- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 15 :

المقدمة

بدأت تظهر في السنوات الأخيرة ، وأكثر من أي وقت مضى بشائر ببداية انحسار أمواج التكفير والتعصب المذهبي الأعمى بين أتباع الفرق الإسلامية ، بعد أن لازمتهم هذه الآفات دهورا " طويلة من الزمن .


فمناقشة القضايا الخلافية ، والتي يشغل الخلاف السني - الشيعي رأس قائمتها ، أصبحنا نراها تدور داخل دائرة الإسلام الواحد والملة الواحدة ، ويغلب عليها العقلانية ، على عكس ذلك

النهج التقليدي المصبوغ بالعاطفة والأحكام المسبقة ، والمأسور لحوادث التاريخ والتعصب لرموزه ورجاله ، والذي جعل من الإسلام مذاهب متعددة ، ومن المسلمين مللا " متباغضة ومعادية لبعضها بعضا " ، كما لا زلنا نرى من ذلك شذرات هنا وهناك .


وتزداد أهمية البحث والنظر في مثل هذه القضايا عند كل من يرى جدوى الحل الإسلامي لمشاكل الأمة الإسلامية فضلا " عن مشاكل وأزمات غيرها ، ويقول بصلاحية دين الإسلام لكل زمان ومكان .


فحري بهؤلاء أن يكونوا على بينة تامة ومعرفة يقينية بتعاليم هذا الدين ، وبالدرب الموصل بأمان إلى الشريعة السماوية الحقة كما نزلت نقية ومحكمة . فبالرغم من كل ما تتمتع به رسالة

الإسلام من مقومات ربانية ، وتعاليم في غاية اليسر والوضوح والشمول كفيلة بإسعاد البشرية جمعاء ، وانتشالها من أوحال الجاهلية والتخلف ، فإن أصحاب الرسالة أنفسهم أصبحوا بحاجة

لغيرهم لانتشالهم ، وطروحات غالبية ( الإسلاميين ) اليوم أصبحت بعيدة عن الواقع ، وعاجزة عن تقديم الحلول العملية والملائمة لطبيعة هذا العصر وظروفه المعقدة والسريعة في

التغير ، وغاية هذه الطروحات التركيز على شكليات وقشور المفاهيم والأحكام على حساب جوهر الشريعة ومقاصدها الحقيقية .
 

- ص 16 -

والنتيجة المأساوية لكل ذلك ، أن الدين أصبح ينظر إليه على أنه مجرد أساطير وخرافات ، وفي أحسن أحواله شعارات براقة تروج وهو أبعد ما يكون فيه أي صلاحية لزمان أو مكان .


وللتحقق من هذا الواقع ، ما علينا إلا إلقاء نظرة سريعة في حال غالبية التنظيمات والحركات التي تأسست بعد انهيار الخلافة العثمانية عام 1924 م ولغاية أيامنا هذه ، ورفعت شعار الحل

الإسلامي ، حيث سنجد أن ما تطرحه من أفكار وبرامج ، وإن وجد أي منها - وما تتبناه من أساليب للوصول إلى غاياتها في إقامة الحكم الإسلامي المنشود يشوبه التخبط والفوضى ، لا

سيما مع تقوقعها على نفسها ، وعدم توفرها على بدائل ، مما أوصلها إلى حافة الإفلاس الفكري وخسران التأييد الجماهيري .


وأمام هذا الواقع ، لا بد لنا وأن نعترف أن أمتنا تعيش اليوم أزمة فهم لهذا الدين ، لفقدانها الرؤية الشمولية والمتكاملة ، وأزمة هوية لوجود تناقض صارخ بين واقع المسلمين وواقعية

الإسلام ، الأمر الذي يعمل على تغذية الشكوك والتساؤلات حول إمكانية تطبيق الشريعة الإلهية في هذا الزمان . وما وجود تلك الخلافات المزمنة بين أهل السنة والشيعة ، وما يدور داخل

إطار كل فريق من مجادلات ومشاحنات إلا دليل واضح على وجود مثل هذه الأزمة في الفهم ، وتلك الأزمة في تحديد الهوية .
 

- ص 17 -

هذا الكتاب

وبحثنا هذا على كل حال لم يأت لحل كل هذه المعضلات ، وإنما لتبسيط ما أصبح يعد وكأنه من الألغاز المعقدة أمام الباحثين في الخلاف السني - الشيعي ، وقد أعياهم النظر في هذه

المسألة ، وحاروا فيما ينبغي اعتباره خلافا " في أركان العقيدة لا يمكن التهاون فيه أو صرف النظر عنه ، أو خلافا " في الفروع وتشعباتها مما يمكن إغفاله وعدم صرف النظر فيه .


فلمواجهة مسألة شائكة مثل هذه ، لا سيما وأن خلافات الفريقين قد أخذت مواقعها الدائمة عشوائيا " في عقائدهم وأحكامهم ونفوسهم ، فإنه في تقديرنا ينبغي البحث أولا " في جذور

الخلاف قبل الانتقال إلى الفروع وتشعباتها الكثيرة . فبتشخيص الخلل في الجذور سيسهل تشخيص خلل الفروع تشعباتها ومعالجتها . وما نعنيه بجذور الخلاف ، فهي تلك المسائل

الأساسية التي أدى الخلاف حولها إلى تقسيم المسلمين إلى سنة وشيعة ، أو تلك المسائل التي انطلق خلاف الفريقين تاريخيا " منها ، ثم أدى تطور ونضوج الأفكار حولها مع الأيام إلى إعطاء هذين الفريقين شكلهما الدائمين .


ولا أجد مسألة اختلف عليها بين أهل السنة والشيعة من الممكن أن تنطبق عليها مثل هذه المواصفات كمسألة خلافة النبي صلى الله عليه وسلم أو إمامة المسلمين بعده ، ويقول

الشهرستاني صاحب موسوعة ( الملل والنخل ) في هذا الصدد : ( وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان ) .


وأما الفروع ، فهي الآثار التي ترتبت على حصول أزمة الخلافة والإمامة ، أو مخلفاتها ذات الخطورة على الإسلام والمسلمين . وتشعبات هذه الفروع
 

- ص 18 -

هي ذلك الكم الهائل من المفاهيم والأحكام الفقهية المختلف عليها بين الفريقين من جهة ، وبين كل فريق من جهة أخرى .


وقد اقتصرنا في هذا الكتاب على البحث في جذور هذه الأزمة وآثارها ، والمؤيدة ببعض الأمثلة مما اختلف حوله من مفاهيم وأحكام ، معتمدين في كل ذلك على أدلة الكتاب والسنة

النبوية ، ومن خلال النظر في حوادث أهم مرحلة من مراحل تأريخنا الإسلامي ، وهي مرحلة صدر الإسلام .


وقد اجتهدنا أن تكون الأدلة مستقاة قدر الامكان من مصادرها الأصلية، ناهجين في ذلك منهجا " علميا " كان همنا الأول والأخير فيه تقصي الحقائق وتثبيت أدلتها ، وعرضها بتسلسل

منطقي ، مع تقديم التحليل اللازم لها والتوفيق الموضوعي فيما بينها ، والإضافة عند الضرورة لأقوال العلماء والمفكرين فيها .


وأسلوب البحث عموما " بعيد عن أي تعقيد قد يخطر على بال ، ولغته في غاية الوضوح والسلاسة ، ولم يكن لنا هم فيها سوى إبراز المعاني والابتعاد عن زخرف القول وبريق العبارات .
 

خطة البحث : يشمل هذا البحث على مقدمة وتمهيد وأربعة أقسام وخاتمة على النحو التالي :

 1 ) المقدمة : وتم فيها تناول مشكلة البحث وخلفيتها ، وهدف البحث وأهميته وأسلوبه وخطته

 2 ) التمهيد : وفيه تعريف عام بالمعاني اللغوية والاصطلاحية للخلافة والإمامة كما وردت في القرآن الكريم .

 3 ) القسم الأول : وتم فيه طرح موقف التشريع الإسلامي من مسألة الخلافة والإمامة من خلال وجهتي نظر أهل السنة والشيعة ، وفي ثلاث نقاط رئيسية أعطي لكل منها فصل مستقلا كما يلي :

- ص 19 -

الفصل الأول : عرض المعنى الخاص للخلافة والإمامة كما فهمه كل فريق ، واستعراض الأدلة التي احتج بها .

الفصل الثاني : عرض منهج كل فريق في معرفة هوية الخلفاء والأئمة ، واستعراض الأدلة التي احتج بها .

الفصل الثالث : عرض موقف الفريقين بالنسبة للمؤهلات التي ينبغي توفرها في الخلفاء والأئمة ، واستعراض الأدلة التي احتجا بها .
 

 4 ) القسم الثاني : وتم فيه استعراض الواقع التاريخي لدولة الخلافة والإمامة في صدر الإسلام ، وهي الفترة التي رسم فيها شكل الخلافة ، وحددت فيها معالمها الدائمة لاستناد غالبية المسلمين على منهج وسلوك الخلفاء والأئمة والصحابة دليلا " ومعيارا " للخلافة الحقة . وهذا القسم على ثمانية فصول :

الفصل الأول : خلافة أبي بكر
الفصل الثاني : خلافة عمر
الفصل الثالث : خلافة عثمان
الفصل الرابع : خلافة علي
الفصل الخامس : خلافة الحسن بن علي الفصل
السادس : خلافة معاوية بن أبي سفيان
الفصل السابع : خلافة يزيد بن معاوية
الفصل الثامن : خلافة عبد الله بن الزبير .


 5 ) القسم الثالث : ويقدم الكاتب في هذا القسم طريقته الخاصة في الوصول لمعرفة هوية الخلفاء والأئمة الذين أرادهم الله ( جل وعلا ) لهذا المنصب، وفي هذه الطريقة مزيج من دليل التشريع وشهادة التاريخ من جهة ، والعقل والنقل من جهة أخرى ، وكان ذلك على فصلين :
 

- ص 20 -

الفصل الأول : مقياس لمعرفة الخلفاء والأئمة .
الفصل الثاني : لمحات من سيرة الخلفاء والأئمة .


 6 ) القسم الرابع : وتم فيه استعراض آثار أزمة الخلافة والإمامة على شريعة الإسلام وواقع المسلمين على مر العصور ، وقد أضيف هذا القسم لإخراج البحث من دائرة الصراع المذهبي

الضيقة ، وإدخاله إلى دائرة الإسلام الأوسع بمعادلة تشخيص ومعالجة أخطر الأمراض التي عانت ولا تزال تعاني منها الأمة الإسلامية سنة وشيعة على السواء . وقد قسمت هذه الآثار أو المخلفات إلى ثلاثة أنواع أعطي لكل منها فصل مستقل كما يلي :

الفصل الأول : الآثار الأولية أو المخلفات المباشرة للأزمة .
الفصل الثاني : أخطر الآثار التي لازمت الأمة على طول تاريخها .
الفصل الثالث : الآثار اللاحقة أو المخلفات التي ظهرت بعصور متأخرة نتيجة للنوعين الأولين


 7 ) الخلاصة والخاتمة : وتم فيه استعراض أهم ما يمكن استخلاصه واستنتاجه بشأن الخلاف السني - الشيعي بصورة عامة ، وأزمة الخلافة والإمامة بصورة خاصة .


د . أسعد القاسم
رحم الله امرءا أهدى إلي عيوبي


 ASAD AL - QASEM , 21987 MCPO BOX , 1261 MAKATI CITY PHILIPPINES 8441635 - 2 - 63 : TELFAX

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب