بالبخاري وسلم أكثر من التمسك بأي شخص كان .
فهذان الشيخان جعلا باجتهاد
هما فقط من مرويات أبي هريرة أو غيره من الصحابة والتابعين ممن نقلوا الروايات
جيلا بعد جيل تسمع وتعتمد عند أهل السنة على مر العصفور ،
وهما أيضا باجتهادهما فقط جعلا من مرويات علي أو غيره من
أئمة أهل البيت عليه السلام الذين تحدثوا بالسنة ونقلوا الرواية جيلا " بعد جيل
تغفل وتصبح بلا قيمة عند أهل السنة على مر العصفور ! .
وإذا علمنا أن أهل السنة
اعتمدوا صحة كل اجتهادات الخليفة عمر العديدة ، والتي خالف في بعضها النبي صلى
الله عليه وآله وسلم صراحة كما بينا من ذلك أمثلة ، بل ومنعه تدوين
السنة النبوية فإن التمسك ( بكتاب الله وسنتي ) يعني :
التمسك بعمر أكثر من صاحب السنة نفسها ! ، وسترى في هذه المسألة تفصيلا " في
القسم الأخير من هذا الكتاب .
وإذا علمنا أيضا " أن الدور
الخطير الذي لعبه معاوية في حرف مسار الخلافة بصورة مأساوية ، والتأثير على أبي
هريرة وغيره من الرواة كما سترى لاحقا " ، قد لاقى قبول
غالبية أهل السنة وموافقتهم ، واعتبروه خليفة شرعيا "
لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن التمسك بكتاب الله وسنتي يعني التمسك
بمعاوية أكثر من التمسك بخصمه علي أو حتى عمر وأبي بكر الذين خالفهم جميعا "
بمنهجه القبلي والجاهلي في الخلافة والحكم .
وإذا علمنا أخيرا " ، أن
تفسير آيات الكتاب قد اعتمد أغلبها على الأحاديث المروية فإن التمسك ( بكتاب
الله وسنتي ) بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني بصورة عملية
وواقع الحال التمسك بتركيبة من أشخاص أبرزهم : عمر -
عائشة - معاوية - أبو هريرة - البخاري . بينما التمسك ( بكتاب الله وعترتي أهل
بيتي ) بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله
وسلم يعني بواقع الحال التمسك بتركيبة من أشخاص هم : علي
- فاطمة - الحسن والحسين . . . إلى آخر الأئمة الاثني عشر عليه السلام .
ومن ناحية أخرى ، وكما
بينا في موضع سابق ، فإن علماء الحديث ومحققيه عند أهل السنة وغيرهم قالوا بضعف
رواية ( كتاب الله وسنتي ) ، وصحة رواية ( كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) .
يضاف إلى هذه الحقيقة أن
السنة المروية عن الصحابة لا تفيد علما " واضحا " أو ترشد إلى طريق هاد .
فالصحابة اختلفوا مع بعضهم
إلى حد السب ، وإراقة الدماء ، وإعلان الحروب ، فيكونوا في واقع الحال قد
اتخذوا تبعا " لذلك طرقا " متعددة وفي غاية التناقض ، فأي من هذه الطرق أو
السنن نتبع ؟ فمعاوية صحابي وعلي صحابي ، فأي منهما أولى بالاتباع ؟
وعلى سبيل المثال ، فإنه
عندما وقع المسلمون في حيرة أمام قضية مبايعة يزيد بن معاوية ، كان التمسك بأهل
البيت عليه السلام يعني رفض هذه البيعة وتأييد الحسين عليه السلام وأتباعه في
خروجه وثورته .
وأما التمسك ( بسنتي بمعنى
نهج أصحابي ) سيعني مبايعة يزيد ، لأن عبد الله بن عمر ، وهو أحد الصحابة
القلائل الباقين في ذلك الحين قام بمبايعة يزيد على الفور تجنبا " للفتنة وتفرق
الأمة ! .
وما يلفت الانتباه في هذا المثال
أن عبد الله بن عمر كان أيضا " من الصحابة القلائل الذين لم يبايعوا الإمام
عليا " عليه السلام في الوقت الذي سعى إليه الناس لمبايعته ، وكان أيضا " من
الذين وقفوا ( محايدين ! ) يوم صفين تجنبا " للفتنة أيضا " .
فعبد الله بن عمر ، وكل من لم
يبايع الإمام سواء وقف محايدا " أو محاربا " ، وكذلك كل من لم يؤيد الحسين في
خروجه وثورته ضد الطاغية يزيد ، لا يمكن أن يكون متمسكا " بأهل
البيت عليه السلام ، فأين هم من قوله صلى الله عليه وآله
وسلم : ( ما إن تمسكتم بهما لا تضلوا بعدي أبدا " ) ؟ ! .
الشورى بين النظرية والتطبيق
ومما يتمسك به أهل السنة أيضا " في ردهم على إمامة أهل
البيت عليه السلام ، هو قولهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل الخلافة
بعده شورى مستدلين بقوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم )
.
ولكن تفسير هذه الآية بهذه الطريقة ينقصه الدقة
والكثير من التفاصيل ، فلو أن النبي صلى الله عليه وآله
وسلم أراد أن يكون الأمر بعده كذلك لعلمهم إياه ، أو على أقل تقدير كان ليبين
لهم المبادئ الإسلامية لعملية الشورى هذه .
والآية الكريمة ليس فيها ما يدل على أن المسلمين يجب عليهم
التشاور في جميع شؤونهم ، وإنما لا بد وأن يكون ذلك محصورا " بالشؤون التي لم
يرد فيها نص من الكتاب والسنة كما هو متفق عليه عند الجميع .
فكما أنه لا يجوز التشاور في عدد ركعات الصلاة ، فإنه لا
يجوز التشاور أيضا " في تعيين خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما دام قد
وجدت هناك نصوص قطعية تعين هويتهم .
وأما في عصرنا هذا الذي يشهد استمرار غيبة الإمام الثاني
عشر ، فإن الشورى ينبغي الأخذ بها في تعيين من ينوب عن الإمام ، فالنص محصور
باثني عشر إماما " .
وبتقدير أن الشورى هي المبدأ الأساس في تعيين خلفاء النبي
صلى الله عليه وآله وسلم ، فأين كان موقع هذه الشورى من صراع السقيفة وتنصيب
أبي بكر ؟
وأين كانت هذه الشورى عندما ورث أبو بكر الخلافة لعمر بنص
أجبر المسلمين على التسليم والرضا به ، ودون أن يكون لأي أحد الفرصة لمناقشته ؟
وأين كانت هذه الشورى في تنصيب عثمان والذي لم تؤل الخلافة
إليه إلا بتعهده بالسير على سنة الشيخين أبي بكر وعمر بعد أن رفض علي التعهد
بالعمل بها ؟
وهل كان تنصيب معاوية بشورى ، والذي تسبب في إراقة دماء
عشرات الآلاف من المسلمين في صفين وغيرها من الغارات التي شنها على الولايات
الإسلامية أثناء خلافة علي ؟
وماذا بالنسبة لموقع الشورى من بيعة يزيد ؟ أو ليس هو الذي
نصبه معاوية قبل موته جاعلا " التوريث وإراقة دماء المعارضين مبدءا " دستوريا "
سار عليه أئمة المسلمين منذ خلافته ولغاية القضاء على خلافة الإمبراطورية
العثمانية في مطلع القرن الميلادي الحالي ؟
فكيف يعتبر أهل السنة شرعية كل أولئك الخلفاء بالرغم من أن
في طريقة تنصيبهم مخالفة صريحة لمبدأ الشورى ؟