|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 224 :
|
تقديس الصحابة على حساب عصمة
النبي صلى الله عليه وآله وسلم
الغلو المفرط في تقديس الصحابة
وأسبابه ونتائجه :
لقد كان الزعم القائل بتقوى جميع الصحابة وعلو منزلتهم من
بين الأفكار التي عمل الأمويون على بثها وترسيخها لا سيما في بداية عهدهم، ليس
فقط من أجل تفنيد أي نقد للصحابة عموما
" ، أو الخلفاء والولاة منهم على وجه الخصوص كالتغطية
على بوائق معاوية وعمرو بن العاص على سبيل المثال ، وإنما لإبعاد الأنظار عن
تلك الميزة والمنزلة الخاصة التي أعطاها
الله ورسوله لأهل البيت صلى الله عليه وآله وسلم بوصفهم
المستحقين الحقيقيين لعرش الخلافة الإسلامية .
ويقول ابن عرفة المعروف
بنفطويه في هذا الصدد : ( إن أكثر الأحاديث في فضائل الصحابة قد افتعلت في أيام
بني أمية تقربا " إليهم بما يظنون أنهم يرغمون أنوف بني هاشم ، وقد
صيغت بأسلوب يجعل من كل صحابي قدوة صالحة لأهل الأرض ،
وتصب على كل من سب أحدا " منهم أو أتهمه بسوء كما جاء فيما
رووه عن أنس بن مالك : ( من سب أحدا " من
أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، ومن
عابهم أو أنتقصهم فلا تواكلوه لا تشاربوه ولا تصلوا عليه ) وقد جاءت بهذا
الأسلوب ولم تفرق بين صحابي وصحابي )
( 1 ).
| |
( 1 ) ابن أبي الحديد ، شرح
نهج البلاغة ، أنظر ص 13 ، 15 ، 16 . ( * )
|
|
|
وهكذا شاعت أحاديث الفضائل ، وأعطيت الأوصاف والألقاب
لهذا وذاك ، والتي تناقلها المسلمون عبر الأجيال وكأنها من المسلمات التي لا
يمكن أن يتطرق إليها أي شك .
ومن ذلك ما زعم أن الرسول صلى
الله عليه وآله وسلم قال في معاوية كما يشهد ويثبت له البخاري في صحيحه أنه -
فقيه ! - ، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال في وصف صحابي
آخر : سيف الله المسلول ، وقيل في ثالث أنه أمين هذه
الأمة ، وفي رابع أنه جرها ، وفي خامس أنه صديقها ، وفي سادس أنه فاروقها ، وفي
سابع أنه ذو النورين ، حتى أصبح جميع الصحابة أنوارا " كما في الحديث المزعوم :
( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) .
والصحابي عند جمهور المسلمين كما
يصفه علماء أهل السنة هو : ( كل مسلم رأى رسول الله ولو لحظة )
( 1 )
.
ويؤكد الشيخ النووي هذا التعريف في شرحه على صحيح
مسلم بقوله : ( وهذا هو الصحيح في حده ، وهو مذهب ابن حنبل والبخاري في صحيحه
والمحدثين كافة )
( 2 )
.
بل ذهب بعضهم إعطاء صفة الصحبة للذين لم يروا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم
ولكن أسلموا في حياته
( 3 )
.
وبالنسبة لدرجة المفاضلة بين الصحابة يقول أبو
منصور البغدادي : ( أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور ، ثم تمام
العشرة المبشرين بالجنة ، ثم أهل بدر ثم أحد ثم بيعة
الرضوان ، وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار ، وكذلك السابقون الأولون وهم
من صلى إلى القبلتين )
( 4 )
.
وبالطبع فإن بعض هذه الدرجات تشمل حتى من اشتهروا بالبغي والفجور
| |
( 1 ) النووي في مقدمة شرحه على صحيح مسلم
، ج 1 ص 28 .
( 2 ) المصدر نفسه .
( 3 ) التدريب للسيوطي ص 213 نقلا " عن
شرح التلقيح للقرافي .
( 4 ) النووي في شرحه على صحيح مسلم ، ج
5 ص 242 . ( * )
|
|
|
كمعاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة كما يذكر
القاضي عياض على سبيل المثال : ( وأما معاوية
( رض )
فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء ، رضي الله عنه )
( 1 )
.
على أن المشكلة ليست في مجرد إعطاء الأوصاف والألقاب ودرجات التفضيل ، فلو أن
الناس اختلفوا مثلا " حول درجة فضل مجموعة أشخاص وتقواهم كسقراط أو بطليموس لما
كان الأمر يهم في شئ ، لأن ذلك يعد مفضول البحث وترفه .
ولكن سبب اهتمامنا بما يخص حقيقة الصحابة وما جرى
بينهم هو اعتبار عامة المسلمين لهم نموذجا " يقتدى به على مر الأجيال أو كما
وصفهم الشهيد سيد قطب في كتابه معالم في
الطريق بأنهم ( جيل قرآني فريد ) ، بحيث أصبح من مقتضيات هذه القدسية اعتبار كل
ما عمله الصحابة سنة ، والوثوق بكل ما قالوه أو نقلوه أو فسروه أو اجتهدوه جزءا
من شريعة الإسلام ينبغي الاقتداء به في كل زمان ومكان .
وهذا يظهر من تعليق القاضي عياض على سبيل المثال
: ( وأما الحروب التي جرت بينهم فكانت لكل طائفة شبهة ، اعتقدت تصويب أنفسهم
بسببها ، وكلهم عدول ( رضي الله عنهم ) ،
ومتأولون في حروبهم وغيرها ، ولم يخرج شئ من ذلك أحدا " منهم عن العدالة لأنهم
مجتهدون ، اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد ، كما يختلف المجتهدون بعدهم في
مسائل من
الدماء وغيرها . ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم . وأعلم أن سبب تلك أن القضايا
كانت مشتبهة ، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم . . . فكلهم معذورون ( رضي الله
عنهم ) ، ولهذا
اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم وروايتهم ، وكمال
عدالتهم رضي الله عنهم أجمعين )
( 2 )
.
| |
( 1 ) المصدر السابق .
( 2 ) المصدر نفسه ، ج 5 ص 242 - 243 . ( * )
|
|
|
ويقول أحد المعاصرين : (
عمل الصحابة حجة على من جاء بعدهم من المجتهدين وغيرهم ، ولا يضر اختلافهم في
المسائل المجتهد فيها ، فلا يقال : إن ذلك يترتب عليه تضارب الحجج،
لأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال : في بعض ما روي
عنه : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم )
( 1 )
.
وقد وصل التطرف والغلو بقدسية الصحابة إلى درجة
تفضيل معاوية ( وهو الخليفة غير راشد ( ! ) الذي تلطخت يداه بدماء آلاف
الأبرياء، وعلى يديه عادت الحياة الجاهلية بأقبح صورها
إلى واقع المسلمين ) على الخليفة عمر بن عبد العزيز والمعتبر من الراشدين ، لا
لشئ إلا لكون معاوية صحابي وعمر تابعي ، بالرغم من كل ما اشتهر به عمر من تقوى
وعدل ، بحيث تكون مقارنته بمعاوية في واقع الحال كمقارنة ملاك بشيطان !
ويظهر هذا التطرف جليا بقول ابن كثير : ( إن يوما
" واحدا " من أيام معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير من عمر بن
عبد العزيز وأهل بيته ! )
( 2 )
،
وللشيخ ابن تيمية في هذا الصدد قول أكثر تطرفا "
.
لمتابعة الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
| |
( 1 ) د . رويعي الرحيلي ، فقه عمر بن الخطاب
، ج 1 ص 59 .
( 2 ) الحافظ ابن كثير ، الباعث الحثيث ،
ص 181 . ( * )
|
|
|
|