- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 62 :

مؤهلات الخلفاء والأئمة

عند الشيعة


نظرا " لعلو منصب الإمامة عند الشيعة ، واعتبارهم له منصبا " إلهيا " وامتدادا " للنبوة في وظائفها الرسالية ، فإنهم يعتقدون بوجوب اتصاف الأئمة بمواصفات استثنائية ، وفوق مستوى الناس العاديين .


وأهم هذه المواصفات :

 1 - العصمة بمعنى إستحالة ارتكاب الإمام لأي من الرذائل صغيرها وكبيرها ، وما ظهر منها وما بطن . وأهم ما يستدل به الشيعة على مبدأ العصمة من آيات الكتاب ما يلي :

 أ - قوله تعالى : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما " قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) [ البقرة / 124 ] .

فالآية الكريمة تشير إلى أن نيل عهد الله وهو إمامة البشرية المتمثلة بالأنباء وخلفائهم ، لا يمكن أن تكون من نصيب ظالم ، والخطيئة كبيرها وصغيرها ، ظاهرها وباطنها تجعل من مرتكبها ظالما " .


 ب - قوله تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ) [ الأحزاب / 33 ] . فالرجس في هذه الآية هو الإثم ، والمراد من إذهابه الرجس عن أهل

البيت هو تنزيههم عن كل ما يوجب نقصا " فيهم ، وأي ذنب مهما صغر وبطن فإنه موجب في نقص متصرفة ، فكانت إرادة الله عز وجل ) تطهيرهم من كل الذنوب .


ويرى الشيعة إن المراد بالتطهير في هذه الآية لا يمكن أن يكون مجرد التقوى بالاجتناب عن النواهي ، حيث إن هذا المعنى لا يختص بأهل البيت عليه السلام وحدهم ، وإنما هو لعموم

الناس لقوله تعالى : ( ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) [ المائدة / 6 ] ،

- ص 63 -

 ج‍ - قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) [ النساء / 59 ] .

ويعتقد الشيعة أن أولي الأمر في هذه الآية هم الأئمة الاثنا عشر عليه السلام ، ويقولون : إنه لو احتمل ارتكاب أحدهم المعصية والإثم لما أمر الله سبحانه وتعالى الناس بطاعتهم ، لا سيما

وأن هذا الأمر جاء مطلقا " دون أن يكون محصورا " بأي قيد أو شرط ، وقد اعتبرت طاعتهم بمستوى طاعة الله ورسوله كما يظهر جليا " من تسلسل الأمر في الآية .

وهذا التفسير مطابق لتفسير الفخر الرازي - كما مر سابقا " مع اختلاف في تحديد هوية أولي الأمر .


 2 - الأفضلية ويعتقد الشيعة أيضا " أن الإمام ينبغي أن يكون أفضل أهل زمانه في صفات الكمال من شجاعة ، وكرم ، وعفة ، وصدق ، وعدل ، وتدبير ، وعقل ، وحكمة ، وخلق .


 3 - الأعلمية ولأن الإمام عند الشيعة ليس مجرد رجل سياسة وحرب كما هو عند غيرهم ، بل الحافظ للشرع بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمبين للناس أحكام الدين والكاشف لأسراره ، فإنه ينبغي أن يكون علمه منسجما " مع هذه المهمة العظيمة .


وبالتأكيد ، فإن هذا الانسجام لا يتحقق إلا بدرجة استثنائية من العلم وليس مجرد معرفة الحلال والحرام .

يقول الشيخ محمد رضا المظفر في هذا الصدد : ( أما علمه ، فهو يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام الذي قبله ، وإذا

استجد شئ لا بد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة الحدسية التي أودعها الله فيه ، ولا يحتاج في ذلك إلى البراهين العقلية ، ولا إلى تلقينات المعلمين ) ( 1 ) .
 

 

( 1 ) محمد رضا المظفر ، عقائد الإمامية ، ص 68 - 69 . ( * )

 

 

- ص 64 -

ثم يوضح أن هذا النوع من الإلقاء هو غير الوحي المخصوص بالأنبياء بقوله : ( لقد ثبت في الأبحاث النفسية أن كل إنسان له ساعة أو ساعات في حياته قد يعلم فيها ببعض الأشياء عن

طريق الحدس الذي هو فرع من الإلهام ، بسبب ما أودع الله تعالى فيه من قوة على ذلك . وهذه القوة تختلف شدة وضعفا " وزيادة ونقيصة في البشر باختلاف أفرادهم ، فيظفر ذهن

الإنسان في تلك الساعة إلى المعرفة من دون أن يحتاج إلى التفكير ، وترتيب المقدمات ، والبراهين أو تلقين المعلمين ، ويجد كل إنسان من نفسه ذلك في فرص كثيرة في حياته ،

وإذا كان الأمر كذلك فيجوز أن يبلغ الإنسان من قوته الإلهامية أعلى الدرجات وأكملها ، وهذا أمر قرره الفلاسفة المتقدمون والمتأخرون ) - إلى أن يقول : ( والأئمة عليه السلام كالنبي

صلى الله عليه وآله وسلم ، فإنهم لم يتربوا على أحد ، ولم يتعلموا على يد معلم ، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد ، حتى القراءة والكتابة ، ولم يثبت عن أحدهم إنه دخل الكتاتيب أو

تتلمذ على يد أستاذ في شئ من الأشياء ، مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى ، وما سئلوا عن شئ أجابوا عنه في وقته ، ولم تمر على ألسنتهم ( لا أدري ) . في حين إنك لا تجد

شخصا " من فقهاء الإسلام ورواته وعلمائه إلا ذكرت في ترجمته تربيته وتلمذته وأخذه الرواية على غيره ، وتوقفه في بعض المسائل أو شكه في كثير من المعلومات كعادة البشر في كل عصر ومصر ) ( 1 ) .


بقي أن نذكر أن هذه المؤهلات هي مما يخص الأئمة الاثني عشر من أهل البيت عليه السلام المنصوص على خلافتهم حسب اعتقاد الشيعة .


وأما في عصر غيبة الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر عليه السلام ، فإنه لا يشترط فيمن ينوب عنه ( وهم في هذه الحالة : الفقهاء العدول ) العصمة ، وهؤلاء النواب ، هم كسائر البشر يجدون ويجتهدون في تحصيل العلم ، فيصيبون ويخطئون .
 

 

( 1 ) المصدر نفسه . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب