- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 79 :

حروب الردة

كان من بين الذين حاربهم أبو بكر في الحروب التي عرفت باسم بحروب الردة من ادعى النبوة كمسيلمة الكذاب وطليحة بن خويلد الأفاك وسجاح الدجالة .


وكان من بينهم بعض القبائل العربية التي ارتدت عن الدين كقبيلة بني سليم وغيرها ، وقد أرسل الخليفة أبو بكر إليهم خالد بن الوليد على رأس جيش لقتالهم ، حيث روي أنه كان يجمع

المرتدين منهم في الحظائر ثم يحرقها عليهم بالنار ) ( 2 ) ، وهكذا فعل أبو بكر بإياس بن عبد الله المعروف بالفجاءة حيث أمر بإحراقه . وقد اشتهرت هذه الحادثة في كتب التاريخ لا سيما

لاحتجاج الصحابة واعتراضهم على الخليفة لقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا يعذب بالنار إلا رب النار ) ( 3 ) .


وقد دلت روايات تاريخية عديدة على أن معظم القبائل العربية التي حاربها الخليفة لم يكن بسبب ردتها عن الدين ، وإنما بسبب رفضها دفع الزكاة أو تريثها في ذلك لارتيابها بشأن

الخلافة التي تنازعها المهاجرين والأنصار ، واختلاط الأمر على هذه القبائل في مدى أهلية الحكومة الجديدة واعتقادها ( أن من سيقوم مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في حراسة

الدين وسياسة الدنيا لن يصل إلى منزلته في العصمة من الخطأ ، فخافوا على مستقبلهم في ظل الحكم الجديد ) ( 4 ) ، أو كما قال الباحث حسن إبراهيم : ( كما لا يبعد أن
 

 

( 1 ) ابن حجر ، الصواعق المحرقة ، ص 37 .
( 2 ) الرياض النضرة ج 1 ص 100 .
( 3 ) صحيح البخاري ، كتاب الجهاد ، باب لا يعذب بعذاب الله .
( 4 ) منصور الحرابي ، الدولة العربية الإسلامية : نشأتها ونظامها السياسي ، ص 94 . ( * )

 

 

- ص 80 -

يعلي مركز الخلافة من شأن القبيلة التي ينتمي إليها الخليفة وبغض من شأن غيرها من القبائل فيميل ميزان العدل بين الناس ) ( 1 ) .


وقد كان الخليفة عمر معارضا " لقتال هذه القبائل التي لم تعلن ردتها عن الإسلام وإنما اختلط عليها الأمر في فهم بعض الأحكام الشرعية أو التطورات السياسية التي حصلت بعد وفاة

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقال عمر لأبي بكر : ( كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا "

رسول الله ، فمن قالها عصم مني ماله ودمه إلا بحقها ، وحسابهم على الله ) ( 2 ) ، ولكن أبا بكر كان مصرا " على موقفه ، وقال : ( والله لو منعوني عقالا " كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعه ) ( 3 ) .


ومن ضحايا سياسة أبي بكر هذه مالك بن نويرة ( والذي كان قد سبق وأن ولاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على صدقات قومه لثقته به واعتماده عليه ) ( 4 ) حيث أرسل الخليفة قائد

جيوشه خالد بن الوليد لمقاتلة مالك وقومه بذريعة الردة عن دين الإسلام . ولما علم مالك بقدوم خالد ، أخلى له الديار وأمر أصحابه بالتفرق تجنبا " للاقتتال . ولكن خالدا " أرسل في أثرهم

حتى جئ إليه بمالك ونفر من قومه فحبسهم عنده ، ولما كان وقت الصلاة صلوا جميعا " بمن فيهم مالك ومن معه ، ثم سيق مالك ومعه زوجته وأصحابه إلى خالد . وبعد محاورات بين

الفريقين ، أصر خالد على قتل مالك وجماعته بالرغم من صلاتهم وكل تأكيداتهم له بإسلامهم ، حتى أن مالكا " طلب من خالد أن يرسله إلى أبي بكر
 

 

( 1 ) حسن إبراهيم حسن ، تاريخ الإسلام ، دار إحياء التراث العربي ، ج 1 ص 344 .
( 2 ) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان .
( 3 ) تاريخ الخلفاء للسيوطي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ص 56 - 57 ،
تاريخ الإسلام
، حسن إبراهيم حسن ، ج 1 ص 350 .
( 4 ) ابن حجر ، الإصابة في تمييز الصحابة ، ج 3 ص 336 . ( * )

 

 

- ص 81 -

ليحكم بأمرهم . ولكن دون جدوى ، حيث كان لخالد ما أراد من قتلهم ، وقد أوعز بالمهمة إلى ضرار بن الأزور ( 1 ) .


والحقيقة في هذه الحادثة أن مالكا " لم يرتد عن الإسلام وإنما رفض دفع الزكاة لأبي بكر تريثا " لما ستسفر عنه الصراعات التي خلفتها فلتة السقيفة ، أو كما قال ابن القيم الجوزية

التلميذ الشهير لابن تيمية : إن رفض دفع مالك وجماعته لم يكن بسبب ردة عن دين ، وإنما لشبهة شرعية تخيلوا بها أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن خاطبه الله ( سبحانه

وتعالى ) بالآية : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم بها ) هو وحده المخول بجمع الزكاة منهم ، ولما توفاه الله ، أصبحوا في حل من دفعها . ومن الثوابت التاريخية أنه وفي يوم مقتل مالك ،

قام خالد بالدخول في زوجته والتي روي أنها كانت من أجمل نساء العرب ( 2 ) ، وقد قال مالك لخالد قبل مقتله : هذه التي قتلتني ( يعني زوجته ). فقال له خالد : بل الله قتلك برجوعك

عن الإسلام ، فقال له مالك : إني مسلم . فقال خالد : يا ضرار اضرب عنقه . وكان عبد الله بن عمر وأبو قتادة الأنصاري من شاهدي تلك الواقعة ، وقد كلما خالدا " في أمر مالك قبل قتله ، ولكنه كره كلامهما ( 3 ) .


ومما يشير أيضا " إلى عظيم ما اقترفته يدا خالد ، أن أبا قتادة أقسم أن لا يشارك بعد تلك الحادثة بجيش فيه خالد .

 

وأما عمر بن الخطاب ، فقد ثارت ثائرته لفعل خالد وطالب الخليفة أبا بكر بإقامة حدي القتل والزنا عليه . وكان جواب الخليفة له بالرفض بحجة أن ما فعله خالد يعد من التأول والاجتهاد وإن أخطأ فيه ( ؟ ! ) ثم قال : يا عمر ما كانت لأغمد سيفا " سله الله عليهم ( 4 ) .
 

 

( 1 ) تاريخ الطبري ، ج 3 ص 276 - 280 .
( 2 ) المصدر نفسه ، وأيضا " : العقاد : عبقرية خالد .
( 3 ) تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 158 ، وفيات الأعيان ج 6 ص 14 .
( 4 ) المصدر نفسه . ( * )

 

 

- ص 82 -

ولأن عمرا " لم يقتنع ( باجتهاد ) خالد وتأويله ، ولا بصفح أبي بكر عنه ، فإنه عندما تسلم الخلافة ، كان من قراراته الأولى عزل خالد عن قيادة جيش المسلمين والذي كان حينها في غمرة انشغاله بقتال الروم في الشام .


ودع عنك تلك التبريرات المصطنعة القائلة بأن عزل الخليفة لخالد كان يعود لخشيته افتتان المسلمين بانتصاراته الباهرة على حساب شعورهم بصنع الله ( سبحانه وتعالى ) لتلك الانتصارات !
( 1 ) .

 

 

( 1 ) أنظر : العقاد : عبقرية عمر ص 180 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب