|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 68 :
|
الفصل الأول : خلافة أبي بكر
إنكار عمر لوفاة الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم
بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق
الأعلى ، وانشغال علي ومن معه من أهل البيت عليه السلام وبني هاشم بتجهيز الجسد
الطاهر ، كان وجوه المهاجرين مجتمعين
في المسجد ، وقد علا صوت عمر معلنا إنكاره لوفاة الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( والله ما مات رسول الله ، وليبعثنه الله ،
فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم )
( 1 )
.
وكان أبو بكر في غضون تلك الأثناء في السنح ، خارج المدينة ، ولما رجع وعلم
بوفاة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ، خرج إلى المسجد وقال لعمر : ( أيها
الحالف على
رسلك . . ألا من كان يعبد محمدا " فإن محمدا " قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن
الله حي لا يموت )
( 2 )
ثم تلا قوله تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله
الرسل ، أفإن مات
أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر
الله شيئا " وسيجزي الله الشاكرين ) [ آل عمران / 144 ] .
إجتماع سري للأنصار
وأما الأنصار ، فقد اجتمعوا سرا " في سقيفة بني ساعدة لاختيار خليفة منهم ، كان
أبرز الطامحين لذلك المنصب زعيم الخزرج ، سعد بن عبادة ، وزعيم الأوس ، أسيد بن
حضير ، وكان بين القبيلتين تنافس قديم وتحاسد .
| |
( 1 ) صحيح البخاري ، كتاب فضائل الصحابة
، ج 5 ص 13 .
( 2 ) المصدر نفسه . ( * )
|
|
|
وقام سعد وخطب فيهم : ( يا معشر الأنصار ، إن لكم سابقة
في الدين ، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ، إن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم لبث في قومه بضع عشرة
سنة ، يدعوهم إلى عبادة الرحمن ، وخلع الأوثان ، فما آمن
به إلا قليل . . . حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة ، وساق إليكم الكرامة ،
وخصكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله
صلى الله عليه وآله وسلم ، والمنع له ولأصحابه والإعزاز
لدينه ، والجهاد لأعدائه - إلى قوله : ودانت بأسيافكم له العرب ، وتوفاه الله
تعالى وهو راض عنكم ، قرير العين ، فشدوا أيديكم بهذا الأمر ، فإنكم أحق الناس
وأولاهم به )
( 1 )
.
وقد كان طمع الأنصار بالإمارة ليس فقط للأسباب التي ذكرها سعد بن عبادة ، وإنما
أيضا " بسبب تخوفهم من بعض قبائل قريش إذا استلموا الإمارة ، والذين قتل منهم
الأنصار عددا " كبيرا " في غزواتهم مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
ولما كان سعد بن عبادة هو المرشح الأقوى للخلافة بين الأنصار ، ذهب اثنان من
قبيلة الأوس حسدا " لسعد وهما معن بن عدي ، وعويم بن ساعدة ، وأخبرا أبا بكر
وعمر - اللذين كانا
حينئذ في بيت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - باجتماع الأنصار ، فأنطلق
الشيخان مسرعين إلى السقيفة دون أن يخبرا أحدا " بالأمر ، ولقيا أبا عبيدة
بطريقهما فرافقهما .
أبو بكر وعمر في مواجهة ساخنة مع الأنصار
وفور دخول الثلاثة إلى السقيفة ، قام سعد بن عبادة ، مخاطبهم : ( أما بعد ،
فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط ، وقد دفت دافة من
قومكم ، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، وأن يحضنونا من الأمر )
( 2 )
.
| |
( 1 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة
، ج 1 ص 22 ( تحقيق علي شيري ) .
( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب المحاربين من
أهل الكفر ، ج 4 ص 541 . ( * )
|
|
|
فأراد عمر أن يرد عليه ، فقال له أبو بكر على رسلك فقام
وخطب قائلا ": ( . . . فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما "، والناس لنا فيه
تبع ، ونحن عشيرة رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم ، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا " ، ليست
قبيلة من قبائل العرب إلا لقريش فيها ولادة . وأنتم أيضا "والله الذين آووا
ونصروا ، وأنتم وزراؤنا في الدين ، ووزراء رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم أحق الناس ألا يكون
هذا الأمر اختلافه على أيديكم ، وأبعد عن أن تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله
تعالى إليهم ، وإنما أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر ، وكلاهما قد رضيت لكم وهذا
الأمر ، وكلاهما له أهل )
( 1 )
.
فقال عمر : ( بل نبايعك أنت ، فأنت سيدنا وخيرنا
وأحبنا إلى رسول الله )
( 2 )
.
فقام الحباب بن المنذر وهو أحد وجهاء الأنصار
والمؤيد لتأمير سعد بن عبادة وقال : ( فنحن لا نحسدكم على خير ساقه الله إليكم
. . . ولكنا نشفق مما بعد اليوم ، ونحذر أن يغلب على
هذا الأمر من ليس منا ولا منكم ، فلو جعلتم اليوم رجلا " منا ورجلا " منكم
بايعنا ورضينا ، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من الأنصار ، فإذا هلك اخترنا آخر
من المهاجرين أبدا " ما بقيت هذه الأمة )
( 3 )
.
