- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 298 :

 3 - عزل الدين عن الدولة


يرى عامة المسلمين أن فصل الدين عن الدولة قد أدخل إلى عالمنا الإسلامي عام 1924 م عندما تم القضاء على الخلافة العثمانية .

وهذا الكلام يصح على الدين الظاهري الصوري الذي كان يدين به السلاطين العثمانيون كما ورثوه من أسلافهم ، وأما إذا تحدثنا عن الإسلام بأصالته وواقعيته ، فقد تم فصله جزئيا "

عن حياة المسلمين منذ أن تنازع المهاجرون والأنصار الزعامة في سقيفة بني ساعدة ، ثم اكتمل هذا الفصل وبصورة واقعية باعتلاء معاوية بن أبي سفيان عرش الخلافة والحكم ،

وتحويل هذا المنصب إلى أداة لتحقيق أحلام جاهلية ، وفرصة للاستغراق في المزيد من الملذات واللهو .
 

وبالطبع ، فكل ذلك على حساب نشر قيم الإسلام وتعاليمه ، بل وتجاوزوا ذلك بمحاولاتهم وبكل ما أوتوا من جهود للقضاء التام على تلك القيم والتعاليم .
 

وكان من ضمن تلك الجهود كما بينا سابقا " دورهم الكبير في تنشيط ظاهرة وضع الحديث وتزويره ، وتأويل آيات الكتاب بما يتمشى ومصالحهم الخاصة .


والأمويون هم الذين اختلقوا قصة تأبير النخل والتي زعم فيها أن

- ص 299 -

النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أنتم أعلم بأمور دنياكم ) ( 1 ) أريد من وراء هذه الكلمات المنسوبة كذبا " على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عزل الدين عن حياة الناس ، وإن كان حقا " عدم تدخل الشرع الإلهي بطريقة تلقيح النخل وغيره .


ويقرر المرحوم الغزالي أن عزل الدين عن الدولة في المجتمع الإسلامي قد تم منذ أمد بعيد بقوله : ( ومن النكسات التي أصابت جماعة المسلمين وأوهنت قواهم من قديم انفصال الحكم

عن العلم ، وسير كل منهما في مجرى اختص به . . . ومن هذا الانفصال ورث المسلمون المعاصرون مشكلتين جديرتين بالنظر العميق ، الأولى : هجرة العقول الكبيرة إلى الغرب ، والثانية : رداءة الأوعية الحاملة للفقه ، وطلبها للدنايا تحت أقدام [ الحكام ] المستبدين ) ( 2 ).
 

ويضيف مؤكدا " ضرورة عدم وجود مثل هذا العزل : ( إن المرء ليغوص في بحار الحيرة عندما يرى كرادلة العالم النصراني يختارون أدهاهم وأذكاهم وأجلدهم على خدمة الدين ،

وعندما يرى معتنقي الشيوعية يختارون أقدرهم وأمهرهم وأشجعهم على خدمة المذهب ، على حين يقود المسلمين على مر التاريخ رجل أعظم مؤهلاته أنه ينتمي إلى المأسوف على شبابه

أمية بن حرب - يقصد حكام الدولة الأموية - أو ابن الصحابي المعروف عباس بن عبد المطلب - يقصد حكام الدولة العباسية - أو ابن الأناضول عثمان بن هيان بن بيان ! - يقصد حكام الدولة العثمانية - .


إن أولئك الخلفاء لا ترشحهم مواهبهم الخاصة لمنصب ذي بال ، وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله إلا ما يحارب هذا المسلك ، بيد أن تقاليد العرب أعوجت بتعاليم الإسلام كرها " ودفعتها في هذا المجرى ) ( 3 ) .
 

 

 ( 1 ) مر ذكر مصادرها هذا الحديث في الفصل الأول من هذا القسم .
( 2 ) محمد الغزالي ، مائة سؤال عن الإسلام ، ج 2 ص 351 ، 358 .
( 3 ) المصدر السابق ، 357 . ( * )

 

 

- ص 300 -

ويفهم من ذلك أنه يستحيل أن يتوفر عندنا نظام إسلامي دون أن يكون رأس هذا النظام من المسلمين العالمين بعقائد الإسلام وأحكامه ، والمطبقين لتعاليمه ، ليس فقط على مستوى

الشعائر والطقوس العبادية ، وبل وقبل ذلك وأكثر أهمية تطبيق العدالة الاجتماعية ، وتجسيد أخلاقية الإسلام في جميع العلاقات والشؤون ، وما دون ذلك فهو ليس بالإسلام الذي نادى به محمد صلى الله عليه وآله وسلم .


وهذه المعايير لم يعمل النظام الأموي على بمخالفتها فقط ، بل عمل على قلتها ونشر نقائضها من الظلم الاجتماعي ، وإحياء النعرات الجاهلية وتشويه التعاليم الإسلامية ومسخها .


