المقدمة
بدأت تظهر في السنوات الأخيرة ، وأكثر من أي وقت مضى
بشائر ببداية انحسار أمواج التكفير والتعصب المذهبي الأعمى بين أتباع الفرق
الإسلامية ، بعد أن لازمتهم هذه الآفات دهورا " طويلة من الزمن .
فمناقشة القضايا الخلافية ،
والتي يشغل الخلاف السني - الشيعي رأس قائمتها ، أصبحنا نراها تدور داخل دائرة
الإسلام الواحد والملة الواحدة ، ويغلب عليها العقلانية ، على عكس ذلك
النهج التقليدي المصبوغ بالعاطفة والأحكام المسبقة ،
والمأسور لحوادث التاريخ والتعصب لرموزه ورجاله ، والذي جعل من الإسلام مذاهب
متعددة ، ومن المسلمين مللا " متباغضة ومعادية لبعضها بعضا " ، كما لا زلنا نرى
من ذلك شذرات هنا وهناك .
وتزداد أهمية البحث والنظر في
مثل هذه القضايا عند كل من يرى جدوى الحل الإسلامي لمشاكل الأمة الإسلامية فضلا
" عن مشاكل وأزمات غيرها ، ويقول بصلاحية دين الإسلام لكل زمان ومكان .
فحري بهؤلاء أن يكونوا على بينة تامة ومعرفة يقينية بتعاليم
هذا الدين ، وبالدرب الموصل بأمان إلى الشريعة السماوية الحقة كما نزلت نقية
ومحكمة . فبالرغم من كل ما تتمتع به رسالة
الإسلام من مقومات ربانية ، وتعاليم في غاية اليسر
والوضوح والشمول كفيلة بإسعاد البشرية جمعاء ، وانتشالها من أوحال الجاهلية
والتخلف ، فإن أصحاب الرسالة أنفسهم أصبحوا بحاجة
لغيرهم لانتشالهم ، وطروحات غالبية ( الإسلاميين ) اليوم
أصبحت بعيدة عن الواقع ، وعاجزة عن تقديم الحلول العملية والملائمة لطبيعة هذا
العصر وظروفه المعقدة والسريعة في
التغير ، وغاية هذه الطروحات التركيز على شكليات وقشور
المفاهيم والأحكام على حساب جوهر الشريعة ومقاصدها الحقيقية .
والنتيجة المأساوية لكل ذلك ، أن الدين أصبح ينظر إليه
على أنه مجرد أساطير وخرافات ، وفي أحسن أحواله شعارات براقة تروج وهو أبعد ما
يكون فيه أي صلاحية لزمان أو مكان .
وللتحقق من هذا الواقع ، ما
علينا إلا إلقاء نظرة سريعة في حال غالبية التنظيمات والحركات التي تأسست بعد
انهيار الخلافة العثمانية عام 1924 م ولغاية أيامنا هذه ، ورفعت شعار الحل
الإسلامي ، حيث سنجد أن ما تطرحه من أفكار وبرامج ، وإن
وجد أي منها - وما تتبناه من أساليب للوصول إلى غاياتها في إقامة الحكم
الإسلامي المنشود يشوبه التخبط والفوضى ، لا
سيما مع تقوقعها على نفسها ، وعدم توفرها على بدائل ،
مما أوصلها إلى حافة الإفلاس الفكري وخسران التأييد الجماهيري .
وأمام هذا الواقع ، لا بد لنا
وأن نعترف أن أمتنا تعيش اليوم أزمة فهم لهذا الدين ، لفقدانها الرؤية الشمولية
والمتكاملة ، وأزمة هوية لوجود تناقض صارخ بين واقع المسلمين وواقعية
الإسلام ، الأمر الذي يعمل على تغذية الشكوك والتساؤلات
حول إمكانية تطبيق الشريعة الإلهية في هذا الزمان . وما وجود تلك الخلافات
المزمنة بين أهل السنة والشيعة ، وما يدور داخل
إطار كل فريق من مجادلات ومشاحنات إلا دليل واضح على
وجود مثل هذه الأزمة في الفهم ، وتلك الأزمة في تحديد الهوية .
