|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 168 :
|
5 - الإمام محمد بن علي عليه السلام
ولد في الأول من شهر رجب عام 57 للهجرة بالمدينة المنورة ،
وقد عرف بلقب الباقر لبقره العلم وتفجيره له وتوسعه فيه ، وعاصر طوال فترة
إمامته التي دامت 18 عاما " حكم كل من
الوليد بن عبد الملك ، سليمان بن عبد الملك ، عمر بن عبد
العزيز ، يزيد بن عبد الملك ، وهشام بن عبد الملك .
وقد استمر هؤلاء الخلفاء باستثناء عمر بن عبد العزيز
بمضايقة أئمة أهل البيت عليه السلام وتصفية أنصارهم ومحبيهم كما فعل من سبقهم
من الخلفاء الأمويين .
وكان أحد أدوات السلطة في القمع والإرهاب هذه المرة رجلا
" يتلذذ بسفك الدماء البريئة اسمه الحجاج بن يوسف والذي ولاه الوليد بن عبد
الملك العراق ، حيث حولها إلى ساحة لتعذيب الأبرياء ، وخصوصا " شيعة أهل البيت
عليه السلام .
وعندما استلم عمر بن عبد العزيز
الخلافة ، أصدر أمرا " بوقف ( سنة ) سب الإمام علي بن أبي طالب عليه
السلام على المنابر في الجمع والأعياد . وهي السنة التي استنها معاوية منذ
أول خلافته وورثها لمن بعده ، ولكن أيام الخليفة عمر بن
عبد العزيز لم تطل ، وهو نفسه كما يذكر المؤرخون قد تمت تصفيته على يد
المعارضين لنهجه العادل من الأسرة الأموية الحاكمة
وواصل الإمام محمد الباقر عليه
السلام النهج السري لسلفه الإمام زين العابدين بتنشيط الحركة التربوية
والتعليمية الشاملة ، والتي مهدت لإنشاء أول مدرسة إسلامية على منهج تعاليم أهل
البيت عليه السلام ولكنه وبسبب ضغوط السلطات ومراقبتهم ،
فإن نشاطات هذه المدرسة بقيت محدودة ، ولم تعط ثمارها الحقيقية إلا في عصر
الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق عليه السلام .
وقد قام الإمام الباقر عليه
السلام بنشر الأحاديث والأحكام الإسلامية بشكل ملحوظ حتى أصبح الناس في
عصره يتناقلون علومه وأخباره .
ثم لاقى الإمام عليه السلام
نفس مصير آبائه وأجداده ، عندما دس إليه السم عن طريق الأيدي الآثمة للسلطة
الأموية الحاكمة وكان ذلك في السابع من ذي الحجة عام 114 للهجرة في المدينة
المنورة ، وهناك دفن ، فيما يعرف ب ( البقيع ) .
6 - الإمام جعفر بن محمد عليه السلام
ولد في السابع عشر من شهر ربيع الأول سنة 83 للهجرة
بالمدينة المنورة وأمه فاطمة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر .
وعاصر خلال فترة إمامته من الخلفاء الأمويين كلا " من هشام
بن عبد الملك ، يزيد بن عبد الملك ، إبراهيم بن الوليد ، ومروان بن محمد آخر
الخلفاء الأمويين والملقب بالحمار .
ومن العباسيين ، فقد عاصر عبد الله السفاح وأبا جعفر
المنصور الدوانيقي . وكان أشهر ألقابه الصادق .
وقد صادف عصره أواخر الدولة الأموية حيث دب فيها الضعف ،
وبداية الدولة العباسية حيث التظاهر بحب أهل البيت ، مما أتاح الإمام الصادق
عليه السلام من استكمال المدرسة التي
بدأها سلفه الإمام محمد الباقر عليه السلام وتوسيعها إلى
أن أصبحت جامعة كبرى لتربية التلاميذ ونشر العلوم والمعارف الإسلامية ، حتى قيل
إنه خلال فترة إمامته التي امتدت لأربع وثلاثين عاما " تمكن من تربية 4 آلاف
تلميذ في مختلف العلوم .
وقد دار نشاط الإمام الصادق عليه
السلام العلمي حول محورين أساسيين ، هما : حماية العقيدة الإسلامية من
التيارات العقيدية والفلسفية والإلحادية التي قويت في عصره ، ونشر الإسلام
وتوسيع دائرة الفقه والتشريع وتثبيت معالمهما وحفظ أصالتهما .
