أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 32 :

الفصل الأول : ماهية الخلافة والإمامة

عند أهل السنة

يغلب على تعريفات الخلافة أو الإمامة عند علماء أهل السنة قديمهم وحديثهم إعطاء الطابع التنظيمي والتنفيذي لرئاسة الدولة الإسلامية ، ولحفظ وتحقيق مصالح الناس على هدى مبادئ الشريعة ( 1 ) .


وهذا يشمل إقامة الحدود ، وتدبير أمور الأمة ، وتنظيم الجيوش ، وسد الثغور ، وردع الظالم وحماية المظلوم ، وقيادة المسلمين في حجهم وغزوهم وتقسيم الفئ بينهم ( 2 ) .


وهم بذلك لا يعترفون بفصل الدين عن الدولة وسياستها وشؤونها الإدارية ، بل يعتبرون أنهما قائمان على بعضهما بعضا .


ومن هذا المبدأ الأساس ينطلق مفهوم الحاجة إلى القيادة الإسلامية .

ويقول ابن تيمية في ذلك : ( يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين ، بل لا قيام للدين إلا بها . فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض ، ولا بد لحراسة الدين من رأس ) ( 3 ) .


ويبين الماوردي الدور الخطير الذي يلعبه الإمام بشأن حراسة الدين بقوله : ( فليس دين زال سلطانه إلا بدلت أحكامه ، وطمست أعلامه ، وكان لكل زعيم بدعة ، ولكل عصر فيه وهية أثر ، وكما أن السلطان إن لم يكن على
 

 

( 1 ) محمد سليم العوا : في النظام السياسي للدولة الإسلامية ، ص 126 - 127 .
( 2 ) الماوردي : الأحكام السلطانية ، ص 15 - 16 .
( 3 ) ابن تيمية : السياسة الشرعية ، ص 165 . ( * )

 

 

- ص 33 -

دين تجتمع به القلوب حتى يرى أهله الطاعة فيه فرضا " ، والتناصر عليه حتما " لم يكن للسلطان لبث ، ولا لأيامه صفو ، وكان سلطان قصر أو مفسد دهر . ومن هذين الوجهين

وجب إقامة إمام يكون سلطان الوقت وزعيم الأمة ، فيكون الدين محروسا " بسلطانه ، والسلطان جاريا " على سنن الدين وأحكامه ) ( 1 ) .


وبالرغم من هذا التزاوج الواضح بين الدين والدولة بحيث إن صلاح أحدهما لا يكون إلا بصلاح الآخر ، فإن موقع النظر في مسألة ولاية أمر المسلمين المتمثلة بالخلافة والإمامة لا

ينسجم مع أهميتها العظمى هذه ويصنفها العلماء القدماء من أهل السنة ليس ضمن فروع الدين وأحكام الفقه فقط ، وإنما يحثون على عدم خوض الكلام والبحث فيها أيصا " ، لما قد يجلب ذلك من انتقاد بحق الخلفاء لا سيما الأوائل منهم !


فيقول الغزالي : ( إعلم أن النظر في الإمامة ليس من المهمات ، وليس أيضا " من فن المعقولات ( بمعنى أنه ليس من العقائد ) بل من الفقهيات . بل إنها مثار للتعصبات ، والمعرض عن الخوض فيها أسلم من الخائض فيها وإن أصاب ، فكيف إذا أخطأ ؟ ) ( 3 ) .


وللآمدي رأي مطابق للرأي السابق يقول فيه : ( واعلم أن الكلام في الإمامة ليس من أصول الديانات ، ولا من الأمور الأبديات بحيث لا يسع المكلف الاعتراض عنها والجهل بها ، بل

لعمري إن المعرض عنها أرجى من الواغل فيها . فإنها قلما تنفك عن التعصب ، والأهواء ، وإثارة الفتن ، والشحناء ، والرجم بالغيب في حق الأئمة والسلف بالازراء ، هذا مع كون الخائض فيها سالكا " سبيل التحقيق ، فكيف إذا كان خارجا " عن سواء الطريق ؟ ) ( 3 ) .


وقد انطلق هذا الاعتبار بفرعية الخلافة والإمامة عند أهل السنة وتهميش موقعها ضمن تعاليم الدين من اعتقادهم بعدم تدخل الشريعة من الأساس بتعيين
 

 

( 1 ) الماوردي : أدب الدين والدنيا ، ص 111 .
( 2 ) أبو حامد الغزالي : الإقتصاد في الاعتقاد ، ص 234 .
( 3 ) الآمدي : غاية المرام في علم الكلام ، ص 234 . ( * )

 

 

- ص 34 -

من يخلف النبي عليه السلام ، وإنما يرون أن هذا الأمر قد أوكل إلى الصحابة ابتداء ، وإلى الناس في كل عصر ليختاروا أولياء أمورهم استنادا " إلى قوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) [ الشورى / 38 ] .


ويستنتج من كل ذلك ، أن الخلافة والإمامة في جوهرها منصب سياسي وتنفيذي لتطبيق حدود الشريعة ، وحفظ مصالح العباد ومحاربة الأعداء . ولا تقع على عاتق هذا المنصب مسؤولية

حفظ الدين أو تفسير ما غمض من حقائقه ، أو تبيان حدوده وتوضيح معالمه وغير ذلك من الأمور المتعلقة بفهم الشريعة وتفهيمها .


وأما قول علماء أهل السنة بتحمل الخليفة مسؤولية حراسة الدين ، فإنما يقصد من ذلك الدفاع عن وجود الدين ضد أي تهديد سياسي أو عسكري قد يستهدف اجتثاثه أو الإطاحة بالنظام

الحاكم ، وهو بذلك دفاع عن المجتمع الإسلامي ، أو الحكومة الإسلامية ضد أي خطر داخلي أو خارجي ليس إلا .
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب