5 - السلفية والوهابية :
فأما السلفية فهي حركة ظهرت في أواخر القرن السابع الهجري
على يد أحمد بن تيمية كرد فعل على الإصلاحات العقلية التي أدخلها الإمام
الأشعري على عقائد أهل الحديث ، واعتبر
ابن تيمية ، والذي كان من فقهاء الحنابلة أن تلك
الإصلاحات خروجا " عن السنة ، فعمل على إحياء عقائد أهل الحديث مستنكرا
التأويلات التي قدمها الأشاعرة للأحاديث التي أخذت منها تلك العقائد .
وأطلق ابن تيمية على طريقته
عنوان ( منهاج السلف الصالح ) ، فعرفت دعوته بالسلفية لأنه كان يدعو إلى العودة
إلى سيرة السلف الصالح والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله
عليه وآله وسلم والتي - على رأيه - حاد عنها الأشاعرة
والفرق الأخرى ، ولم يقف عند هذا الحد ، بل عمل على إظهار عقائد جديدة لم يناد
بها ابن حنبل ولا أحد قبله ، كقوله بأن السفر
لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والاحتفال
بمولده الشريف والتبرك بآثاره والتوسل به وبأهل بيته وزيارة القبور بدعا "
وشركا " ومخالفة لعقيدة التوحيد ، وأنكر كثيرا " من الفضائل الواردة في أهل
البيت عليه السلام المروية في الصحاح والمسانيد .
وبسبب هذه التعديلات والإضافات ، فقد عد ابن تيمية عند
أتباعه مجددا " عظيما " ولقبوه بشيخ الإسلام . ولكن دعوته على مستوى الأمة لم
تلاق القبول وبقيت محصورة في مناطق
محدودة من الشام ومصر ، وقد تصدى للرد عليه فقهاء ومحققو
أهل السنة والفرق الأخرى ، وسجن في مصر لسنة ونصف لإدانته بالتجسيم والتشبيه ،
ثم سجن ثانية في دمشق حيث
أدركته المنية هناك عام 728 هجرية . وما لبثت دعوته أن
خبت وضعفت بعد حقبة قصيرة من الزمن .
وأما الوهابية ، فهي حركة ظهرت في القرن الثاني عشر
الهجري على يد محمد بن عبد الوهاب ( 1115 - 1206 هجرية ) ، وعملت على إحياء
ونشر الفكر السلفي لابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية في الجزيرة العربية،
والذي تسرب لاحقا " إلى بلاد إسلامية أخرى.
وكان ابن عبد الوهاب أكثر حدة وتعصبا
" من ابن تيمية ، حيث قام بتكفير عامة المسلمين ممن ليسوا على طريقته ، بدعوى
الشرك وعدم إخلاص التوحيد لله ، ودعا إلى إزالة ما يرونه بدعا " بقوة السيف .
ومن ذلك تهديمهم لآثار أهل البيت
النبوي في مكة والمدينة . وقامت قبيلة آل سعود باستغلال هذا الفكر
المتطرف فأعلنوا اعتناقهم لمذهب السلفية ، وشكلوا تحالفا " مع حركة ابن عبد
الوهاب مما ساعدهم على احتلال معظم أجزاء الجزيرة
العربية ، والتي أنشأوا فيها لاحقا " وبالتعاون مع بريطانيا ما يعرف اليوم باسم
المملكة العربية السعودية .
وبعد أن كانت هذه الحركة
محصورة في بدايتها ضمن نطاق الجزيرة العربية ، إلا أنها أصبحت اليوم وبفضل
إمكانيات الدولة السعودية تتمتع بامتدادات واسعة في مناطق عديدة من العالم
الإسلامي .
وبالرغم من أن الوهابيين
يطرحون حركتهم كحركة إصلاحية ، إلا أن علماء المسلمين من أهل السنة قبل غيرهم
قد تصدوا للرد على ابن عبد الوهاب وتفنيد عقائده وأفكاره ومن ضمنهم أخيه سليمان
بن عبد الوهاب في كتابه ( الصواعق الإلهية ) .
وفيما يلي نذكر عينات من أفكار
شيخ الإسلام ابن تيمية وأقواله التي تعد الركن الأساس في فهم العقائد الإسلامية
وطرحها على الطريقة السلفية والوهابية :
ففي مجموعة رسائله ( الحموية )
في العقيدة يقول ابن تيمية : أن جميع النصوص تدل على أن الله فوق العرش في أعلى
السماء ، وأنه يمكن الإشارة إلى جهته بالأصابع ، وأنه يرى يوم القيامة ، وأن
الله يضحك ، وإذا أنكر أحد
وجود الله على العرش في أعالي السماوات وجب حمله على
التوبة ، وإذا لم يتب وجب ضرب عنقه ،
ويقول أيضا " : أن
التأويلات التي وردت بهذا الشأن مثل تأويل الآية (
الرحمن على العرش استوى ) [ طه / 5 ] بمعنى استولى ، هو تأويل باطل .
وبالرغم أن ابن تيمية طعن بمن يقولون بالتجسيم صراحة ، وضعف
الأحاديث التي يستندون عليها ، إلا أنه يؤكد أن لله جوارح كاليد والعين والوجه
والأصابع والرجل ولكن ليس كجوارح المخلوقات