ويقول أبو حنيفة النعمان وهو
أحد أئمة المذاهب الفقهية الأربعة عند أهل السنة : ( عندما استدعى أبو جعفر
المنصور الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام إلى العراق دعاني
إليه لمناظرته ، فكتب أربعين مسألة لطرحها على الإمام .
وحين دخلت على المنصور وجدت الإمام الصادق جالسا " إلى يمينه فسلمت وجلست ،
وقدمني المنصور إليه ، ثم أمر بطرح
المسائل عليه ، فكنت أسأله واحدا " واحدا " ، وهو يجيب
عنها واحدة واحدة ، ومبديا " في كل مسألة آراء أهل المدينة وآراء أهل العراق
وأخيرا " رأيه الخاص به . وكان رأيه موافقا " لآرائهم حينا " ومخالفا " حينا "
. فعرفت أنه أعلم الناس وأعرفهم بعقائد أهل زمانه )
( 1 )
.
ويقول مالك بن أنس ، وهو إمام آخر من أئمة
المذاهب الأربعة وأحد تلاميذ الإمام جعفر الصادق عليه السلام : ( كنت غالبا "
أدخل على الإمام الصادق عليه السلام ، فكان إما
مصليا " أو قارئا " القرآن الكريم . ولم تر عين مثله ، ولم تسمع أذن بمثله ،
ولم يخطر على بال أحد أن يكون هناك أوسع علما " وأكثر عبادة وزهدا " منه )
( 2 )
.
| |
(
1 ) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 157 .
( 2 ) الإرشاد للمفيد ص 389 . ( * )
|
|
|
وعلى كل حال ، فخدمات الإمام الصادق العلمية في مجال
التفسير والحديث والفقه لا يمكن حصرها ، وتمكن من علماء كبار وتنشئتهم في علوم
الكلام والفلسفة والمناظرة والذين كان من بينهم : هشام بن الحكم الذي ترك وراءه
خمسة وعشرين كتابا " .
ومن المفارقات العجيبة وما
أكثرها في تاريخنا الإسلامي أن تجد الشيخ البخاري مثلا " لم يرو في صحيحه ولو
حديثا واحدا عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، في الوقت الذي تجده
يروي عن مروان بن الحكم الملعون هو وأبوه على لسان النبي
صلى الله عليه وآله وسلم ، وعن عمران بن حطان الخارجي الذي ألف قصيدة في مدح
قاتل علي بن أبي طالب !
( 1 )
.
وفي جانب العلوم الطبيعية ، فقد تمكن الإمام من كشف أسرار
نالت إعجاب العلماء الاختصاصيين في العصر الحديث ، لا سيما ما جاء منها في
كتابه ( توحيد المفضل ) الذي
أملاه على تلميذه المفضل بن عمرو الكوفي في أربعة أيام ،
وكذلك تربيته للعالم الفذ جابر بن حيان الذي يعد اليوم أبو الكيمياء ، حيث أخذ
علمه عن الإمام الصادق عليه السلام وألف كتبا " ورسائل عديدة في هذا المضمار .
وقال الدكتور يحيى الهاشمي :
( إن هناك عدة كتب مخطوطة لجابر بن حيان لا يزال علماء الألمان يعكفون على حل
رموزها )
( 2 )
.
وقال الحوماني : ( واستخراج المعلوم من المجهول
له علم خاص سماه علماء الغرب ( علم الجبر ) اشتقوه من اسم جابر بن حيان ، لأنه
أول من وضع هذا العلم نقلا " عن معلمه جعفر الصادق )
( 3 )
.
وانتقل الإمام إلى جوار ربه في الخامس والعشرين
من شوال عام 148 هجرية بالمدينة المنورة ، ودفن في مقبرة البقيع بجوار آبائه
الباقر ، وزين العابدين ، والحسن عليهم السلام .
| |
( 1 ) جعفر السبحاني ، بحوث في الملل والنحل
، ج 6 ص 455 .
( 2 ) الحوماني ، أشعة من حياة الإمام جعفر
الصادق عليه السلام ، ص 41 .
( 3 ) المصدر السابق . ( * )
|
|
|
|