|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 105 :
|
الفصل الرابع خلافة علي
مبايعة الإمام بعد مقتل الخليفة عثمان ، توجهت أنظار الناس
إلى الإمام علي عليه السلام وطلبوا مبايعته ، أو كما
يقول المودودي : ( تقول الروايات الصحيحة كلها إن صحابة رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم من أهل المدينة
راحوا إليه ، وقالوا له إنه لا يصلح الناس إلا بإمرة ، ولا بد للناس من إمام ،
ولا نجد اليوم أحق بهذا الأمر منك )
( 1 )
.
ولكن الإمام علي عليه السلام رفض عليهم ذلك ، لا
لأنه لم يجد في نفسه القدرة على تحمل تبعات الخلافة ، بل لأنه ( رأى المجتمع
الإسلامي قد تردى في هوة من الفوارق الاجتماعية
والاقتصادية ، والتي زادت عمقا واتساعا " بسبب سياسة ولاة عثمان خلال مدة
الخلافة ، ورأى أن التوجيهات الإسلامية ومفاهيمها العظيمة التي عمل النبي صلى
الله عليه وآله وسلم
طيلة حياته على إرساء أصولها في المجتمع الإسلامي الناشئ قد فقدت فاعليتها في
توجيه حياة الناس ، وإنما صار الناس إلى واقعهم هذا لأنهم فقدوا الثقة بالقوة
الحاكمة التي تهيمن عليهم ).
ويفهم أيضا " أن سبب رفض الإمام عليه السلام
قبوله الفوري لطلبهم هو لاختبارهم وكشف مدى استعدادهم لتحمل المنهج الإسلامي
الصحيح في الحكم ، حيث خاطبهم قائلا " : ( دعوني والتمسوا غيري ، فإنا مستقبلون
أمرا " له
| |
( 1 ) أبو الأعلى المودودي ، الخلافة والملك
، ص 75 ( * )
|
|
|
وجوه وألوان ، لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول
، وإن الآفاق قد أغامت ، والمحجة قد تنكرت ، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما
أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي
أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم )
( 1 )
.
وعندما أصر الناس بمطالبتهم ، استجاب لهم الإمام عليه السلام وتمت له البيعة ،
والتي اعترفت بها جميع الولايات الإسلامية باستثناء ولاية الشام .
منهج الإمام وسياسته في الحكم حينما تولى الإمام
علي عليه السلام أمور المسلمين، فإنه ورث من سلفه عثمان صعوبات كثيرة ، وواقعا
" في غاية الفساد والانحراف ، لا سيما انشقاق
معاوية عن الدولة الإسلامية وتفرده بالشام ، الأمر الذي شق المجتمع الإسلامي
إلى شقين ، في كل منهما كيان لا يعترف بالآخر .
وقد سارع الإمام إلى إعلان منهجه وسياسته إلى
الناس منذ اللحظة الأولى لتوليه الحكم وبين لهم : ( إن المسألة بالنسبة إليه
ليست تبديل شخص بشخص آخر ، وليست مسألة فارق اسمي
بين زعيم الأمس وزعيم اليوم ، وإنما المسألة اختلاف شامل للمنهج ، وفي كل
القضايا المطروحة )
( 2 )
.
ومن هذه القضايا ، إلغاء مبدأ التفاضل في العطاء وإعلان مبدأ المساواة بين
المسلمين ، واعتبارهم سواء في الحقوق والواجبات ، وهو يقول : ( الذليل عندي
عزيز حتى آخذ الحق له ، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه )
( 3 )
.
ويقول في كتابه لمالك الأشتر عندما عينه واليا " على مصر : ( إنصف الله وانصف
الناس في نفسك ، ومن خاصة أهلك ، ومن لك فيه هوى من
| |
( 1 ) الأديب ، دور أئمة البيت في الحياة
السياسة ، ص 86 .
( 2 ) نهج البلاغة ، ج 1 ، ص 59 .
( 3 ) نهج البلاغة ، ج 1 ص 217 . ( * )
|
|
|
رعيتك ، فإنك إلا تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد الله كان
الله خصمه دون عباده . . . وليكن أحب الأمور أوسطها في الحق وأعمها في العدل )
( 1 )
.
وبشأن سياسته عليه السلام في توزيع المال يقول :
( وإني حاملكم على منهج نبيكم ومنفذ فيكم ما أمره ، ألا وإن كل قطيعة أقطعها
عثمان ، وكل مال أعطاه من مال الله فهو مردود في بيت المال ، فإن الحق لا يبطله
شئ )
( 2 )
.
وبهذه الإجراءات فقد صادر الإمام عليه السلام
جميع ما وهبه عثمان من الأموال العظيمة لطبقة الإرستقراطيين ، وألغى كذلك كل
أشكال التمييز في توزيع المال على الناس مؤكدا " أن
التقوى والسابقية في الإسلام ، وهي الأسس التي كان يعتمدها الخليفة عمر في
توزيع العطاء أمور لا تمنح أصحابها امتيازات في الدنيا ، فالله يتولى جزاءه ،
أما في هذه الدنيا فالناس سواسية في الواجبات والحقوق
( 3 )
ويقول الإمام عليه السلام في ذلك : ( وأيما رجل
من المهاجرين والأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرى أن
الفضل له على سواه لصحبته ، فإن الفضل النير غدا " عند الله ، وثوابه وأجره على
الله )
( 4 )
.
وعلى الصعيد الإداري والسياسي ، فقد قام الإمام
عليه السلام بعزل الولاة الذين عهد إليهم عثمان ولاية الأقاليم الإسلامية .
وبين أسباب عزلهم بقوله : ( ولكني آسى أن يلي أمر هذه
الأمة سفهاؤها وفجارها ، فيتخذوا مال الله دولا " ، وعباده خولا " ، والصالحين
حربا " ، والفاسقين حزبا " ، فإن فيهم من شرب فيكم الحرام ، وجلد حدا " في
الإسلام ، وإن منهم من لم يسلم حتى رضخت له على الإسلام الرضائخ )
( 5 )
.
وكما يوضح الشهيد الصدر : ( فإن الإمام
| |
( 1 ) المصدر السابق ، ص 438 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 59 .
( 3 ) الأديب ، دور أئمة أهل البيت في الحياة
السياسة ، ص 89 - 90 .
( 4 ) شرح نهج البلاغة لمحمد عبده ، ج 1
ص 269 .
( 5 ) نهج البلاغة ج 1 ص 59 . ( * )
|
|
|
عليا " عليه السلام لو كان قد أمضى هذه
الأجهزة الفاسدة التي خلفها عثمان من قبله ، فليس من المعقول بمقتضى طبيعة
الأشياء أن يستطيع أن يمارس عملية التغيير الحقيقي في هذه التجربة التي يتزعمها
)
( 1 )
.
وأمام هذا الواقع الجديد الذي أراد الإمام عليه
السلام إجراءه ، فإنه ولدوافع متعددة لم يرق لبعض الناس هذه التغييرات ، ولا
رؤية الإمام علي في سدة الحكم ، فقاموا ضده وأثاروا الفتن
وسيروا الجيوش معلنين العصيان والتمرد وحتى أولئك الذين وقفوا موقف الحياد كان
لهم دورا كبير في تفاقم الأوضاع وسلبيتها حيث يصف العلامة المودودي موقفهم
بقوله : ( إن وقوف
بعض أكابر الصحابة موقف الحياد في بيعة علي ( رضي الله عنه ) قد ساعد على تفاقم
الفتنة التي أرادوا درأها ( ومن هؤلاء الصحابة : عبد الله بن عمر ، وسعد بن أبي
وقاص ، ومحمد
بن سلمة الأنصاري ، وغيرهم ) ممن كان له نفوذا كبير ، فبعث حيادهم وانعزالهم
الشك والارتياب في قلوب الناس ، في حين كان على الأمة أن تتعاون مع سيدنا علي
لإعادة أمن وسلام نظام الخلافة الراشدة )
( 2 )
.
وسترى فيما يلي تفصيلا " لحوادث العصيان والتمرد التي سيرت ضد خليفة رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم وإمام المسلمين .
| |
( 1 ) تقديم كتاب (
تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة )
للدكتور عبد الله فياض .
( 2 ) المودودي : الخلافة والملك ، م . س . ( * )
|
|
|
|