- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 122 :

الفصل الخامس خلافة الحسن


عهد الإمام علي عليه السلام قبل استشهاده بالخلافة لابنه الحسن عليه السلام ، وبايعه الناس على ذلك .

وعند وصول خبر استشهاد الإمام إلى الشام ، تحرك معاوية بجيش كبير قوامه 60 ستون ألفا " نحو العراق ليضمه إلى ملكه ، ويجبر الإمام الحسن عليه السلام على الاستسلام .


ونظرا " لانهيار معنويات جيش الإمام والاضطرابات التي سادت البصرة والكوفة ، بالإضافة إلى تهيؤ الرومان بجيش عظيم لحرب المسلمين ، الأمر الذي سيجعل من الحرب مع معاوية

بنظر الإمام الحسن عليه السلام كارثة على الإسلام والمسلمين ، فإنه لم يجد حلا " سوى المصالحة والمسالمة وحقن الدماء . وقد دامت خلافة الحسن عليه السلام لستة شهور فقط .


وكانت أهم بنود الصلح تسليم الخلافة على بلاد المسلمين كلها إلى معاوية على أن يعمل بالكتاب والسنة النبوية ، وأن يكون الأمر بعده إلى الحسن عليه السلام ، وإن توفي قبل ذلك

يكون الأمر للحسين عليه السلام . ويتعهد معاوية كذلك بوقف الشتائم ضد الإمام علي عليه السلام على المنابر وغيرها ، وعدم التعرض للموالين لأهل البيت عليه السلام بالملاحقة والأذى ، وأن يبقى ما في بيت مال الكوفة تحت تصرف الحسن عليه السلام .


وبعد توقيع معاهدة الصلح ، اجتمع الفريقان في مسجد الكوفة ، فسبق معاوية إلى المنبر وخطب : ( أما بعد ، فإنه لم تختلف أمة بعد نبيها ، إلا غلب باطلها حقها ، إلا ما كان من هذه الأمة ، فإن حقها غلب باطلها ( ! ) .

ثم ذكر

- ص 123 -

عليا " عليه السلام ونال منه ، ونال كذلك من الحسن عليه السلام إلى قوله : ألا وإن كل شئ ( عهد ) أعطيته الحسن تحت قدمي هاتين لا أفي به ) ( 1 ) .


فقام الإمام الحسن عليه السلام وخطب خطبة مطولة رد فيها على معاوية بقوله : ( أيها الناس إن الله هداكم بأولنا ، وحقن دماءكم بآخرنا ، وإن لهذا الأمر مدة ، والدنيا دول . . . وإن

معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلا " ، ولم أر نفسي لها أهلا " ، فكذب معاوية . نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله ( عز وجل ) وعلى لسان نبيه ، ولم نزل - أهل البيت -

مظلومين منذ قبض الله نبيه ، فالله بيننا وبين من ظلمنا ، وتوثب على رقابنا ، وحمل الناس علينا ، ومنعنا سهمنا من الفئ ، ومنع أمنا ما جعل لها رسول الله ، وأقسم بالله لو أن الناس

بايعوا أبي ، حين فارقهم رسول لأعطتهم السماء قطرها ، والأرض بركتها ، ولما طمعت فيها يا معاوية . . . فلما خرجت ( الخلافة ) من معدنها ، تنازعتها قريش بينها ، فطمع فيها

الطلقاء وأبناء الطلقاء ، أنت وأصحابك . وقد قال رسول الله : ما ولت أمة أمرها رجلا " وفيهم من هو أعلم منه ، إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا " حتى يرجعوا إلى ما تركوا ( يقصد

الجاهلية ) . ثم دار بوجهه إلى معاوية قائلا " : أيها الذاكر عليا " ، أنا الحسن وأبي علي ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأمي فاطمة وأمك هند، وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة

، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة . فلعن الله أخملنا ذكرا " وألأمنا حسبا " وشرنا قديما " وحديثا " وأقدمنا كفرا " ونفاقا " ) ( 2 ) .


ولم يمكث الإمام الحسن عليه السلام في الكوفة بعد الصلح سوى أيام معدودات ، حيث اتجه إلى المدينة واستقر فيها .


ويروي المؤرخون أن الله ( سبحانه وتعالى ) صب على الكوفة بعد خروج آل محمد منها الطاعون الجارف عقوبة عاجلة لها بسبب موقف أهلها المتخاذل من هؤلاء البررة
 

 

( 1 ) تاريخ ابن كثير ج 8 ص 131 ، مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص 70 .
( 2 ) راضي آل ياسين ، صلح الحسن ، ص 287 . ( * )

 

 

- ص 124 -

الميامين ، وقد أخذ هذا المرض أرواح آلاف الناس حتى أن والي معاوية على الكوفة المغيرة بن شعبة خرج منها فرارا " من المرض ، وعندما ظن أن هذا الوباء قد ذهب رجع إلى الكوفة فأصيب بالمرض ومات فيه ( 1 ) .


واستشهد الإمام الحسن عليه السلام في سنة 49 ه‍ بعد أن دست له زوجته جعدة بنت المنافق المعروف الأشعث بن قيس السم بتحريض من معاوية ، وقد وعدها بمئة ألف دينار وبالتزويج

من ابنه يزيد . فأوفاها بما وعدها من مال ، وأبى عليها التزويج من ابنه قائلا " لها : ( أخشى أن تفعلي به كما فعلت بابن رسول الله ) ( 2 ) .


وكان ذلك في منتصف خلافة معاوية ، وهو الوقت الذي بدأ فيه يخطط بتوريث الخلافة إلى ابنه يزيد .

ويروي ابن قتيبة أن معاوية لما أتاه خبر وفاة الحسن عليه السلام أظهر فرحا " وسرورا " ، حتى سجد وسجد من كان معه ( 3 ) .

 

 

( 1 ) مروج الذهب للمسعودي ، ج 2 ص 290 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 50 .
( 3 ) ابن قتيبة الدينوري ، الإمامة والسياسة ، ج 1 ص 196 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب