|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 213 :
|
أبو هريرة : الراوي الأول !
والحقيقة أن أبا هريرة يعد مثالا " صارخا " يستحق كل
الاهتمام والوقوف على سيرته لكثرة ما روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ،
وهو الراوي الأول بلا منازع عند الجمهور
العريض من المسلمين : فأول ما ينبغي الإشارة إليه هو
اشتهاره بتشيعه لبني أمية في صفين وما بعدها ليس في حمل السيف ، وإنما بما أوتي
من مهارات بالتلاعب بأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو وضع ما شاء تكيفا
" مع المناسبة والحدث .
وإليك خبر ذلك : فهو في
البداية يعترف أنه كان يكتم بعض ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في
صحيح البخاري : ( حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين فأما
أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم )
( 1 )
! !
فما هي يا ترى تلك الأحاديث
التي يخشى أبو هريرة روايتها ، وممن ؟ ومن الطريف في هذه المسألة أن أبا هريرة
نفسه كان يقول في عقاب الكاتمين لحديث النبي صلى الله عليه وآله
وسلم : ( إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة - يعني أكثر
رواية الحديث - ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا " - ثم تلى قوله تعالى
:( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد
ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) [
البقرة / 159 ] )
( 2 )
.
وما يجدر ذكره أن أبا هريرة روى عن رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم ( 5374 ) حديثا ملئت صحاح أهل السنة الستة ( أي أكثر
بأربعة أضعاف ما رواه الخلفاء الأربعة الأوائل ! )
، كل ذلك بالرغم أن لم يعاصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوى عامين . وأخذ
عنه البخاري في صحيحه 446 حديثا " .
وكان الخليفة عمر هو أول من فزع لكثرة ما روى أبو
هريرة ، فضربه بالدرة وقال له : ( لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض
دوس )
( 3 )
.
ولما سمعه الإمام علي عليه السلام يقول مرة : حدثني خليلي رسول الله ! قال له :
متى كان النبي خليلك
( 4 )
؟
| |
(
1 ) صحيح البخاري ، كتاب العلم ، باب حفظ
العلم ، ج 1 ص 89 .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص 88 .
( 3 ) البداية والنهاية ، ج 8 ص 106 .
( 4 ) المصدر نفسه ، ص 109 . ( * )
|
|
|
وإن كان هناك أي نوع من الصحبة من الممكن التحدث بها،
فإن أبا هريرة نفسه سببها بقوله : ( كنت ألزم النبي لشبع بطني ، حتى لا آكل
الخمير ولا ألبس الحرير ، ولا يخدمني فلان
ولا فلانة ، وألصق بطني بالحصباء وأستقرئ الرجل الآية
وهي معي كي ينقلب بي فيطعمني ، وخير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب ، ينقلب
بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شئ
فنشتقها فنلعق ما فيها )
( 1 )
.
وقد عبر أبو هريرة عن تقديره لجعفر بن أبي طالب
بقوله : ( ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا ركب الكور بعد رسول الله أفضل
من جعفر بن أبي طالب )
( 2 )
.
وبالنظر إلى الغاية التي كان أبو هريرة يلازم من أجلها النبي صلى الله عليه
وآله وسلم ، فقد كان من الطبيعي أن يميل إلى مناصرة الأمويين ضد معسكر الإمام
علي عليه السلام لما وجده
عندهم مما يناسب ميوله وشغفه من الطعام حتى أن كل من الجزار بسر بن أرطأة
ومروان بن الحكم قد أناباه على ولاية المدينة ، فتغيرت أحواله من حال إلى حال .
ولقد روي عن أيوب بن محمد أنه قال : ( كنا عند
أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان ، فتمخط فقال : بخ بخ أبو هريرة يتمخط في
الكتاب ؟ لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حجرة عائشة مغشيا " علي ، فيجئ الجائي
فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي جنون ، ما بي إلا الجوع )
( 3 )
.
وكان مما قاله أبو هريرة في تقديره لفضائل معاوية عليه : ( سمعت رسول الله يقول
: إن الله أئتمن على وحيه ثلاثة : أنا وجبريل ومعاوية )
( 4 )
.
| |
(
1 ) صحيح البخاري ، كتاب فضائل الصحابة ،
باب مناقب جعفر بن أبي طالب ، ج 5 ص 47 .
( 2 ) أخرجه الترمذي ج 13 ص 189 . والحاكم
بإسناد صحيح .
( 3 ) صحيح البخاري ، كتاب الإعتصام
بالكتاب والسنة ، باب ما ذكر على اتفاق أهل العلم ، ج 9 ص 317 .
( 4 ) أخرجه ابن عساكر وابن
عدي والخطيب البغدادي . ( * )
|
|
|
وقد أكثر أبو هريرة الآخذ
عن كعب الأحبار وعبد الله بن سلام ، وهما يهوديان أعلنا إسلامهما نفاقا "
وخداعا " للكيد بالإسلام من خلال دس الإسرائيليات في عقول المسلمين وعقائدهم .
ويقول الدكتور أحمد أمين : (
اتصل بعض الصحابة بوهب بن منبه ( وهو فارسي الأصل ) وكعب الأحبار وعبد الله بن
سلام ، واتصل التابعون بابن جريج ، وهؤلاء كانت لهم معلومات
يروونها عن التوراة والإنجيل وشروحها وحواشيها ، فلم ير
المسلمون بأسا " من أن يقصوها بجانب آيات القرآن ، فكانت منبعا " من منابع
التضخم )
( 1 )
.
وكان كعب الأحبار أشهر هؤلاء وأخطرهم ، وقد أسلم
في عهد الخليفة عمر الذي قربه منه وكان معه في فتح بيت المقدس ، وعندما افتضح
أمره نهاه عن الحديث قائلا " له : ( لتتركن الحديث أو لألحقنك بأرض القردة )
( 2 )
.
إلا أنه تحول إلى الشام في عهد عثمان ، فاستضافه معاوية هناك وجعله من مستشاريه
المقربين لكثرة علمه كما ظن به .
ومن هذا الموقع توسع هذا اليهودي المتظاهر
بالإسلام من نشر آلاف الأخبار والقصص التوراتية التي حرف معظمها أصلا " أو
اختلقت فأصبحت من الخرافات والأساطير .
وسترى أمثلة من ذلك في استعراضنا لبعض روايات أبي
هريرة التي ملأت كتب صحاح الحديث والتفسير والتي وثق أصحابها بأمانة هذا الراوي
: وتقواه :
1 - ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أرسل ملك الموت إلى موسى صلى الله عليه
وآله وسلم ، فلما جاءه صكه -
وفي رواية مسلم في صحيحه : فلطم موسى عين ملك
الموت ففقأها - فرجع الملك إلى ربه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت . فرد
الله عليه عينه وقال إرجع فقل
| |
(
1 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ج 2 ص 139
.
( 2 ) الذهبي ، سيرة أعلام النبلاء ، ج 2
ص 32 . ( * )
|
|
|
له يضع يده على متن ثور ، فله بكل شعرة سنة . قال : أي
رب ، ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت . قال : فالآن ، فسأل الله أن يدينه من الأرض
المقدسة رمية بحجر )
( 1 )
.
وقد عبر الشيخ المرحوم محمد الغزالي عن استيائه
لتزمت شارح هذا الحديث في أحد المصادر التي رجع إليها وجعله در الحديث إلحادا
( 2 )
.
وإليك كلام الشارح المدافع بإصرار عن صحة الرواية ونوع التبرير والمنقط
الذي قدمه : قال المارزي : وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث ، وأنكروا تصوره ،
وقالوا : كيف يجوز على
موسى عليه السلام قد أذن الله تعالى له في هذه اللطمة ، ويكون ذلك امتحانا "
للملطوم ، والله سبحانه يفعل في خلقه ما شاء ، ويمتحنهم بما أراد .
والثاني : أن هذا على المجاز ، والمراد أن موسى
ناظره وحاجه فغلبه بالحجة ، ويقال : فقأ فلان عين فلان إذا غلبه بالحجة، ويقال
: عودت الشئ إذا أدخلت فيه نقصا " ، قال : وفي هذا ضعف لقوله صلى الله عليه
وآله وسلم : فرد الله عينه ، فإن قيل : أراد رد حجته كان بعيدا "
والثالث : أن موسى عليه السلام لم يعلم أنه ملك
من عند الله ، وظن أنه رجل قصده يريد نفسه ، فدافعه عنها ، فأدت المدافعة إلى
فقء عينه ، لا أنه قصدها بالفقء ، وتؤيده رواية : صكه ،
وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين واختاره المازري والقاضي
عياض . قالوا : وليس في الحديث تصريح أنه تعمد فق ء عينه ، فإن قيل : فقد اعترف
موسى حين
جاءه ثانيا " بأنه ملك الموت ، فالجواب أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم
بها أنه ملك الموت فاستسلم ، بخلاف المرة الأولى . والله أعلم
( 3 )
.
| |
(
1 ) صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، ج 2 ص
236 ،
صحيح مسلم ، كتاب الفضائل باب من فضائل موسى ج 5 ص 222 .
( 2 ) محمد الغزالي ، السنة النبوية بين أهل
الفقه وأهل الحديث ، ص 28 .
( 3 ) شرح النووي على صحيح مسلم ، ج 5 ص
223 ، كتاب الفضائل ، باب من فضائل موسى . ( * )
|
|
|
والحقيقة أن الإصرار على صحة حديث كهذا غير لائق ، وليس
هناك أي حاجة لكل هذه الحذلقة ، وكلمة واحدة كان من الممكن أن تغني عن كل هذا
الشرح المطول اليائس ، ولكن
غالبية علماء أهل السنة لا يجرؤون على التشكيك بصحة أن
حديث أخرجه البخاري في صحيحه ، فيضطرون إلى مثل ذلك الاضطراب في التفسير
والتبرير ، الأمر الذي لا يجلب
للإسلام إلا الإساءة والتشويه . ولهذا الحديث أمثال
كثيرة ، ومما رواها أيضا " الراوية الأول أبو هريرة ، وهذه بعضها :
2 ) عن أبي هريرة قال :
النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( قال سليمان بن داوود عليه السلام لأطوفن
الليلة على تسعين امرأة كلهن يأتين بفرسان يقاتلون في سبيل الله ، فقال له
صاحبه : قل إن شاء الله . فلم يقل أن شاء الله . فطاف
عليهن جميعا " فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة ، فجاءت بشق رجل -
وفي رواية أخرى : بنصف إنسان - وأيم والله الذي
نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لحملت كل واحدة منهن بغلام يجاهد فسبيل الله
)
( 1 )
.
ويقول النووي في شرحه لهذا الحديث : ( كان
لسليمان ستون امرأة وفي روايات أخرى سبعون ، وتسعون ، وتسع وتسعون ، ومئة . هذا
كله ليس بمتعارض لأنه ليس في ذكر القليل نفي
الكثير ، وهو مما خص به الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم من القوة على
إطاقة هذا في ليلة واحدة ، وكان نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم يطوف على إحدى
عشرة امرأة له في الساعة الواحدة كما ثبت في الصحيح ، وهذا كله زيادة في القوة
، والله أعلم )
( 2 )
.
3 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : ( يقال لجهنم هل امتلأت ، وتقول هل من مزيد ، فيضع الرب تبارك
وتعالى قدمه عليها فتقول : قط قط ، أي كفى )
( 3 )
| |
(
1 ) صحيح مسلم ، كتاب الإيمان باب
الاستثناء في اليمين وغيرها ، ج 4 ص 199 - 201
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) صحيح البخاري ، كتاب التفسير ، باب
قوله - وهل من مزيد - ج 6 ص 353 . ( * )
|
|
|
4 ) عن أبي هريرة أن
النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه
بإصبعيه حين يولد ، غير عيسى بن مريم ، ذهب يطعن ، فطعن في الحجاب )
( 1 ).
5 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : ( خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا " )
( 2 )
.
6 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : ( أنا خير من يونس بن متي فإنه كذب )
( 3 )
.
7 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : ( ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى
ثلث الليل الأخير ، يقول : من يدعوني فاستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ من
يستغفرني فأغفر له ؟ )
( 4 )
.
8 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : ( كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة فنظر بعضهم إلى بعض ، وكان
موسى يغتسل وحده ، فقالوا : والله ما يمنع موسى أن
يغتسل معنا إلا أنه أدر - بمعنى عظيم الخصيتين - فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على
حجر ، ففر الحجر بثوبه ، فجمع موسى في أثره يقول : ثوبي يا حجر ، ثوبي يا حجر ،
حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا : والله ما بموسى من بأس )
( 5 )
.
9 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : ( إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط حتى لا يسمع التأذين ،
فإذا قضي النداء ، أقبل . . . )
( 6 )
.
| |
(
1 ) المصدر نفسه ، كتاب بدء الخلق ، ج 4 ص 324 .
( 2 ) المصدر السابق ، كتاب الاستئذان ، ج 8 ص 160 .
( 3 ) المصدر السابق ، كتاب التفسير ، ج 6 ص 311 .
( 4 ) المصدر السابق ، كتاب التهجد ، ج 2 ص 136 .
( 5 ) المصدر السابق ، كتاب الغسل ، باب من اغتسل عريانا " وحدة في
خلوة ، ج 1 ص 169 .
( 6 ) المصدر السابق ، كتاب الأذان ، باب فضل التأذين ، ج 1 ص 336 . (
* )
|
|
|
10 ) عن أبي هريرة
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( بينما رجل راكب على بقرة ، التفتت
إليه فقالت : لم أخلق لهذا ، خلقت للحراثة . قال : آمنت به وأبو بكر وعمر )
( 1 )
.
11 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : ( بينما أنا نائم ، رأيتني في الجنة فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب
قصر عمر . فقلت : لمن هذا القصر ؟ فقالوا : لعمر ابن الخطاب . فذكرت غيرته
فوليت مدبرا " . فبكى عمر وقال : أعليك أغار يا رسول الله )
( 2 )
12 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : ( لو أطلع في بيت أحد ولم تأذن له ، حذفته بحصأة ففقأت عينه ما
كان عليك من جناح )
( 3 )
.
13 ) عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم قال : لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ، لينعلهما جميعا " أو ليحفهما
جميعا " )
( 4 )
.
ماذا لو صحت هذه الأحاديث ؟
| |
( 1 ) المصدر السابق ، كتاب المزارعة ، باب استعمال
البقر للحراثة ، ج 3 ص 297 .
( 2 ) المصدر السابق ، كتاب بدء الخلق ، باب ما جاء في وصف الجنة ، ج 4
ص 306 .
( 3 ) المصدر السابق ، كتاب الديات ، باب من أخذ حقه أو اقتص دون
السلطان ، ج 9 ص 18 .
( 4 ) المصدر السابق ، كتاب اللباس ، باب لا يمشي في نعل واحدة ، ج 7 ص
496 . ( * )
|
|
|
|