أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 21 :

تعريف عام بالخلافة والإمامة


 1 - الخلافة

الخلافة لغة هي ما يجئ من بعد ، كأن يقال : هو خلف صدق من أبيه . وتأتي بمعنى النيابة عن الغير كما في الآية الكريمة : ( اخلفني في قومي ) [ الأعراف / 142 ] .


وأما الخلافة اصطلاحا " فقد ذكرت في القرآن لتعبر عن مفهوم في غاية السمو والرفعة وهو اصطفاء الله سبحانه وتعالى من ينوب عنه ، ويقوم مقامه في تحمل مسؤولية إعمار الأرض

وتسخير مقدراتها وخيراتها ، بل وكل ذرات الكون من أجل السير بالبشرية نحو سعادتها الحقيقية . والخلافة بهذا المعنى على ثلاث درجات :

الدرجة الأولى : استخلاف النوع الإنساني لتميزه عن باقي المخلوقات وعناصر الكون الأخرى من ملائكة ، وجن ، وحيوانات ، ونباتات ، وجمادات ، كما في قوله تعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " ) [ الإسراء / 70 ] .


( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما " جهولا " ) [ الأحزاب / 72 ] .


( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ) [ فاطر / 39 ] .


( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا " ما تشكرون ) [ الأعراف / 10 ] .

- ص 22 -

( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون * وعلم آدم الأسماء كلها . . . ) [ البقرة / 30 ] .


والاستخلاف في الآية الأخيرة ، وكما هو في الآيات التي قبلها ليس لشخص آدم عليه السلام ، وإنما للنوع الإنساني ( بني آدم ) ، لأن آدم عليه السلام لم يكن مفسدا " في الأرض ، ولا

سفاكا " للدماء ، وكان ذكره في الآية الأخيرة بوصفه الإنسان الأول على هذه الأرض ، والذي جعل على عاتقه مسؤولية خلافة الله في الأرض .


الدرجة الثانية : استخلاف قوم أو جماعة بشرية معينة من بين الأقوام أو الجماعات البشرية الأخرى ، ولأن الاستخلاف أمانة إلهية ، فإن القوم المستخلفين في حالة مخالفتهم لمقتضيات

حمل هذه الأمانة ، سيتلقون العقاب الإلهي ، وتتحول الخلافة عنهم إلى قوم آخرين كما في قوله تعالى : ( إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ) [ الأنعام / 133 ] .

( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) [ يونس / 14 ] .

( وإن تتولوا يستبدل قوما " غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) [ محمد / 38 ] .

ومن أمثلة هذا الاستبدال قوله تعالى بشأن قوم نوح : ( فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا ) [ يونس / 73 ] ،

وقوله تعالى بشأن قوم عاد : ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) [ الأعراف / 69 ]

وبشأن قوم ثمود : ( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ) [ الأعراف / 69 ] ،

وبشأن بني إسرائيل : ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين ) [ البقرة / 122 ] ،

وبشأن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا " لتكونوا شهداء على الناس ) [ البقرة / 144 ] ،

وبشأن الباقين الثابتين على الدين الحق : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) [ النور / 55 ] .
 

- ص 23 -

الدرجة الثالثة : استخلاف قائد رباني لتميزه عن بقية أبناء قومه تكون خلافة الله متوجة فيه ، ومصونة به من خطر الإفساد في الأرض ، وسفك الدماء كما في قوله تعالى : ( يا داود إنا

جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) [ ص / 26 ] . ( ليكون الرسول شهيدا " عليكم ) [ الحج / 78 ] .


ولأن القوم المستخلفين هم ليسوا المالك الحقيقي لما استأمنوا عليه ، وأنما هم خلفاء المالك الأصلي ، وهو الله ( جل وعلا ) ، فهم ليسوا مطلقي الحرية والتصرف كما شاؤوا بالإمكانات

والسلطات الممنوحة إليهم ، ودون قائد رباني ، فإنهم سينحرفون تماما " عن الخط الإلهي المرسوم ، لما تزخر به النفس الإنسانية من نزوات ، وأطماع ، وحب التسلط .


وهذه الدرجات الثلاث تمثل بمجموعها مفهوم الإسلام الأساس عن الخلافة، وهو يتلخص بإنابة النوع الإنساني في إعمار الأرض وإصلاحها ولكن بتميز أمة أو قوم يختارون ( مع إمكانية

استبدالهم ) للدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، على رأسهم قائد رباني يحكم الناس بالشريعة الإلهية .


وقد اشتهر إطلاق تسمية ( الخلافة ) عند المسلمين وصفا " للحكومات التي خلفت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صالحها وفاسدها .


 2 - الإمامة :

الإمامة لغة هي الانقياد خلف إنسان ، والاقتداء بقوله وفعله ، وقد وردت كلمة ( إمام ) في القرآن الكريم لتعبر عن عدة معان ، منها :

المعنى الأول : اللوح المحفوظ ، كما في قوله تعالى : ( وكل شئ أحصيناه في إمام مبين ) [ يس / 12 ] .

المعنى الثاني : الكتاب السماوي ، كما في قوله تعالى : ( ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة ) [ هود / 17 ] .
 

- ص 24 -

المعنى الثالث : الطريق الواضح ، كما في قوله تعالى بشأن قومي لوط وشعيب : ( وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين ) [ الحجر / 78 - 79 ] .


المعنى الرابع : قادة الهداية ، كما في قوله تعالى بشأن إسحاق ويعقوب عليه السلام ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات ) [ الأنبياء / 73 ] .


المعنى الخامس : قادة الضلال ، كما في قوله تعالى بشأن فرعون ومن معه : ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون ) [ القصص / 41 ] ،

وقوله تعالى : ( فقاتلوا أئمة الكفر ) [ التوبة / 12 ] ،

وفي قوله تعالى : يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا " ) [ الإسراء /

71 - 72 ] ، دلالة على أن لكل قوم إماما " يدعون به يوم القيامة ، وهو إما أن يكون إمام هداية ، أو إمام ضلال .


ولا يمكن أن يكون معنى ( بإمامهم ) في هذه الآية هو ( كتبهم ) كما يفسر بعض ، المفسرين ، لأن أول كتاب سماوي نزل متضمنا " لشريعة إلهية هو كتاب نوح ، وهذا سيعني خروج

جميع الأقوام التي كانت قبل مجئ النبي نوح عليه السلام من مقصود هذه الآية ، وهذا غير ممكن لأن جميع الأقوام ستدعى للحساب يوم القيامة .


وعلى ذلك ، فإنه وعلى ضوء هذه الاستخدامات المتعددة لكلمة ( إمام ) في القرآن الكريم ، يمكن استخلاص وتوجيه المفهوم الإلهي للإمامة وصفا " للقادة الربانيين الذين اصطفاهم الله

سبحانه وتعالى ليكونوا هداة الناس إلى شريعته على ضوء الكتب والرسالات التي أنزلها على أنبيائه ورسله ، فالكتاب في واقع الحال لا يمكن أن يكون مرشدا " للناس من بدون إنسان متخصص بحمله ، عارفا " بأمره .
 

- ص 25 -

وما يؤكد هذا المعنى ، وصف الإمامة في آيات أخرى ب‍ ( عهد الله ) الذي لا يناله سوى المتقين، واستحالته على الظالمين كما في قوله تعالى : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما" قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) [ البقرة / 124 ]

وبذلك تكون الإمامة بمعناها القرآني الخاص وصفا " لأعلى درجات الخلافة .


وقد اشتهر بين المسلمين إطلاق لقب الإمام وصفا " لحاكم الدولة الإسلامية ، وبصورة أوسع للفقهاء وأصحاب المذاهب ، ولمن يأتم الناس به في صلاة الجماعة ، وحتى أنه يطلق أحيانا " في هذا الزمان على رؤساء بعض الحركات والجماعات الإسلامية .


وإجمالا " : فقد استخدمنا في هذا البحث مصطلحي الخلافة والإمامة مترادفين دائما " ، للتعبير عن مفهوم واحد ، وهو قيادة الأمة الإسلامية وإدارة شؤونها العامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم .


وما دفعنا إلى استخدام هذا الترادف هو غلبة استخدام مصطلح الخلافة عند أهل السنة ، ومصطلح الإمامة عند الشيعة على نحو من التخصيص ، وكأنهما مفهومان مختلفين ، وما هما كذلك .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب