- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 263 :

 5 - السلفية والوهابية :


فأما السلفية فهي حركة ظهرت في أواخر القرن السابع الهجري على يد أحمد بن تيمية كرد فعل على الإصلاحات العقلية التي أدخلها الإمام الأشعري على عقائد أهل الحديث ، واعتبر

ابن تيمية ، والذي كان من فقهاء الحنابلة أن تلك الإصلاحات خروجا " عن السنة ، فعمل على إحياء عقائد أهل الحديث مستنكرا التأويلات التي قدمها الأشاعرة للأحاديث التي أخذت منها تلك العقائد .


وأطلق ابن تيمية على طريقته عنوان ( منهاج السلف الصالح ) ، فعرفت دعوته بالسلفية لأنه كان يدعو إلى العودة إلى سيرة السلف الصالح والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله

عليه وآله وسلم والتي - على رأيه - حاد عنها الأشاعرة والفرق الأخرى ، ولم يقف عند هذا الحد ، بل عمل على إظهار عقائد جديدة لم يناد بها ابن حنبل ولا أحد قبله ، كقوله بأن السفر

لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والاحتفال بمولده الشريف والتبرك بآثاره والتوسل به وبأهل بيته وزيارة القبور بدعا " وشركا " ومخالفة لعقيدة التوحيد ، وأنكر كثيرا " من الفضائل الواردة في أهل البيت عليه السلام المروية في الصحاح والمسانيد .


وبسبب هذه التعديلات والإضافات ، فقد عد ابن تيمية عند أتباعه مجددا " عظيما " ولقبوه بشيخ الإسلام . ولكن دعوته على مستوى الأمة لم تلاق القبول وبقيت محصورة في مناطق

محدودة من الشام ومصر ، وقد تصدى للرد عليه فقهاء ومحققو أهل السنة والفرق الأخرى ، وسجن في مصر لسنة ونصف لإدانته بالتجسيم والتشبيه ، ثم سجن ثانية في دمشق حيث

أدركته المنية هناك عام 728 هجرية . وما لبثت دعوته أن خبت وضعفت بعد حقبة قصيرة من الزمن .

- ص 263 -

وأما الوهابية ، فهي حركة ظهرت في القرن الثاني عشر الهجري على يد محمد بن عبد الوهاب ( 1115 - 1206 هجرية ) ، وعملت على إحياء ونشر الفكر السلفي لابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية في الجزيرة العربية، والذي تسرب لاحقا " إلى بلاد إسلامية أخرى.


وكان ابن عبد الوهاب أكثر حدة وتعصبا " من ابن تيمية ، حيث قام بتكفير عامة المسلمين ممن ليسوا على طريقته ، بدعوى الشرك وعدم إخلاص التوحيد لله ، ودعا إلى إزالة ما يرونه بدعا " بقوة السيف .


ومن ذلك تهديمهم لآثار أهل البيت النبوي في مكة والمدينة . وقامت قبيلة آل سعود باستغلال هذا الفكر المتطرف فأعلنوا اعتناقهم لمذهب السلفية ، وشكلوا تحالفا " مع حركة ابن عبد

الوهاب مما ساعدهم على احتلال معظم أجزاء الجزيرة العربية ، والتي أنشأوا فيها لاحقا " وبالتعاون مع بريطانيا ما يعرف اليوم باسم المملكة العربية السعودية .


وبعد أن كانت هذه الحركة محصورة في بدايتها ضمن نطاق الجزيرة العربية ، إلا أنها أصبحت اليوم وبفضل إمكانيات الدولة السعودية تتمتع بامتدادات واسعة في مناطق عديدة من العالم الإسلامي .


وبالرغم من أن الوهابيين يطرحون حركتهم كحركة إصلاحية ، إلا أن علماء المسلمين من أهل السنة قبل غيرهم قد تصدوا للرد على ابن عبد الوهاب وتفنيد عقائده وأفكاره ومن ضمنهم أخيه سليمان بن عبد الوهاب في كتابه ( الصواعق الإلهية ) .


وفيما يلي نذكر عينات من أفكار شيخ الإسلام ابن تيمية وأقواله التي تعد الركن الأساس في فهم العقائد الإسلامية وطرحها على الطريقة السلفية والوهابية :


ففي مجموعة رسائله ( الحموية ) في العقيدة يقول ابن تيمية : أن جميع النصوص تدل على أن الله فوق العرش في أعلى السماء ، وأنه يمكن الإشارة إلى جهته بالأصابع ، وأنه يرى يوم القيامة ، وأن الله يضحك ، وإذا أنكر أحد
 

- ص 264 -

وجود الله على العرش في أعالي السماوات وجب حمله على التوبة ، وإذا لم يتب وجب ضرب عنقه ،

ويقول أيضا " : أن التأويلات التي وردت بهذا الشأن مثل تأويل الآية ( الرحمن على العرش استوى ) [ طه / 5 ] بمعنى استولى ، هو تأويل باطل .


وبالرغم أن ابن تيمية طعن بمن يقولون بالتجسيم صراحة ، وضعف الأحاديث التي يستندون عليها ، إلا أنه يؤكد أن لله جوارح كاليد والعين والوجه والأصابع والرجل ولكن ليس كجوارح المخلوقات
( 1 ) .


وأما فيما يتعلق بمواقفه من أهل البيت عليه السلام وأعدائهم الأمويين ، فإنه يقول في ذكره لحروب الإمام علي عليه السلام : ( وعلي ( رض ) لم يكن قتاله يوم الجمل وصفين بأمر من

النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما كان رأيا " له ، وهو الذي ابتدأ أهل صفين بالقتال ، وعلي إنما قاتل الناس على طاعته ، لا على طاعة الله ) .


ويضيف قائلا " : ( فمن قدح في معاوية بأنه كان باغيا " ، قال له النواصب : وعلي أيضا " كان باغيا " ظالما " قاتل المسلمين على إمارته وصال عليهم . فمن قتل النفوس على طاعته

كان مريدا " للعلو في الأرض والفساد ، وهذا حال فرعون ، وليس هذا كقتال أبي بكر الصديق للمرتدين ومانعي الزكاة ، فالصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله ، لا على طاعته ، فإن الزكاة فرض فقاتلهم على الإقرار بها ، بخلاف من قاتل ليطاع هو ) ( 2 ) .


وأما في معاوية ابن أبي سفيان، فإنه يقول :( فلم يكن ملك من ملوك المسلمين خير من معاوية ، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيرا " منهم في زمن معاوية ) ، ثم ذكر روايتين

الأولى تصف معاوية أنه فقيه ، والثانية على لسان أبي الدرداء بقوله : ما رأيت أحدا " أشبه صلاة بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من إمامكم هذا ، يعني معاوية ( 3 ) .
 

 

( 1 ) العقيدة الحموية الكبري لابن تيمية .
( 2 ) صائب عبد الحميد ، ابن تيمية : حياته : وعقائده ، ص 322 ، نقلا " عن منهاج السنة .
( 3 ) ابن تيمية ، منهاج السنة ، ج 6 ص 222 ، 235 . ( * )

 

 

- ص 265 -

وهكذا فقد عرف ابن تيمية بدفاعه الصريح عن أعداء أهل البيت صلى الله عليه وآله وسلم وبكل ما أوتي من قدرة على الجدال والالتفاف حول الكلمات والعبارات ، ومختلقا " لهم

الأعذار ومبررا " عداءهم لأهل البيت عليه السلام . ومن ذلك دفاعه عن يزيد بقوله : وما يدريك لعله تاب قبل موته . وقد صنف كتابا " أسماه ( فضائل معاوية وأنه لا يسب ) .

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب