تعريف عام بالخلافة والإمامة
1 - الخلافة
الخلافة لغة هي ما يجئ من بعد ، كأن يقال : هو خلف صدق
من أبيه . وتأتي بمعنى النيابة عن الغير كما في الآية الكريمة :
( اخلفني في قومي ) [ الأعراف / 142 ] .
وأما الخلافة اصطلاحا " فقد
ذكرت في القرآن لتعبر عن مفهوم في غاية السمو والرفعة وهو اصطفاء الله سبحانه
وتعالى من ينوب عنه ، ويقوم مقامه في تحمل مسؤولية إعمار الأرض
وتسخير مقدراتها وخيراتها ، بل وكل ذرات الكون من أجل
السير بالبشرية نحو سعادتها الحقيقية . والخلافة بهذا المعنى على ثلاث درجات :
الدرجة الأولى : استخلاف
النوع الإنساني لتميزه عن باقي المخلوقات وعناصر الكون الأخرى من ملائكة ، وجن
، وحيوانات ، ونباتات ، وجمادات ، كما في قوله تعالى : (
ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على
كثير ممن خلقنا تفضيلا " ) [ الإسراء / 70 ] .
( إنا عرضنا الأمانة على السماوات
والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما "
جهولا " ) [ الأحزاب / 72 ] .
( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن
كفر فعليه كفره ) [ فاطر / 39 ] .
( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم
فيها معايش قليلا " ما تشكرون ) [ الأعراف / 10 ] .
( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل
في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك
ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم
الأسماء كلها . . . ) [ البقرة / 30 ] .
والاستخلاف في الآية الأخيرة ، وكما هو في الآيات التي
قبلها ليس لشخص آدم عليه السلام ، وإنما للنوع الإنساني ( بني آدم ) ، لأن آدم
عليه السلام لم يكن مفسدا " في الأرض ، ولا
سفاكا " للدماء ، وكان ذكره في الآية الأخيرة بوصفه
الإنسان الأول على هذه الأرض ، والذي جعل على عاتقه مسؤولية خلافة الله في
الأرض .
الدرجة الثانية : استخلاف قوم
أو جماعة بشرية معينة من بين الأقوام أو الجماعات البشرية الأخرى ، ولأن
الاستخلاف أمانة إلهية ، فإن القوم المستخلفين في حالة مخالفتهم لمقتضيات
حمل هذه الأمانة ، سيتلقون العقاب الإلهي ، وتتحول
الخلافة عنهم إلى قوم آخرين كما في قوله تعالى : ( إن
يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) [ الأنعام / 133 ] .
( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من
بعدهم لننظر كيف تعملون ) [ يونس / 14 ] .
( وإن تتولوا يستبدل قوما " غيركم
ثم لا يكونوا أمثالكم ) [ محمد / 38 ] .
ومن أمثلة هذا الاستبدال قوله تعالى بشأن قوم نوح :
( فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا
الذين كذبوا بآياتنا ) [ يونس / 73 ] ،
وقوله تعالى بشأن قوم عاد : (
واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) [ الأعراف / 69 ]
وبشأن قوم ثمود : ( واذكروا إذ
جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) [ الأعراف / 69 ] ،
وبشأن بني إسرائيل : ( يا بني
إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ) [
البقرة / 122 ] ،
وبشأن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم :
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا " لتكونوا شهداء على الناس )
[ البقرة / 144 ] ،
وبشأن الباقين الثابتين على الدين الحق :
( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم
في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) [ النور / 55 ] .
الدرجة الثالثة : استخلاف
قائد رباني لتميزه عن بقية أبناء قومه تكون خلافة الله متوجة فيه ، ومصونة به
من خطر الإفساد في الأرض ، وسفك الدماء كما في قوله تعالى :
( يا داود إنا
جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين
الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) [ ص / 26 ] .
( ليكون الرسول شهيدا " عليكم ) [ الحج / 78 ] .
ولأن القوم المستخلفين هم ليسوا المالك الحقيقي لما
استأمنوا عليه ، وأنما هم خلفاء المالك الأصلي ، وهو الله ( جل وعلا ) ، فهم
ليسوا مطلقي الحرية والتصرف كما شاؤوا بالإمكانات
والسلطات الممنوحة إليهم ، ودون قائد رباني ، فإنهم
سينحرفون تماما " عن الخط الإلهي المرسوم ، لما تزخر به النفس الإنسانية من
نزوات ، وأطماع ، وحب التسلط .
وهذه الدرجات الثلاث تمثل
بمجموعها مفهوم الإسلام الأساس عن الخلافة، وهو يتلخص بإنابة النوع الإنساني في
إعمار الأرض وإصلاحها ولكن بتميز أمة أو قوم يختارون ( مع إمكانية
استبدالهم ) للدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر ، على رأسهم قائد رباني يحكم الناس بالشريعة الإلهية .
وقد اشتهر إطلاق تسمية ( الخلافة )
عند المسلمين وصفا " للحكومات التي خلفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صالحها
وفاسدها .
2 - الإمامة :
الإمامة لغة هي الانقياد خلف إنسان ، والاقتداء بقوله
وفعله ، وقد وردت كلمة ( إمام ) في القرآن الكريم لتعبر عن عدة معان ، منها :
المعنى الأول : اللوح
المحفوظ ، كما في قوله تعالى : ( وكل شئ أحصيناه في إمام
مبين ) [ يس / 12 ] .
المعنى الثاني : الكتاب
السماوي ، كما في قوله تعالى : ( ويتلوه شاهد منه ومن
قبله كتاب موسى إماما ورحمة ) [ هود / 17 ] .
المعنى الثالث : الطريق
الواضح ، كما في قوله تعالى بشأن قومي لوط وشعيب : ( وإن
كان أصحاب الأيكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما
لبإمام مبين ) [ الحجر / 78 - 79 ] .
المعنى الرابع : قادة الهداية
، كما في قوله تعالى بشأن إسحاق ويعقوب عليه السلام (
وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات ) [ الأنبياء /
73 ] .
المعنى الخامس : قادة الضلال
، كما في قوله تعالى بشأن فرعون ومن معه : ( وجعلناهم
أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) [ القصص / 41 ] ،
وقوله تعالى : ( فقاتلوا أئمة
الكفر ) [ التوبة / 12 ] ،
وفي قوله تعالى : يوم ندعو كل
أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا
* ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا "
) [ الإسراء /
71 - 72 ] ، دلالة على أن لكل قوم إماما " يدعون به يوم
القيامة ، وهو إما أن يكون إمام هداية ، أو إمام ضلال .
ولا يمكن أن يكون معنى ( بإمامهم ) في هذه الآية هو ( كتبهم
) كما يفسر بعض ، المفسرين ، لأن أول كتاب سماوي نزل متضمنا " لشريعة إلهية هو
كتاب نوح ، وهذا سيعني خروج
جميع الأقوام التي كانت قبل مجئ النبي نوح عليه السلام
من مقصود هذه الآية ، وهذا غير ممكن لأن جميع الأقوام ستدعى للحساب يوم القيامة
.
وعلى ذلك ، فإنه وعلى ضوء هذه الاستخدامات المتعددة لكلمة (
إمام ) في القرآن الكريم ، يمكن استخلاص وتوجيه المفهوم الإلهي للإمامة وصفا "
للقادة الربانيين الذين اصطفاهم الله
سبحانه وتعالى ليكونوا هداة الناس إلى شريعته على ضوء
الكتب والرسالات التي أنزلها على أنبيائه ورسله ، فالكتاب في واقع الحال لا
يمكن أن يكون مرشدا " للناس من بدون إنسان متخصص بحمله ، عارفا " بأمره .
وما يؤكد هذا المعنى ، وصف الإمامة في آيات أخرى ب (
عهد الله ) الذي لا يناله سوى المتقين، واستحالته على الظالمين كما في قوله
تعالى : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني
جاعلك للناس إماما" قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) [ البقرة
/ 124 ]
وبذلك تكون الإمامة بمعناها القرآني الخاص وصفا " لأعلى
درجات الخلافة .
وقد اشتهر بين المسلمين إطلاق لقب الإمام وصفا "
لحاكم الدولة الإسلامية ، وبصورة أوسع للفقهاء وأصحاب المذاهب ، ولمن يأتم
الناس به في صلاة الجماعة ، وحتى أنه يطلق أحيانا " في هذا الزمان على رؤساء
بعض الحركات والجماعات الإسلامية .
وإجمالا " : فقد استخدمنا في
هذا البحث مصطلحي الخلافة والإمامة مترادفين دائما " ، للتعبير عن مفهوم واحد ،
وهو قيادة الأمة الإسلامية وإدارة شؤونها العامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه
وآله وسلم .
وما دفعنا إلى استخدام هذا الترادف هو غلبة استخدام مصطلح
الخلافة عند أهل السنة ، ومصطلح الإمامة عند الشيعة على نحو من التخصيص ،
وكأنهما مفهومان مختلفين ، وما هما كذلك .