- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 151 :

السنة النبوية بين طريقين !


إن أكثر ما يتمسك به أهل السنة في الرد على إمامة أهل البيت عليه السلام هو قولهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالتمسك بعده بالكتاب والسنة النبوية ، بمعنى التمسك بالكتاب

والحديث المروي عن أي من الصحابة عملا " بالحديث المزعوم : ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) والذين يكون التمسك بهم عند أهل السنة بديلا " عن التمسك بأهل البيت عند

الشيعة . وإذا علمنا أن مهمة تحقيق السنة النبوية صحيحها من ضعيفها قد أوكلت للبخاري ومسلم ، واعتماد كتابيهما المعروفين بالصحيحين كأصح الكتب بعد كتاب الله ، وبل واعتبار

صحة كل ما جاء فيهما عند الغالبية العظمى من فقهاء أهل السنة وعلمائها ومفكريها ، فإن التمسك بكتاب الله وسنتي ، يعني التمسك
 

- ص 152 -

بالبخاري وسلم أكثر من التمسك بأي شخص كان .


فهذان الشيخان جعلا باجتهاد هما فقط من مرويات أبي هريرة أو غيره من الصحابة والتابعين ممن نقلوا الروايات جيلا بعد جيل تسمع وتعتمد عند أهل السنة على مر العصفور ،

وهما أيضا باجتهادهما فقط جعلا من مرويات علي أو غيره من أئمة أهل البيت عليه السلام الذين تحدثوا بالسنة ونقلوا الرواية جيلا " بعد جيل تغفل وتصبح بلا قيمة عند أهل السنة على مر العصفور ! .


وإذا علمنا أن أهل السنة اعتمدوا صحة كل اجتهادات الخليفة عمر العديدة ، والتي خالف في بعضها النبي صلى الله عليه وآله وسلم صراحة كما بينا من ذلك أمثلة ، بل ومنعه تدوين

السنة النبوية فإن التمسك ( بكتاب الله وسنتي ) يعني : التمسك بعمر أكثر من صاحب السنة نفسها ! ، وسترى في هذه المسألة تفصيلا " في القسم الأخير من هذا الكتاب .


وإذا علمنا أيضا " أن الدور الخطير الذي لعبه معاوية في حرف مسار الخلافة بصورة مأساوية ، والتأثير على أبي هريرة وغيره من الرواة كما سترى لاحقا " ، قد لاقى قبول

غالبية أهل السنة وموافقتهم ، واعتبروه خليفة شرعيا " لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن التمسك بكتاب الله وسنتي يعني التمسك بمعاوية أكثر من التمسك بخصمه علي أو حتى عمر وأبي بكر الذين خالفهم جميعا " بمنهجه القبلي والجاهلي في الخلافة والحكم .


وإذا علمنا أخيرا " ، أن تفسير آيات الكتاب قد اعتمد أغلبها على الأحاديث المروية فإن التمسك ( بكتاب الله وسنتي ) بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني بصورة عملية

وواقع الحال التمسك بتركيبة من أشخاص أبرزهم : عمر - عائشة - معاوية - أبو هريرة - البخاري . بينما التمسك ( بكتاب الله وعترتي أهل بيتي ) بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله

وسلم يعني بواقع الحال التمسك بتركيبة من أشخاص هم : علي - فاطمة - الحسن والحسين . . . إلى آخر الأئمة الاثني عشر عليه السلام .
 

- ص 153 -

ومن ناحية أخرى ، وكما بينا في موضع سابق ، فإن علماء الحديث ومحققيه عند أهل السنة وغيرهم قالوا بضعف رواية ( كتاب الله وسنتي ) ، وصحة رواية ( كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) .

يضاف إلى هذه الحقيقة أن السنة المروية عن الصحابة لا تفيد علما " واضحا " أو ترشد إلى طريق هاد .


فالصحابة اختلفوا مع بعضهم إلى حد السب ، وإراقة الدماء ، وإعلان الحروب ، فيكونوا في واقع الحال قد اتخذوا تبعا " لذلك طرقا " متعددة وفي غاية التناقض ، فأي من هذه الطرق أو السنن نتبع ؟ فمعاوية صحابي وعلي صحابي ، فأي منهما أولى بالاتباع ؟


وعلى سبيل المثال ، فإنه عندما وقع المسلمون في حيرة أمام قضية مبايعة يزيد بن معاوية ، كان التمسك بأهل البيت عليه السلام يعني رفض هذه البيعة وتأييد الحسين عليه السلام وأتباعه في خروجه وثورته .


وأما التمسك ( بسنتي بمعنى نهج أصحابي ) سيعني مبايعة يزيد ، لأن عبد الله بن عمر ، وهو أحد الصحابة القلائل الباقين في ذلك الحين قام بمبايعة يزيد على الفور تجنبا " للفتنة وتفرق الأمة ! .

وما يلفت الانتباه في هذا المثال أن عبد الله بن عمر كان أيضا " من الصحابة القلائل الذين لم يبايعوا الإمام عليا " عليه السلام في الوقت الذي سعى إليه الناس لمبايعته ، وكان أيضا " من الذين وقفوا ( محايدين ! ) يوم صفين تجنبا " للفتنة أيضا " .


فعبد الله بن عمر ، وكل من لم يبايع الإمام سواء وقف محايدا " أو محاربا " ، وكذلك كل من لم يؤيد الحسين في خروجه وثورته ضد الطاغية يزيد ، لا يمكن أن يكون متمسكا " بأهل

البيت عليه السلام ، فأين هم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما إن تمسكتم بهما لا تضلوا بعدي أبدا " ) ؟ ! .


الشورى بين النظرية والتطبيق


ومما يتمسك به أهل السنة أيضا " في ردهم على إمامة أهل البيت عليه السلام ، هو قولهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل الخلافة بعده شورى مستدلين بقوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) .

ولكن تفسير هذه الآية بهذه الطريقة ينقصه الدقة

- ص 154 -

والكثير من التفاصيل ، فلو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكون الأمر بعده كذلك لعلمهم إياه ، أو على أقل تقدير كان ليبين لهم المبادئ الإسلامية لعملية الشورى هذه .


والآية الكريمة ليس فيها ما يدل على أن المسلمين يجب عليهم التشاور في جميع شؤونهم ، وإنما لا بد وأن يكون ذلك محصورا " بالشؤون التي لم يرد فيها نص من الكتاب والسنة كما هو متفق عليه عند الجميع .


فكما أنه لا يجوز التشاور في عدد ركعات الصلاة ، فإنه لا يجوز التشاور أيضا " في تعيين خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما دام قد وجدت هناك نصوص قطعية تعين هويتهم .


وأما في عصرنا هذا الذي يشهد استمرار غيبة الإمام الثاني عشر ، فإن الشورى ينبغي الأخذ بها في تعيين من ينوب عن الإمام ، فالنص محصور باثني عشر إماما " .


وبتقدير أن الشورى هي المبدأ الأساس في تعيين خلفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فأين كان موقع هذه الشورى من صراع السقيفة وتنصيب أبي بكر ؟


وأين كانت هذه الشورى عندما ورث أبو بكر الخلافة لعمر بنص أجبر المسلمين على التسليم والرضا به ، ودون أن يكون لأي أحد الفرصة لمناقشته ؟


وأين كانت هذه الشورى في تنصيب عثمان والذي لم تؤل الخلافة إليه إلا بتعهده بالسير على سنة الشيخين أبي بكر وعمر بعد أن رفض علي التعهد بالعمل بها ؟


وهل كان تنصيب معاوية بشورى ، والذي تسبب في إراقة دماء عشرات الآلاف من المسلمين في صفين وغيرها من الغارات التي شنها على الولايات الإسلامية أثناء خلافة علي ؟


وماذا بالنسبة لموقع الشورى من بيعة يزيد ؟ أو ليس هو الذي نصبه معاوية قبل موته جاعلا " التوريث وإراقة دماء المعارضين مبدءا " دستوريا " سار عليه أئمة المسلمين منذ خلافته ولغاية القضاء على خلافة الإمبراطورية العثمانية في مطلع القرن الميلادي الحالي ؟


فكيف يعتبر أهل السنة شرعية كل أولئك الخلفاء بالرغم من أن في طريقة تنصيبهم مخالفة صريحة لمبدأ الشورى ؟
 

- ص 155 -

والناظر بإنصاف إلى واقع دولة الخلافة الإسلامية على طول تاريخها ، فإنه يجد أن الشورى لم تتوفر إلا في خلافة علي حيث سعى إليه غالبية الناس بعد مقتل عثمان ، وألحوا عليه بقبولها .


الخلفاء بعد أبي بكر وعلي

لم تكن مناقشة هذا الفصل لمجرد المفاضلة بين خلافتي أبي بكر وعلي ، وإنما للتثبت من المنهج المتكامل في نظرية الخلافة والإمامة حسب تشريعها الإلهي ، وهذا يعني استمرار البحث للإثبات والتحقق من هوية الخلفاء الذين يفترض أن يلوا أمر المسلمين .


ولم نجد في الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ما يشير إلى هوية هؤلاء أكثر قوة من تلك الروايات المخبرة بإثني عشر منهم .

لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب