|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 260 : |
4 - الأشاعرة :
ومؤسس هذه الفرقة هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (
260 - 324 هجرية ) الذي ينحدر من نسل الصحابي أبي موسى الأشعري أحد الحكمين يوم
صفين .
وقد كان تلميذا " عند أحد
مشاهير المعتزلة وهو الشيخ أبو علي الجباني قبل انشقاقه عنهم وإعلانه براءته من
الاعتزال ، وذلك بمقولته الشهيرة في المسجد الجامع بالبصرة يوم جمعة
حيث نادى أمام الناس بأعلى صوته : ( من عرفني فقد عرفني
، ومن لم يعرفني فأنا أعرفه نفسي ، أنا فلان بن فلان ، كنت قلت بخلق القرآن ،
وأن الله لا يرى بالأبصار وأن أفعال الشر أنا أفعلها ، وأنا تائب مقلع ، معتقد
للرد على المعتزلة )
( 1 )
.
| |
( 1 ) فهرست ابن
النديم ص 271 . ( * )
|
|
|
ثم أعلن الأشعري اعتناقه لعقائد أهل الحديث كمبدء جديد
له حيث قال : ( قولنا الذي نقول به ، وديانتنا التي ندين بها : التمسك بكتاب
ربنا عز وجل ، وسنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم
وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة أهل الحديث ونحن
بذلك معتصمون ، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن حنبل قائلون ، ولمن خالف
قوله مجانبون لأنه الإمام الفاضل والرئيس
الكامل الذي أبان الله به الحق ، ودفع به الضلال ، وأوضح
به المنهاج ، وقمع به المبتدعين وزيغ الزائغين ، وشك الشاكين )
( 1 )
.
وقد أصبح للأشعري أتباع عندما أدخل على معتقدات
فرقة أهل الحديث تعديلات وإصلاحات بإضافة العنصر العقلي في البرهان والإثبات ،
ذلك أن أهل الحديث كانوا يحرمون الخوض
في العقائد الإسلامية عن طريق تقديم الأدلة العقلية والبراهين الفلسفية ،
ويكتفون بالمعاني الظاهرية للنصوص حتى لو خالفت المنطق والعقل ، وهم بذلك على
عكس المنهج الاعتزالي
الذي يعطي العقل الوزن الأكبر في إثبات العقائد ، وتأويل الآيات والروايات في
حال مخالفة معانيها الظاهرية للمنطق العقلي .
وقد لاقت إصلاحات الأشعري قبول عامة الناس
والسلطة الحاكمة حتى أصبح مذهب الأشاعرة المذهب الرسمي للدولة العباسية وطغى
على المذاهب الاعتقادية الأخرى .
ومن أمثلة هذه الإصلاحات تنزيه الله سبحانه
وتعالى عن كونه جسما " بالصورة التي يعتقدها أهل الحديث ، فبالرغم من أن
الأشعري لم يؤول الآيات والأحاديث التي يقول ظاهرها بأن لله
يدا " ورجلا " واستواء على العرش ، إلا أنه أضاف كلمة خاصة أخرجته من مغبة
التجسيم والتشبيه وهي أن لله سبحانه هذه الصفات لكن بلا تشبيه ولا تكييف ، وقال
: النزول صفة من صفاته ،
| |
( 1 ) جعفر السبحاني ، بحوث في الملل والنحل
، ج 1 ص 170 - 71 . ( * )
|
|
|
والاستواء صفة من صفاته ، وفعل من أفعاله في العرش يسمى
الاستواء
( 1 )
.
وبشأن رؤية الله قال : يرى من غير حلول ولا حدود ولا تكييف
( 2 )
.
ومن إصلاحاته في فهم القضاء والقدر ، فإنه لما
كان قول أهل الحديث بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق لأفعال العباد خيرها
وشرها يعني أن الإنسان مجبور في أفعاله ولا معنى عندئذ
للحساب والعقاب ، فإن الأشعري حاول أن يعالجه بالقول أن الله سبحانه وتعالى هو
الخالق للفعل ، ولكن العبد هو الكاسب له . ويقصد بذلك أن كل فعل صادر من
الإنسان يشتمل على
جهتين : جهة الخلق وجهة الكسب ، فالخلق والإيجاد منه سبحانه وتعالى ، والاكتساب
من الإنسان .
وفي الحقيقة أن هذا التلاعب بالألفاظ لم يصلح من
الأمر شيئا "، وقد عد الأشعري من القائلين بالجبر أيضا " لاعترافه بأن الله هو
خالق فعل العبد خيره وشره ، حيث أن ( الكسب ) الذي قال فيه لن يغير في شئ أصبح
مخلوقا " .
وبالرغم من أن الإمام الأشعري تبنى إلى حد كبير
عقائد أهل الحديث وكان مناصرا " لهم ، إلا أنه لقي منهم ، لا سيما الحنابلة
التحامل عليه ، وعلى أتباعه من بعده التنكيل والنفي والقتل
لأنه اتبع أسلوب الوسط بين المعتزلة وأهل الحديث ، واتهموه بالتأثر بمذهب
الاعتزال لمجرد محاولته إقحام العقل في مسائل العقيدة
( 3 )
.
ولما جاء دور الخليفة العباسي القادر سنة 508 هجرية
( 4 )
، تدخل رسميا " لإنهاء النزاع كله ، وجمع أهل الحديث وأنصارهم من الأشاعرة لوضع
كتاب خاص للعقائد .
وانتشر منذ ذلك الحين مذهب الأشاعرة بشكل واسع
بين جمهور أهل السنة وأصبح التقليد في العقائد مرفوضا " من قبل السلطة .
| |
( 1 ) المصدر نفسه .
( 2 ) الألكاني ، شرح أصول السنة ، ص 108
.
( 3 ) مفيد الفقيه ، العقل في أصول الدين
، ص 32 .
( 4 ) ابن خلكان ، وفيات الأعيان ، ج 3 ،
ص 398 . ( * )
|
|
|
وقد انشقت عن الأشاعرة فرقة الماتريدية وهي
نسبة إلى أبي منصور الماتريدي السمرقندي المتوفى سنة 322 هجرية ، وكان أحد
تلامذة الإمام أبو الحسن الأشعري .
ولم تختلف مع الأشاعرة إلا باختلافات طفيفة كان
فيها ميلا " نحو المعتزلة . وقد انقرضت هذه الفرقة مع الأيام .
|