
يمثلون الأمة ، فتكون العصمة للمجلس الذي يضم هؤلاء
الممثلين وليس لأي فرد منهم ، ورأيهم النهائي لا يمكن وقوع الخطأ فيه على حسب
رأي الرازي ، بل لا بد وأن يكون دائما " مصيبا " وموافقا " للكتاب والسنة ، وهو
من عناية الله
على الأمة . ثم يستدل على ذلك بما نسب قوله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
: ( لا تجتمع أمتي على خطأ )
( 3 )
.
بماذا ينخلع الخليفة ؟
تبين مما سبق أن أهل السنة لا يشترطون في إمام الأمة العصمة ولا الأعلمية ولا
حتى الأفضلية ، بل يكتفون بأن يكون عنده قدر من العلم وإن قل ، ودرجة من
العدالة والتقوى تكفي لقبول شهادته ، وحسن التدبير في شؤون
| |
( 1 ) الفخر الرازي ، مفاتيح الغيب ، ج
10 ص 144 .
( 2 ) جعفر السبحاني ، مع الشيعة الإمامية
، ص 62 .
( 3 ) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن
ج 5 ص 403 . ( * )
|
|
|
السياسة والحرب والنسب القرشي وغيرها كما مر في الصفحات
السابقة ، ولكن هل ينخلع الخليفة أو الإمام في حالة عدم توفره على الحد الأدنى
لهذه المؤهلات أو انتفاء أحدها كلية فيه؟
يجيب أبو بكر الباقلاني عن ذلك : ( لا ينخلع
الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال ، وضرب الأبشار ، وتناول النفوس المحرمة ،
وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه ،
وترك طاعته في شئ مما يدعو إليه من معاصي الله )
( 1 ).
ويقول الطحاوي : ( ولا نرى الخروج على أئمتنا
وولاة أمورنا وإن جاروا ، ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يدا " من طاعتهم ونرى
طاعتهم من طاعة الله ( عز وجل ) فريضة ما لم يأمر بمعصية وندعو لهم بالصلاح
والمعافاة )
( 2 )
.
وقال أيضا " : ( والحج والجهاد ماضيان مع أولي
الأمر من المسلمين برهم وفاجرهم إلى قيام الساعة )
( 3 )
.
ويرد سعد الدين التفتازاني موقف أهل السنة في عدم
جواز الخروج عن طاعة الإمام الفاسق بقوله : ( ولا ينعزل الإمام بالفسق أو
بالخروج عن طاعة الله تعالى أو بالجور ، لأنه قد ظهر
الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين ، وكان السلف
ينقادون لذلك ، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم ، ولا يرون الخروج عليهم )
( 4 )
.
| |
( 1 ) الباقلاني ، التمهيد ، ص 181 .
( 2 ) الطحاوي : شرح العقيدة الطحاوية ،
ص 397 .
( 3 ) المصدر نفسه ، ص 387 .
( 4 ) سعد الدين التفتازائي ، الشرح ، ص
185 - 186 . ( * )
|
|
|
|