وإن كان هناك دين قد طبق ، فهو الدين الذي شرعه معاوية ، والذي كان من سننه المؤكدة ختم كل خطبة جمعة وعيد بسب الإمام علي ولعنه ! ، ولم يكن من هذا الدين في واقع الأمر

سوى تطبيقات شكلية لمختلف الشعائر والطقوس ، وقد أفرغت معانيها من روحية الإسلام وجوهره ، وأفقدت بالتالي الغايات التي شرعت من أجلها .


يضاف إلى ذلك التشويه المتعمد للعقائد الإسلامية والتلاعب بمعانيها إلى حد السخرية والاستهزاء ، ومن ذلك استحداث عبد الملك بن مروان عقيدة ( الإرجاء ) لسد الباب في وجه

كل من ينتقد تلك المخالفات الصريحة التي كان يتركبها الخلفاء وحواشيهم ، فما داموا مسلمين ناطقين لكلمة التوحيد ، فإنه لا يجوز لأحد الخوض في أعمالهم أو انتقادهم عليها ، فضلا "

عن الحكم عليهم بأي وصف من أوصاف الكفر أو الفسق والعصيان ، وإنما يجب ( إرجاء ) ذلك إلى الله سبحانه وتعالى الذي سيحاسبهم على تلك الأعمال .


ومن البديهي أن يقوم الخلفاء الأمويون بنشر هذه العقيدة الفاسدة وأمثالها للتغطية على مفاسدهم ، وإبعاد أنظار الناس وتفكيرهم من كل ما يتعلق بسياسة الحكم وسلوك الحكام .


ويعلق الدكتور شوقي ضيف حول هذه المسألة : ( إن أفكار المرجئة تخدم البيت الأموي ، الذي كان في رأي الشيعة
 

- ص 301 -

وكثير من الأتقياء منحرفا " عن الجادة الدينية ، وينبغي أن يغيره المسلمون ويضعوا مكانه البيت العلوي . والمرجئة لم يكونوا يوافقونهم على هذا الرأي لأنهم لا يريدون المفاضلة بين المسلمين ولا الحكم على أحد بتقوى وغير تقوى ، فالمسلم يكفي أن يكون مسلما " ) ( 1 ) .


وقد وصف الخليفة العباسي المأمون هذا المعتقد الأموي بقوله : ( الإرجاء دين الملوك ) ، وقد بقي الأمر كذلك على مر تاريخ ملوك الإسلام ! ومن يتأمل في حال أنظمة الحكم الإسلامي

في هذا الزمان ، ونظرة المسلمين إليها ، يرى أن هذا المعتقد لا يزال له وجود واقعي ، لا سيما في طروحات بعض التنظيمات والجماعات الإسلامية ، وبصورة واضحة تراها في خطب وعاظ السلاطين أو محترفي مهنة التدين .


ولا يخفى على أحد أثر مثل هذا المعتقد ودوره في تكريس الظلم ، وإفساح المجال للحاكم الظالم لأن يتوسع في ظلمه .


وعلى سبيل المثال ، فإنه ولشدة إعجاب نظام آل سعود بالنظام الأموي ونوع العقائد التي قاموا ببثها ، وشكل النظام السياسي الذي حكموا الأمة من خلاله ، فإنه قرر ضمن مناهج التعليم

المدرسي في المملكة بعنوان ( حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية ) ! ، فخادم الحرمين الشريفين فهد بن عبد العزيز يطمح من وراء هذا الكتاب جعل يزيد مثالا " للحاكم الإسلامي

المعاصر ، حيث إنه ما دام الصحابة والتابعون قد بايعوا يزيدا واعتبروه خليفة حقا " لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فلماذا لا يحق لفهد أن يعتبر كذلك ؟


وهذا المنطق المستوحى من الإسلام الأموي نجده واضحا " في قول أحد المدافعين عن شرعية النظام السعودي وإسلاميته : ( هذه المملكة ، دون غيرها من بلاد المسلمين ، تجسيد حي

لفكرة أن الإسلام هو الدين والدولة : رئيس الدولة هو إمام المسلمين قبل أن يكون الملك ، ومن هذا المنطلق تخلى إمام
 

 

 ( 1 ) سعيد أبوب ، معالم الفتن ، ج 2 ص 373 ، نقلا " عن التطور والتجديد في الشعر الأموي ص 50 . ( * )

 

 

- ص 302 -

المسلمين في المملكة عن اللقب المعتاد للملوك صاحب الجلالة ، وجعل لقبه خادم الحرمين الشريفين . . . فتأمل أبعاد القرار ) ( 1 ) !


 

 

( 1 ) غازي القصيبي ، حتى لا تكون فتنة ، ص 13 .

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب