- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 279 :

رابعا " : المعتزلة


وهي فرقة كبيرة تأسست على يد الشيخ واصل بن عطاء ( 80 - 131 هجرية ) أحد أبرز تلامذة الحسن البصري الذي كان يعقد مجالسه الكلامية للرد على بدع الخوارج وأضاليلهم .


وفي سبب تسميتها بالمعتزلة عدة أقوال أرجحها هو ما يروى عن اعتزال واصل بن عطاء لمجلس الحسن البصري بعد أن دب خلاف بينهما في مسألة المصير الأخروي للمسلم الذي

يرتكب الكبيرة ( 1 )  ، أو بصورة خاصة مصير المسلمين الذين شاركوا في قتل الخليفة عثمان ( 2 ) ، هل بقوا على إيمانهم أم أصبحوا بحكم الكفار ؟


فكان رأي البصري إنهم منافقون ، وأما واصل فقد كان رأيه إنهم ليسوا كفارا " ولا مؤمنين وإنما بمنزلة بين المنزلتين .


وقد اشتهرت المعتزلة من بين جميع الفرق الإسلامية باعتمادهم على العقل والمنطق لا غير في تحصيل مبادئ الإسلام ومعتقداته وأحكامه .


ويسمون أيضا " بالمفوضة لقولهم بتفويض الإنسان في جميع أفعاله بصورة مطلقة ودون أي تدخل من الإرادة الإلهية .


وأصول الاعتقاد عند المعتزلة خمسة هي ( 3 ) :


 1 - التوحيد : ويراد منه العلم بأن الله واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من صفات نفيا " وإثباتا " ، والتوحيد بذلك عندهم رمز لتنزيهه سبحانه عن شوائب الإمكان والتجسيم والتشبيه

وإمكان الرؤية وطروء الحوادث عليه ، وعندهم لا قديم مع الله ومنها قالوا إن القرن مخلوق وليس قديما " .
 

 

( 1 ) شريف الأمين ، معجم الفرق الإسلامية ، ص 35 .
( 2 ) محمد إبراهيم ، أئمة المذاهب الأربعة ، ص 35 .
( 3 ) جعفر السبحاني ، بحوث في الملل والنحل ، ج 3 ص 291 - 416 ( بتصرف ) . ( * )

 

 

- ص 2794 -

 2 - العدل : ويراد منه تنزيه الله عن الظلم عند محاسبة العباد على أفعالهم . فهو لا يكلف العباد ما لا يطيقون ، بل يعلمهم ويبين لهم صفة ما كلفهم به وكيفيتهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة .


 3 - الوعد والوعيد : ويراد منه أن الله تعالى وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب وأنه يفعل ما وعد وتوعد به لا محالة ، ولا يجوز الخلف لأنه يستلزم الكذب . وعلى ضوء هذا الأصل حكموا بتخليد مرتكب الكبائر في النار إذا مات بلا توبة .


 4 - المنزلة بين المنزلتين : ويراد بها أن مرتكب الكبيرة لا يسمى كافرا " كما يقول الخوارج ، ولا يسمى مؤمنا " كما هو عليه جمهور المسلمين وإنما يسمى فاسقا " . فلا تكون منزلته بحكم الكافر ولا بحكم المؤمن وإنما بين المنزلتين .


 5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : يرى المعتزلة أن وجوبهما يعرف عقلا " خلافا " لجمهور المسلمين سنة وشيعة ، الذين قالوا لولا النص الشرعي لما كان دليلا " على الوجوب


وقد تميزت المعتزلة بجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول الدين الذي لا يتم إلا به ، وهذا يقتضي قيامهم ضد الحاكم الجائر في حالة توفر القدرة لذلك .


ولربما كان هذا أحد أسباب اضطهاد الدولة الأموية لعلماء المعتزلة وملاحقتهم . وأما فيما يتعلق بالنبوة والإمامة ، فهم يوافقون أهل السنة في ذلك .


وقد لاقى مذهب الاعتزال رواجا " كبيرا " في العراق ووصل إلى بلاد بعيدة كالمغرب واليمن وخراسان وأرمينية .


وانقسم المعتزلة إلى مدرستين رئيسيتين هما مدرسة البصرة ومدرسة بغداد ، ولكل منهما منهجها الخاص في تحليل المسائل الاعتقادية .


وتشعبت إلى فرق عديدة أشهرها الواصلية والهذلية والنظامية والجاحظية والبشرية والتمامية والشيطانية وغيرها كثير .
 

- ص 280 -

وبلغ الاعتزال أوجه زمن العباسيين عندما اعتنق المذهب بعض الخلفاء كان أولهم المأمون ثم المعتصم والواثق الذين أخذوا يجبرون الناس على الاعتقاد بعقائد المعتزلة حتى بلغ التعصب

لدرجة الجلد وأحيانا " كثيرة قتل كل من يقول بعدم خلق القرآن، وقد أريقت دماء كثيرة تبعا " لذلك ، حتى عرفت هذه المعضلة تاريخيا " باسم ( محنة خلق القرآن ) ، وكان من ضحاياها

الإمام أحمد بن حنبل الذي حبس زمن الخليفة الواثق وجلد ألف جلدة حتى كاد أن يموت ولكنه لم يغير رأيه . وعندما جاء الخليفة المتوكل لم تعجبه عقائد المعتزلة ، وكان على خلاف من

قبله يميل نحو الأشاعرة ، فعمل على تقريبهم منه ، ونشر مذهبهم في مختلف الولايات حتى صارت الأشعرية دين الدولة الرسمي والممثلة لعقائد أهل السنة والجماعة ( 1 ) .


ومنذ ذلك الحين ، انقلبت الدائرة على علماء المعتزلة حيث مارست السلطات ضدهم الضغط والمطاردة ، فكانت هذه الإجراءات ضربة قاصمة لفرقة المعتزلة والتي ما لبثت أن ضعفت حتى كانت نهايتها الانقراض .


ولم يعد للمعتزلة في أيامنا أي وجود كفرقة دينية أو مذهب إسلامي مستقل . وهذا لا يعني اضمحلال الفكر الاعتزالي نهائيا " من عقول المسلمين ، فقد بدأت في العصر الحديث ميول جديدة في بعض أوساط المثقفين من أهل السنة نحو المنهج العقلي الذي يتميز به المعتزلة .


وقد يكون تفسير هذه الميول على أنها رد فعل على تفشي ظاهرة التحجر والجمود في أطروحات بعض التيارات الإسلامية المعاصرة التي أعدمت العقل وأظهرت الإسلام وكأنه دين لا يصلح إلا للعصور القديمة وسكنة البوادي .


وهذا أحمد أمين يسجل رأيا لصالح المعتزلة حيث يقول بشأن حرية الإرادة : ( وقالت المعتزلة بحرية الإرادة وغلوا فيها أمام قوم سلبوا الإنسان
 

 

( 1 ) شريف الأمين ، معجم الفرق الإسلامية ، ص 35 . ( * )

 

 

- ص 281 -

إرادته حتى جعلوه كالريشة في مهب الريح أو الخشبة في اليم . وعندي أن الخطأ في القول بسلطان العقل وحرية الإرادة والغلو فيهما خير من الغلو في أضدادهما ، وفي رأيي أنه لو

سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلهم الجبر ، وقعد بهم التواكل ) ( 1 ) .


وفي مسألة التوحيد يقول : ( وقد كانت نظرتهم في توحيد الله نظرة في غاية السمو والرفعة ، فطبقوا قوله تعالى : ( ليس كمثله شئ ) أبدع تطبيق ، وحاربوا النظريات الوضعية من مثل نظريات الذين جعلوا الله تعالى جسما " ) ( 2 ) .


ويضيف أحمد أمين في مقال خاص بمدح المعتزلة تحت عنوان المعتزلة والمحدثون : ( كان للمعتزلة منهج خاص أشبه ما يكون بمنهج من يسميهم الفرنج ( العقليين ) عمادهم الشك أولا " والتجربة ثانيا " ، والحكم أخيرا " .


وللجاحظ في كتابه ( الحيوان ) مبحث طريف عن الشك . وكانوا وفق هذا المنهج لا يقبلون الحديث إلا إذا أقره العقل ، ويؤولون الآيات حسب ما يتفق والعقل كما فعل الزمخشري في كتابه ( الكشاف ) .


ويقابل هذا المنهج منهج المحدثين ، وهو منهج يعتمد على الرواية ، لا على الدراية ، ولذلك كان نقدهم للحديث نقد سند لا متن ، ومتى صح السند صح المتن ولو خالف العقل ، وقل أن

نجد حديثا " نقد من ناحية المتن عندهم ، وإذا عرض عليهم أمرا " رجعوا إلى الحديث ولو كان ظاهرة لا يتفق والعقل ، كما يتجلى مذهب الحنابلة . . . ) ( 3 ) .
 

 

( 1 ) أحمد أمين ، ضحى الإسلام ، ص 70 .
( 2 ) المصدر نفسه ، ص 68 .
( 3 ) رسالة الإسلام التي تصدرها ( دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ) . بالقاهرة : العدد الثالث من السنة الثالثة .

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب