|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 161 :
|
الفصل الثاني :
لمحات من سيرة الخلفاء الاثني عشر
1 - الإمام علي بن أبي طالب
عليه السلام
ولد في الثالث عشر من رجب في الكعبة المكرمة بعد مولد
النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاثين عاما " ، وقيل سبعة وعشرين عاما " ،
ونشأ وترعرع في حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمضى فترة صباه في بيته .
وهو أول من أسلم ، وقد اختلف في عمره حين إسلامه بين
عشرة إلى ثلاثة عشر عاما " .
وهو على كل حال لم يسجد لصنم قط ، ولم يتجه بأي عبادة
لغير الله عز وجل .
وكان أهم ما تميز به الإمام علي عن غيره هو مصاحبته
الفريدة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقربه منه ، ومؤاخاته له ، وتلقيه
التربية على يديه .
وقد عبر الإمام عن ذلك بقوله :
( ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل إثر أمه ) فأخذ من أخلاقه وعلمه حتى أصبح بحق
باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحكمته ، وما
أهله ليكون وزيره ووصيه وخليفته على المسلمين بعده بل
وأصبح عديلا " للقرآن يعرف المؤمنون حقا " بحبه والمنافقون بكرهه
( 1 )
.
وهو بذلك الوحيد الذي استحق عند الشيعة لقب (
أمير المؤمنين ) من بين جميع الخلفاء الذين تسنموا إمرة المسلمين على مر
التاريخ ، بل وحتى من بين جميع الأئمة الاثني عشر عليه السلام .
وأما عن زهده ، فلم تعرف الدنيا حاكما " خضعت له
البلاد ، ودانت له الدول وهو يلبس ثوبا " بثلاثة دراهم .
وأما في مجال القتال والحرب ، فقد تميز بشجاعة
وبطولة خارقة ، حيث كان أول فدائي في الإسلام عندما نام في فراش
| |
( 1 ) تجد تفاصيل ذلك مع المصادر في الفصل الثاني . ( * )
|
|
|
النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقت هجرته إلى المدينة
وفي موقعة بدر ، قتل بسيفه ( ذي الفقار ) ما لا يقل عن ثلاثين مقاتلا " من
صناديد قريش ، وقد ذكر المؤرخون نداء الملك جبريل يوم بدر : ( لا سيف إلا ذو
الفقار ، ولا فتى إلا علي )
( 1 )
.
وأما في موقعتي أحد وحنين ، فقد وقف تلك المواقف
التاريخية مدافعا " عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد فرار المسلمين
الجماعي حينذاك .
وفي الخندق ، تصدى لمبارزة فارس المشركين الأول
عمرو بن ود العامري، بعد أن لم يتجرأ أي من الصحابة على التصدي له بالرغم من
تكرار حث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهم
بذلك ، وقد وصف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ضربة علي عليه السلام التي قضت
على ذلك العملاق بأنها تعدل عبادة الثقلين .
وفي خيبر ، فإنه وبعد أن تعاقب على حمل الراية
عدد من المهاجرين وسرعان ما كان كل واحد منهم يعود بالفرار والهزيمة ، قال
النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( لأعطين الراية
غدا " لرجل يحب الله ورسوله ، كرار غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه
) ، فكان الفتح على يديه علي .
وكما يذكر المؤرخون أن باب الحصن الذي حمله الإمام بعد فتحه وجعله درعا " يحميه
من ضربات يهود خيبر ، قد عجز عن حمله أربعين صحابيا " مجتمعين .
فلا غرابة في استحقاقه نيل شرف الزواج من بضعة
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الزهراء سيدة نساء أهل الجنة ، وقد كان النبي
صلى الله عليه وآله وسلم رافضا " تزويجها
للعديد ممن تقدم لخطبتها من وجوه القوم ، وكان قوله صلى الله عليه وآله وسلم
لعلي : ( إن الله ) ( سبحانه وتعالى ) أمر بتزويج فاطمة منك ) ، وقد صدق القائل
: ( لو لم يخلق علي ،
ما كان لفاطمة كفؤ )
( 2 )
، وقال أحمد بن حنبل : ( ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله
وسلم من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب )
( 3 )
.
| |
( 1 ) مناقب أمير المؤمنين لابن المغازلي
ص 197 .
( 2 ) كنوز الحقائق ص 129 .
( 3 ) مستدرك الحاكم ج 3 ص 107 . ( * )
|
|
|
وبعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن الإمام
وبالرغم أنه كان يرى نفسه الأولى بالخلافة ، كما كانت قد وصى بها النبي صلى
الله عليه وآله وسلم إليه فعلا " ، فإنه لم يدخر
جهدا " في سبيل النصح والإرشاد والتعليم في ظل الثلاثة
الخلفاء الأوائل ، وعندما بايعه الناس للخلافة ، فإنه لم يرق لبعض الناس ذلك ،
فأعلنوا التمرد عليه ، فاضطر لمقاتلتهم في مواقع ثلاثة مشهورة هي : الجمل ،
وصفين ، والنهروان .
واستشهد الإمام في الحادي
والعشرين من شهر رمضان عام 40 هجرية بعد يومين من طعنة أشقى الآخرين عبد الرحمن
بن ملجم له أثناء سجوده وقت الفجر في مسجد الكوفة بالعراق .
2 - الإمام الحسن بن علي عليه
السلام
ولد الإمام الحسن عليه السلام في ليلة الخامس عشر من شهر
رمضان السنة الثالثة من الهجرة في المدينة المنورة .
وروى أنس بن مالك أنه لم يكن
أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن علي عليه السلام
( 1 )
، وكان يكنى بالمجتبى ، والزكي ، والسبط ، والنقي .
وكانت سيرته كسيرة جده وأبيه ، فكان ذا ميزات وأخلاق وفضائل إنسانية سامية من
حيث التواضع ، والصبر ، والوقار ، والعفو عند المقدرة ، والكرم ، وغير ذلك من
المزايا الحميدة التي جعلته محبوبا " في قلوب الناس .
وذكر المؤرخون أن الإمام الحسن عليه السلام أخذ
الماء إلى عثمان أثناء حصاره بأمر من أبيه ، وشارك برفقة أخيه الحسين وعدد من
أبناء كبار الصحابة في حماية عثمان والوقوف أمام داره لمنع الثائرين ضد الخليفة
من اقتحامها .
وفي زهده وعبادته ، فقد ذكر الحافظ أبو نعيم قوله
: ( إني لأستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته ) ، فمشى عشرين مرة من
المدينة إلى مكة على قدميه .
وروي عنه أيضا " أنه تصدق بماله كله ثلاث مرات .
| |
( 1 ) الفصول المهمة لابن المالكي ص 151
. ( * )
|
|
|
وفي السياسة والحرب ، فقد
كان له دور فعال عندما شارك في حرب الناكثين التي عرفت بموقعة الجمل ، حيث
أرسله والده إلى الكوفة ليخبر الناس بخروج الناكثين، وعبأ منهم عشرة
آلاف للمشاركة في الحرب ، وكذلك كان له الدور نفسه في
المشاركة بالحرب ضد المتمردين في صفين ، وقد قاتل مع الإمام علي عليه السلام في
الخطوط الأمامية .
وبعد استشهاد والده أمير المؤمنين
، اعتلى منبر الكوفة وخطب بأهلها، فنهض الناس جماعات وبايعوه خليفة للنبي صلى
الله عليه وآله وسلم وإماما " للأمة ، وبقي كذلك لستة شهور حيث
اضطر إلى عقد معاهدة الصلح مع معاوية ولا سيما بعد تيقنه
بتأهب الرومان لمهاجمة المسلمين مستغلين في ذلك المواجهة المحتملة بين جيشي
الحسن ومعاوية .
والإمام الحسن عليه السلام
بصلحه مع معاوية آثر مصلحة الإسلام على ما عداها ، ولكنه بقي رغم هذا التنازل
الإمام الحافظ لدين الله والهادي لشيعته ومحبيه ومصداقا " لقول الرسول صلى الله
عليه وآله وسلم : ( الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ) .
ويقول اليعقوبي في تاريخه : (
عاد معاوية إلى الشام بعد عقد معاهدة الصلح مع الإمام الحسن عليه السلام ،
وهناك وصلته الأنباء بأن إمبراطور الروم تحرك من روما بجيش كبير للهجوم
على الدولة الإسلامية والتي لم يكن لها آنذاك القوة
اللازمة لدرء الهجوم الروماني ، فاضطر معاوية أن يدفع سنويا " للروم الشرقية
مائة ألف دينار سنويا " )
( 1 )
.
وكان من ضمن بنود الصلح أن تسلم الخلافة بعد موت
معاوية إلى الإمام الحسن ، وإن مات قبل معاوية تصبح الخلافة حقا " لأخيه الحسين
.
فكانت وفاته عليه السلام في السابع من شهر صفر سنة 50 للهجرة في المدينة
المنورة متأثرا " بالسم الذي دسته له زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس بالتآمر مع
| |
( 1 ) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 26 . ( * )
|
|
|
معاوية كما يذكر معظم المؤرخين كالطبري مثلا " الذي يروي
. أن الإمام الحسن عليه السلام سقي السم عدة مرات ، وكان ينجو منه في كل مرة
إلى أن مات في المرة الأخيرة .
|