هذا الكتاب
وبحثنا هذا على كل حال لم يأت لحل كل هذه المعضلات ،
وإنما لتبسيط ما أصبح يعد وكأنه من الألغاز المعقدة أمام الباحثين في الخلاف
السني - الشيعي ، وقد أعياهم النظر في هذه
المسألة ، وحاروا فيما ينبغي اعتباره خلافا " في أركان
العقيدة لا يمكن التهاون فيه أو صرف النظر عنه ، أو خلافا " في الفروع
وتشعباتها مما يمكن إغفاله وعدم صرف النظر فيه .
فلمواجهة مسألة شائكة مثل هذه ، لا سيما وأن خلافات
الفريقين قد أخذت مواقعها الدائمة عشوائيا " في عقائدهم وأحكامهم ونفوسهم ،
فإنه في تقديرنا ينبغي البحث أولا " في جذور
الخلاف قبل الانتقال إلى الفروع وتشعباتها الكثيرة .
فبتشخيص الخلل في الجذور سيسهل تشخيص خلل الفروع تشعباتها ومعالجتها . وما
نعنيه بجذور الخلاف ، فهي تلك المسائل
الأساسية التي أدى الخلاف حولها إلى تقسيم المسلمين إلى
سنة وشيعة ، أو تلك المسائل التي انطلق خلاف الفريقين تاريخيا " منها ، ثم أدى
تطور ونضوج الأفكار حولها مع الأيام إلى إعطاء هذين الفريقين شكلهما الدائمين .
ولا أجد مسألة اختلف عليها بين أهل السنة والشيعة من الممكن
أن تنطبق عليها مثل هذه المواصفات كمسألة خلافة النبي صلى الله عليه وسلم أو
إمامة المسلمين بعده ، ويقول
الشهرستاني صاحب موسوعة ( الملل والنخل ) في هذا الصدد :
( وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة ، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة
دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان ) .
وأما الفروع ، فهي الآثار التي ترتبت على حصول أزمة الخلافة
والإمامة ، أو مخلفاتها ذات الخطورة على الإسلام والمسلمين . وتشعبات هذه
الفروع
هي ذلك الكم الهائل من المفاهيم والأحكام الفقهية
المختلف عليها بين الفريقين من جهة ، وبين كل فريق من جهة أخرى .
وقد اقتصرنا في هذا الكتاب على البحث في جذور هذه الأزمة
وآثارها ، والمؤيدة ببعض الأمثلة مما اختلف حوله من مفاهيم وأحكام ، معتمدين في
كل ذلك على أدلة الكتاب والسنة
النبوية ، ومن خلال النظر في حوادث أهم مرحلة من مراحل
تأريخنا الإسلامي ، وهي مرحلة صدر الإسلام .
وقد اجتهدنا أن تكون الأدلة
مستقاة قدر الامكان من مصادرها الأصلية، ناهجين في ذلك منهجا " علميا " كان
همنا الأول والأخير فيه تقصي الحقائق وتثبيت أدلتها ، وعرضها بتسلسل
منطقي ، مع تقديم التحليل اللازم لها والتوفيق الموضوعي
فيما بينها ، والإضافة عند الضرورة لأقوال العلماء والمفكرين فيها .
وأسلوب البحث عموما " بعيد عن
أي تعقيد قد يخطر على بال ، ولغته في غاية الوضوح والسلاسة ، ولم يكن لنا هم
فيها سوى إبراز المعاني والابتعاد عن زخرف القول وبريق العبارات .
خطة البحث : يشمل هذا
البحث على مقدمة وتمهيد وأربعة أقسام وخاتمة على النحو التالي :
1 ) المقدمة : وتم
فيها تناول مشكلة البحث وخلفيتها ، وهدف البحث وأهميته وأسلوبه وخطته
2 ) التمهيد : وفيه
تعريف عام بالمعاني اللغوية والاصطلاحية للخلافة والإمامة كما وردت في القرآن
الكريم .
3 ) القسم الأول :
وتم فيه طرح موقف التشريع الإسلامي من مسألة الخلافة والإمامة من خلال وجهتي
نظر أهل السنة والشيعة ، وفي ثلاث نقاط رئيسية أعطي لكل منها فصل مستقلا كما
يلي :
الفصل الأول : عرض المعنى الخاص للخلافة والإمامة كما
فهمه كل فريق ، واستعراض الأدلة التي احتج بها .
الفصل الثاني : عرض منهج كل فريق في معرفة هوية الخلفاء
والأئمة ، واستعراض الأدلة التي احتج بها .
الفصل الثالث : عرض موقف الفريقين بالنسبة للمؤهلات التي
ينبغي توفرها في الخلفاء والأئمة ، واستعراض الأدلة التي احتجا بها .
4 ) القسم الثاني :
وتم فيه استعراض الواقع التاريخي لدولة الخلافة والإمامة في صدر الإسلام ، وهي
الفترة التي رسم فيها شكل الخلافة ، وحددت فيها معالمها الدائمة لاستناد غالبية
المسلمين على منهج وسلوك الخلفاء والأئمة والصحابة دليلا " ومعيارا " للخلافة
الحقة . وهذا القسم على ثمانية فصول :
الفصل الأول : خلافة أبي بكر
الفصل الثاني : خلافة عمر
الفصل الثالث : خلافة عثمان
الفصل الرابع : خلافة علي
الفصل الخامس : خلافة الحسن بن علي الفصل
السادس : خلافة معاوية بن أبي سفيان
الفصل السابع : خلافة يزيد بن معاوية
الفصل الثامن : خلافة عبد الله بن الزبير .
5 ) القسم الثالث :
ويقدم الكاتب في هذا القسم طريقته الخاصة في الوصول لمعرفة هوية الخلفاء
والأئمة الذين أرادهم الله ( جل وعلا ) لهذا المنصب، وفي هذه الطريقة مزيج من
دليل التشريع وشهادة التاريخ من جهة ، والعقل والنقل من جهة أخرى ، وكان ذلك
على فصلين :
الفصل الأول : مقياس لمعرفة الخلفاء والأئمة .
الفصل الثاني : لمحات من سيرة الخلفاء والأئمة .
6 ) القسم الرابع : وتم
فيه استعراض آثار أزمة الخلافة والإمامة على شريعة الإسلام وواقع المسلمين على
مر العصور ، وقد أضيف هذا القسم لإخراج البحث من دائرة الصراع المذهبي
الضيقة ، وإدخاله إلى دائرة الإسلام الأوسع بمعادلة
تشخيص ومعالجة أخطر الأمراض التي عانت ولا تزال تعاني منها الأمة الإسلامية سنة
وشيعة على السواء . وقد قسمت هذه الآثار أو المخلفات إلى ثلاثة أنواع أعطي لكل
منها فصل مستقل كما يلي :
الفصل الأول : الآثار الأولية أو المخلفات المباشرة
للأزمة .
الفصل الثاني : أخطر الآثار التي لازمت الأمة على طول تاريخها .
الفصل الثالث : الآثار اللاحقة أو المخلفات التي ظهرت بعصور متأخرة نتيجة
للنوعين الأولين
7 ) الخلاصة والخاتمة
: وتم فيه استعراض أهم ما يمكن استخلاصه واستنتاجه بشأن الخلاف السني - الشيعي
بصورة عامة ، وأزمة الخلافة والإمامة بصورة خاصة .
د . أسعد القاسم
رحم الله
امرءا أهدى إلي عيوبي
ASAD AL - QASEM , 21987 MCPO BOX
, 1261 MAKATI CITY PHILIPPINES 8441635 - 2 - 63 : TELFAX