- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 108 :

خروج عائشة وموقعة الجمل


عندما علمت عائشة بمقتل عثمان ومبايعة الناس للإمام علي عليه السلام ، قالت لعبد الله بن أم كلاب ( والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك ، ردوني ردوني، فانصرف

إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوما " ، والله لأطلبن بدمه ، فقال لها ابن أم كلاب : ولم ؟ فوالله إن فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت ! ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلا " فقد كفر ، قالت : إنهم
 

- ص 109 -

استتابوه ثم قتلوه ، وقد قلت وقالوا ، وقولي الأخير خير من قولي الأول ، فقال لها ابن أم كلاب :

فمنك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر
وأنت أمرت بقتل الإمام * وقلت لنا إنه قد كفر
فهبنا أطعاناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر
. . . إلخ

فانصرف إلى مكة ، فنزلت على باب المسجد ، فقصدت للحجر ، فسيرت واجتمع إليها الناس ، فقالت : يا أيها الناس ، إن عثمان قتل مظلوما " ، ووالله لأطلبن بدمه ( 1 ) .


وقد وقف إلى جانب عائشة كل من طلحة والزبير ، وكان الإمام قد استرد منهما ولايتي اليمن والبحرين ، ورفض إعطاءهما ولايتي البصرة والكوفة كما رغبا ، فنكثا عهديهما مع الإمام

وادعا أنهما كانا قد أكرها على مبايعته ، وذهبا إلى مكة يحثان أم المؤمنين عائشة على محاربته بحجة المطالبة بدم عثمان والاقتصاص من قاتليه الذين زعم أنهم قد اندسوا في جيش

الإمام علي عليه السلام وما شجع أم المؤمنين على الاستجابة لحثهما هو علمها بخبر رفض معاوية وأهل الشام مبايعة علي ، وكذلك وصول عبد الله بن عامر الذي كان آخر وال لعثمان

على البصرة ، ودعوته لها بالتوجه إلى البصرة ووعده إياها هناك بالمساندة بالمال والرجال . فأمرت عائشة بعمل هودج لها من حديد، وخرجت متوجهة إلى البصرة ومعها الزبير، وطلحة

، وعبد الله بن الزبير ، ومحمد بن طلحة ، وأتباعهم من بني أمية وعلى رأسهم مروان بن الحكم والذي كان هاربا " من المدينة بعد أن علم أن الإمام عليا " عليه السلام يطلبه ( 2 ) .


وحاولت عائشة أن تقنع أمهات المؤمنين بمرافقتها إلى البصرة ، ولم يوافقها إلى ذلك سوى حفصة إلا أن أخاها
 

 

( 1 ) تاريخ الطبري ، دار المعارف ، ط 5 ، القاهرة ، ج 4 ص 459 .
( 2 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة ، ج 1 ص 70 - 72 . ( * )

 

 

- ص 110 -

عبد الله بن عمر المحايد منعها من الذهاب .

وأما أم سلمة فقد نصحت عائشة بعدم الخروج .


ويذكر ابن قتيبة أنه عند وصول موكب أم المؤمنين إلى البصرة ، اصطف لهم الناس بالطريق وهم يتساءلون : ما الذي أخرج أم المؤمنين من بيتها ؟ فقامت عائشة وقالت في خطبة لها :

( أيها الناس ، والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحل دمه ، ولقد قتل مظلوما " . غضبنا لكم من السوط والعصا ( تقصد سوط عثمان وغلمانه ) ولا نغضب لعثمان من القتل ؟ وإن من

الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان فيقتلوا به ، ثم يرد هذا الأمر شورى على ما جعله عمر بن الخطاب ) . فمن قائل يقول : صدقت ، وآخر يقول : كذبت ( 1 ) .


وعندما بدأت تظهر ملامح الاقتتال ، تعاهد والي الإمام على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري مع أم المؤمنين وجيشها على صلح مؤقت لغاية قدوم علي عليه السلام . وقد تعاهدا

على أن يحتفظ عثمان بدار الإمارة ومسجدها وبيت المال ، وأن ينزل القادمون من مكة حيث شاؤوا عدا هذه الأماكن . ولم تمض أيام قليلة على هذه المعاهدة حتى أتى طلحة ، والزبير ،

ومروان بن الحكم بجماعة منهم دار الإمارة في منتصف الليل ، وقتلوا أربعين من الحرس ، ثم أسروا عثمان وقتلوا معاونيه ، وحتى أن مروان قام بتعذيب عثمان ونتف لحيته ورأسه وحاجبيه ( 2 ) .


وكان هذا التصرف إيذانا " بإعلانهم الحرب وقد عبأوا جيشهم انتظارا " لوصول الإمام علي عليه السلام .


ولكن الإمام في ذلك الحين كان يعد العدة للتوجه إلى الشام وقمع تمرد معاوية الذي أعلن نفسه خليف هناك . ثم اضطر إلى العدول عن هذا المخطط لدى علمه بما حصل لواليه على البصرة ، وقرر التوجه إلى العراق بجيش لردع المعتدين هناك . وكان من بين أفراد جيشه
 

 

( 1 ) المصدر السابق ، ص 87 - 88 .                        ( 2 ) المصدر السابق ، ص 88 - 89 . ( * )

 

 

- ص 111 -

خيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كعمار بن ياسر ، وعبد الله بن عباس ومحمد بن أبي بكر ، وأخيه عبد الرحمن وغيرهم .


وقد حاول الإمام عليه السلام لدى وصوله البصرة إقناع المتمردين بالعدول عن مخططهم ، فبدأ بالزبير بن العوام حيث خرج إليه علي حاسرا " على بغلة رسول الله لا سلاح معه ،

فنادى : يا زبير أخرج إلي ، فخرج إليه الزبير شاكا " في سلاحه ، فقيل ذلك لعائشة ، فقالت : واثكلك يا أسماء ( وهي أختها وزوج الزبير ) ، فقيل لها : إن عليا " حاسر ، فاطمأنت ،

واعتنق كل واحد منهما صاحبه . فقال علي : ويحك يا زبير ، ما الذي أخرجك ، قال : دم عثمان ، قال علي : قتل الله أولانا بدم عثمان ، أتذكر يوم لقيت رسول الله صلى الله عليه وآله

وسلم . . . فضحك إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وضحكت إليه ، وأنت معه ، فقلت أنت : يا رسول الله ما يدع علي زهوه ، فقال لك : ليس به زهو ، أتحبه يا زبير ؟

فقلت : إني والله لأحبه ، فقال لك : إنك والله ستقاتله وأنت ظالم له ، فقال الزبير : أستغفر الله ، والله لو ذكرتها ما خرجت ، فقال له : يا زبير ، إرجع . فقال الزبير : كيف أرجع الآن وقد

التفت حلقتا البطان ؟ هذا والله العار الذي لا يغسل ، فقال : يا زبير إرجع بالعار قبل أن تجمع العار والنار ، فرجع الزبير وهو يقول :

اخترت عارا " على نار مؤججة * ما إن يقوم لها خلق من الطين
نادى علي بأمر لست أجهله * عار لعمرك في الدنيا وفي الدين
( 1 )


وأثناء انسحابه مبتعدا " عن ساحة القتال ، لحق به عمرو بن جرموز ، وهو من أنصار أم المؤمنين وقتله ( 2 ) .


وبعد تراجع الزبير ، نادى علي طلحة ، وقال له : يا أبا محمد ، ما الذي أخرجك ؟ فقال : الطلب بدم عثمان ، قال علي : قتل الله أولانا بدم عثمان ، يا
 

 

( 1 ) مروج الذهب ، ج 2 ص 400 - 402 .
( 2 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة ، ج 2 ص 95 . ( * )

 

 

- ص 112 -

طلحة أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ( اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ) ، وأنت أول من بايعني ، ثم نكثت ، وقد قال الله عز وجل : ( فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) [ الفتح / 10 ] ، فقال طلحة : أستغفر الله ثم رجع .


وعندما رأى مروان بن الحكم ذلك وهو حليفه ، قال : رجع الزبير ويرجع طلحة ، ما أبالي رميت ههنا أم ههنا ، فرماه في أكحله بسهم فقتله ، وقال طلحة وهو يجود بنفسه :

ندمت ما ندمت وضل حلمي * ولهفي ثم لهف أبي وأمي
ندمت ندامة الكسعي لما * طلبت رضى بني جرم بزعمي


وقد التحم الجيشان بعد فشل مساعي الإمام في موقعة ساخنة ، كان النصر فيها حليف علي ، وقتل فيها ثلاثة عشر ألفا " من الطرفين ، وأسرت عائشة ، فجهز لها الإمام موكبا " يؤمن رجوعها سالمة إلى المدينة .


وأسر كذلك مروان بن الحكم وبعض رؤوس بني أمية ، وعفا عنهم الإمام بعد أن طلبوا الصفح منه وبايعوه . وقد تمكن عبد الله بن الزبير من الهرب عندما لاحت تباشير النصر لجيش

الإمام ، وأما محمد بن طلحة فقد قتل أثناء المعركة ، وكانا من أشد المحرضين على قتال الإمام حتى اللحظات الأخيرة .


وقد عرفت هذه الحادثة بموقعة الجمل ، لاتخاذ عائشة جملا " قويا " جعلت عليه هودجها الفاخر ، والذي أصبح بمثابة العلم الذي يتقدم الجيوش المحتشدة حوله ، وكان صمود هذا

الجمل والهودج الذي عليه رمزا " لصمود الجيش بكامله طوال المعركة . وقد كان انتهاء المعركة عندما ضرب الجمل ، وأسر الهودج .


وبعد انقضاء هذه المعركة ، وما ولدته من مقتضيات وظروف جديدة ، فقد قرر الإمام نقل عاصمة الخلافة الإسلامية من المدينة إلى الكوفة . ومن الأسباب التي شجعته لذلك أيضا "

هو موقع الكوفة الجغرافي المتوسط بين البقاع الإسلامية ، وقربها من الشام والبصرة ، وهما عاصمتا التمرد ، بالإضافة إلى طاقتها البشرية المعتبرة ، وقدراتها الاقتصادية وغير ذلك من الاعتبارات ( الاستراتيجية ) .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب