|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 72 :
|
موقف علي عليه السلام
كان علي عليه السلام ومن معه من بني هاشم وبعض الصحابة (
أمثال الزبير ، وطلحة ، وعمار ، وسلمان ، وأبي ذر ، والمقداد ، وخزيمة ذي
الشهادتين ، وخالد بن سعيد ، وأبي
بن كعب ، وأبي أيوب الأنصاري ، وغيرهم ) منشغلين بما
أصاب المسلمين من وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، والقيام بالواجب من
تجهيز الجثمان الطاهر وتهيئته للتشييع إلى المثوى الأخير ، ولم يعلموا بما حصل
في
السقيفة والبيعة التي تمت إلا بعد خروج أبي بكر وعمر ومن
معهما من المسجد في ضجيجهم وسماعهم لتكبيرهم . وروي أن عليا " قال عندما علم
باحتجاج أبي بكر وعمر على الأنصار بقرشيتهم كأساس لاستحقاقهم للخلافة : (
احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة )
( 1 )
.
وامتنع علي ومن معه عن البيعة عندما جاءهم عمر طالبا " منهم ذلك ، حتى أن
الزبير بن العوام أشهر سفيه تحديا " في وجه عمر ومن معه .
ويذكر عباس محمود العقاد هذه الحقيقة التاريخية
في كتابه ( عبقرية عمر ) كما يلي : ( واستكثروا من عمر صرامته في الدعوة علي
إلى مبايعة أبي بكر كما جاء في بعض
الروايات التي نرجح صحتها ، وخلاصتها : إن عمر أتى منزل علي وبه طلحة والزبير
ورجال من المهاجرين ، فقال : والله لأحرقن عليكم الدار أو لتخرجن إلى البيعة ،
فخرج
الزبير مصلتا
بالسيف ، فسقط السيف من يده فوثبوا عليه فأخذوه . أو قال لهما عمر في رواية :
أخرى : والله لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان ) .
( 2 )
.
ثم ذهب علي ليعبر عن احتجاجه ورفضه في حضرة أبي بكر قائلا " : ( أنا عبد الله
وأخو رسوله وأحق بهذا الأمر منكم ، وأنتم أولى بالبيعة لي ، أخذتم هذا الأمر من
الأنصار
واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وتأخذونه [ أمر
الخلافة ] منا أهل البيت غصبا " ؟ . . . وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به
على الأنصار ، نحن أولى
برسول الله حيا " وميتا " ، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون ، وإلا فبؤوا بالظلم وأنتم
تعلمون . إلى قوله : لنحن أحق به لأنا أهل البيت ، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما
دام فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ،
المضطلع بأمر الرعية ، الدافع عنهم الأمور
| |
( 1 ) محمد رضا المظفر ، السقيفة ، ص 134
. ( 2 ) عباس محمود العقاد ،
عبقرية عمر ، ص 165 . ( * )
|
|
|
السيئة ، القاسم بينهم بالسوية ، والله إنه لفينا ، فلا
تتبعوا الهوى فتضلوا عن سبيل الله ، فتزدادوا عن الحق بعدا " )
( 1 )
. فقال له عمر : أنت لست متروكا " حتى تبايع . فقال له
علي عليه السلام : إحلب حلبا " لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا "
. والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايع
( 2 )
. ثم خرج دون أن يبايع ، وبقي كذلك هو ومن معه لمدة ستة شهور .
ويؤكد البخاري هذه الحقيقة بما يرويه عن عمر : (
وإنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا أن
الأنصار خالفونا ، واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف منا علي والزبير
ومن معهما )
( 3 )
.
ومما روي أيضا " عن عمر أثناء خلافته أنه قال
لابن عباس : ( إن الناس كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة ، وإن قريش اختارت
لنفسها فأصابت )
( 4 )
.
وقد ثبت تاريخيا " أنه لو كان لعلي عليه السلام
القوة الكافية لانتزاع حقه دون حصول الفتنة لفعل .
ومن ذلك ما يرويه البخاري من قول عائشة : ( . .
وعاشت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر ، فلما توفيت دفنها
زوجها علي ليلا " ولم يؤذن بها أبا بكر وصلى
عليها . وكان لعلي من الناس وجه حياة فاطمة ، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس
، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته ، ولم يكن يبايع تلك الأشهر ، فأرسل إلى أبي
بكر أن ائتنا
ولا يأتنا أحد معك ، كراهية لمحضر عمر . فقال عمر : لا والله لا تدخل عليهم
وحدك . فقال أبو بكر : وما عسيتهم أن يفعلوا بي ؟ والله لآتينهم ) ( 5 ) .
| |
( 1 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة
، ج 1 ص 29 .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) صحيح البخاري ، كتاب المحاربين ، ج
8 ص 540 .
( 4 ) العقاد ، عبقرية عمر ، ص 167 .
( 5 ) صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، ج 5
ص 382 . ( * )
|
|
|
ويتضح من ذلك أن عليا "
وطوال ستة شهور كان يفكر بأخذ حقه ، ولكن بالكيفية التي لا يحصل فيها شقاق
وفتنة ، وقد روي عن علي أنه قال : ( لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم
)
( 1 )
.
ولكنه مع وفاة فاطمة الزهراء عليه السلام ، فقد انصرفت عنه وجوه الناس ،
وتضاءلت بذلك إمكانية أخذه الخلافة ، وذلك باعتبار مكانة الزهراء عليه السلام
من الرسول صلى الله عليه
وآله وسلم ، ووقوفها إلى جانبه بالمطالبة بحقه ، وتنديدها بالشيخين ، لا سيما
بعد محاولتهما أخذ البيعة من علي ومن معه بالقوة عندما كانوا مجتمعين في بيتها
، وتهديد عمر لهم عند رفضهم الخروج إليه .
ويوضح العالم الشيعي المعروف السيد عبد الحسين
شرف الدين الموسوي : ( إن عليا عليه السلام لم ير أثرا " للقيام ضدهم سوى
الفتنة التي كان يفضل ضياع حقه على حدوثها في تلك
الظروف ، وبسبب الفتن الخطيرة التي أحاطت بالإسلام من كل جانب . فخطر يهدد
الإسلام من المنافقين من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ، بالإضافة إلى خطر
مسيلمة الكذاب
وطليحة بن خويلد الأفاك وسجاح الدجالة ، والرومان والفرس وغيرهم ممن كانوا
للمسلمين بالمرصاد . ولو أسرع علي عليه السلام إليهم في المبايعة حين عقدها ،
لما تمت له حجة ولا
سطع لشيعته برهان ، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين ، والاحتفاظ بحقه في
الخلافة ، فالظروف يومئذ لا تسمح لمقارعة بحجة ولا مقاومة بسيف ، والتي قد
ينتهزها أعداء الإسلام
لإحداث هدم في دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكون مصيبته أعظم على الإمام
علي عليه السلام من ذهاب الخلافة إلى غيره )
( 2 )
.
ومن هؤلاء الذين حاولوا استغلال ذلك لهدم الدين
أبو سفيان الذي سعى إلى علي عليه السلام أكثر من مرة يحضه على قتالهم بقوله : (
إن شئت لأملأنها
| |
( 1 ) المظفر ، السقيفة ، ص 151 .
( 2 ) عبد الحسين شرف الدين الموسوي ، المراجعات
، ص 385 - 387 . ( * )
|
|
|
عليهم خيلا " ورجالا " ، ولأسدنها عليهم من أقطارها )
( 1 )
.
لكن عليا " عليه السلام كان يرفض هذا النوع من
المساعدة لعلمه اليقين بغاية أبي سفيان من تلك المساعدة ، وقد أجابه قائلا " :
( إنك والله ما أردت بهذا إلا الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرا " لا
حاجة لنا في نصيحتك )
( 2 )
.
وليس غريبا " بعد هذه الأحداث ، وكل ما فيها من
مواجهات ساخنة وتهديدات واتهامات على جميع الألوان أن يصف عمر بيعة أبي بكر بما
يلي : ( . . فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي
بكر فلتة وتمت ، إلا وإنها قد كانت كذلك ، ولكن الله وقى شرها )
( 3 )
.
| |
( 1 ) خالد محمد خالد ، خلفاء الرسول ، ص
418 .
( 2 ) المظفر ، السقيفة ، ص 156 .
( 3 ) صحيح البخاري ، كتاب المحاربين ، ج
8 ص 540 .
( 4 ) المصدر نفسه ، كتاب الخمس ، ج 4 ص 208 . ( * )
|
|
|
|