وكان قول الحباب حسب رواية البخاري : ( أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب ،
منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش . فكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات ، حتى فرقت
من الاختلاف )
( 4 ) .
ومع تأزم الموقف إلى هذا الحد ، قام عمر وقال بشدة : ( هيهات أن يجتمع سيفان في
غمد واحد ، إنه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم ، ولكن العرب لا
ينبغي أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم ،
| |
( 1 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة
، ج 1 ص 23 .
( 2 ) صحيح البخاري ، كتاب فضائل الصحابة
، ج 5 ص 14 .
( 3 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة
، ج 1 ص 23 - 24 .
( 4 ) صحيح البخاري ، كتاب المحاربين من
أهل الكفر ، ج 8 ص 542 . ( * )
|
|
|
وأولو الأمر منهم ، لنا بذلك على من خالفنا من العرب
الحجة الظاهرة والسلطان المبين . من ينازعنا سلطان محمد وميراثه ، ونحن أولياؤه
وعشيرته إلا مدل بباطل ، أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة ! )
( 1 )
.
فرد الحباب بن المنذر : ( يا معشر الأنصار ،
أملوا عليكم أمركم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من هذا
الأمر ، فإن أبوا عليكم ما سألتم ، فاجلوهم عن بلادكم ،
وتولوا هذا الأمر عليهم ، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم ، فإن دان لهذا
الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا . أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة ، والله
لا يرد علي أحد إلا حطمت أنفه بالسيف )
( 2 )
.
إنشقاق الأنصار ومبايعة أبي بكر
لما رأى بشير بن سعد الخزرجي ما اتفق عليه قومه من تأمير ابن عمه سعد بن عبادة
- كما يروي ابن قتيبة - قام حسدا " لسعد ، وأعلن تأييده للمهاجرين واستعداده
لإعطاء البيعة لهم ،
فقام أبو بكر ورشح عمر أو أبا عبيدة للإمارة ، ولكنهما قدماه للأمر وبايعاه .
ولما سبقهما إليه بشير الأنصاري وبايعه ، ناداه الحباب بن المنذر قائلا " : يا
بشير بن سعد ، حسدت ابن عمك على الإمارة ؟ قال : لا والله ، ولكني كرهت أن
أنازع قوما " حقا " لهم
( 3 )
.
ولما رأت قبيلة الأوس ما صنعه بشير بن سعد ،
وعلمهم برغبة الخزرج من تأمير سعد بن عبادة ، قال زعيمهم أسيد بن حضير : لئن
وليتموها سعدا عليكم ، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة ، ولا جعلوا لكم نصيبا "
فيها أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر ، فقاموا إليه وبايعوه .
وترى عائشة حسب ما رواه البخاري أن العامل الحاسم في إعطاء البيعة لأبيها لم
يكن تحاسد الأنصار ،
| |
( 1 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة
، ج 1 ص 25 . ( 2 ) المصدر نفسه . ( 3 ) المصدر نفسه . ( * )
|
|
|
وإنما : ( فما كان من خطبتهما - أبي بكر وعمر
- من خطبة إلا نفع الله بها ، لقد خوف عمر الناس ، وأن فيهم لنفاقا " فردهم
الله بذلك )
( 1 )
.
وهكذا بايع كل من حضر السقيفة من الأوس والخزرج
باستثناء الحباب ابن المنذر وسعد بن عبادة ، والذي اعترضهم أثناء تقدمهم لإعطاء
البيعة ، فطرح أرضا " حتى كادوا أن يطأوا عليه ، فقال : قتلتموني . فقال عمر :
اقتلوه ، قتله الله
( 2 )
.
ومن المعلوم أن سعدا " فارقهم منذ ذلك الوقت ، ولم يصل معهم ، ولم يجتمع
باجتماعاتهم حتى قيل إنه لو وافقه أحد على قتالهم لقاتلهم .
ولم يزل كذلك حتى ولى عمر بن الخطاب ، فخرج إلى الشام دون أن يبايع لأحد ، بل
قال لعمر عند خروجه : إني أصبحت كارها " لجوارك .
وعلى حسب بعض المصادر التاريخية أن سعدا " قتل في الشام على يد الجن ! وبعد
حصولهم على بيعة الأنصار ، انتقل أبو بكر ، وعمر ، وأبو عبيدة إلى المسجد حيث
وجدوا بني أمية
وقد اجتمعوا على عثمان ، وبني زهرة على سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف .
فقال لهم عمر : قوموا فبايعوا أبا بكر ، فقد بايعته وبايعه الأنصار ، فقام
عثمان وسعد وعبد الرحمن فبايعوا . ويذكر المؤرخون أن عمر كان يحمل بيده عسيب
نخل يحث بها الناس على البيعة .
| |
( 1 ) صحيح البخاري ،
كتاب فضائل الصحابة ، ج 5 ص 15 .
( 2 ) المصدر نفسه ، ج 5 ص 14 ، ج 8 ص 542 ، ابن
قتيبة ، ج 1 ص 27 . ( * )
|
|
|
|