|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 302 :
|
4 - الخنوع والاستسلام لحكام
الجور
لعل من أبرز أسباب هذا الخنوع الغريب ، وحالة الانقياد
التام للحكام الذي نراه سائدا " في غالبية البلاد الإسلامية هو تغلغل بعض
الأفكار وترسخها في نفوس المسلمين وعقولهم ، حيث
كان الملوك والسلاطين على مر التاريخ الإسلامي يربطون
شرعية حكمهم ولزوم طاعتهم بشريعة الإسلام بحيث يكون الخروج عليهم خروجا " عن
الدين ، والتفكير بمخالفتهم من
وساوس الشيطان ، حتى لو ظهر من الحاكم هذا أو ذاك كل
الفواحش والآثام ، أو تسبب في جلب العار أو التخلف لشعبه وأمته ، فإنه قلما تجد
أي تحرك يستحق الذكر لخلعه .
وقد كان لبعض الأحاديث التي وضعت خصيصا " لهذه الغاية ،
والتي كانت أيادي الأمويين وراء اختراعها ، لها أثر كبير في تعزيز هذه الحالة
وتوريثها عبر الأجيال .
ومن ذلك ما نسب قوله إلى الرسول
صلى الله عليه وآله وسلم : ( من رأى من أميره شيئا " يكرهه فليصبر ، فإنه من
فارق الجماعة شبرا " فمات ، فميتته جاهلية )
( 2 )
.
وهذا ابن تيمية يلمح - كما بينا سابقا " - إلى أن
الحسين مات ميتة جاهلية والعياذ بالله ، بقوله : ( إن يزيد رغم ما فيه من ظلم
وقتل ، وفعل ما فعل يوم الحرة [ استباحة المدينة المنورة ] فإنه لا يجوز الخروج
عليه ، لأن من لم يكن مطيعا " لولاة الأمور مات ميتة جاهلية )
( 3 ) .
| |
(
2 ) صحيح مسلم ، كتاب الإمارة ، ج 4 ص
517 .
( 3 ) ابن تيمية ، منهاج السنة ، ج 1 ص
37 . ( * )
|
|
|
وكانت عقيدة الجبر من العقائد التي ساعد الأمويون أيضا "
على زخرفتها بما يناسبهم وبثها بين المسلمين ، والتي كانت تعني فيما يتعلق
بسلوك الحكام ، إنهم مهما بالغوا في فسادهم
وظلمهم ، فإن ذلك كله ضمن القضاء والقدر الإلهي الذي يجب
على الناس قبوله والتسليم فيه بدون أدنى تساؤل ! .
ويستشهد المروجون لهذه الأفكار
بأحاديث موضوعة لتبرير فساد الحاكم ، زعما " منهم كما في الرواية التالية أن ما
ظهر من الخلفاء من مفاسد وانتهاكات كان مما تنبأ النبي صلى الله
عليه وآله وسلم بحدوثه ، ولم يكن فيه خروج عن العلم
الإلهي المسبق الذي يعني تخطيطا " وقضاء منه جل وعلا ، وبالتالي لا يستوجب ما
حصل فعلا " أي استنكار أو رفض لأنه كان
قدرا " مقدورا " ! ، فعن حذيفة بن اليمان قال : قلت : يا
رسول الله ، إنا كنا بشر . فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل وراء هذا الخير من شر
؟ قال : نعم . قلت : وهل وراء ذلك الشر قال :
( يكون بعدي أئمة لا يعتدون بهداي ، ولا يستنون بسنتي ،
وسيقوم فيهم رجال ، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس [ مثال : يزيد بن معاوية
؟ ] . قلت : كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك ؟ قال : تسمع وتطيع للأمير وإن
ضرب ظهرك وأخذ مالك ، فاسمع وأطع
( 1 ) !!
ويؤكد الشيخ محمد أبو زهرة تورط الأمويين في
مسألة الجبر بقوله : ( إننا نجزم بأن القول في الجبر شاع في أول العصر الأموي
وكثر حتى صار مذهبا " في آخره .. وقد قالوا إن من
فعل ذلك بعض اليهود ، فقد علموه لبعض المسلمين وهؤلاء أخذوا ينشرونه ... وهكذا
تشابكت فروع الشجرة الأموية مع فروع شجرة أهل الكتاب بعد أن التقطوا منهم فكرة
الجبر في ثوبها الجديد ، لأنها تتلاءم ومبدأهم السياسي )
( 2 )
.
| |
(
1 ) صحيح مسلم ، كتاب الإمارة ، ج 4 ص
515 .
( 2 ) سعيد أيوب ، معالم الفتن ، ج 2 ص
367 ، نقلا " عن كتاب تاريخ الفرق الإسلامية
، ص 9 . ( * )
|
|
|
ومن الشواهد على هذه الحقيقة أيضا
" أن معاوية قال في إحدى خطبه : ( إن الله يقول : ( وما من شئ إلا وعندنا
خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم ) فلم نلام نحن ؟ )
( 1 )
.
وأما الحجاج فقد قال بعد أن قتل رجلا " أظهر حب
الإمام علي عليه السلام : ( اللهم أنت قتلته ، ولو شئت لمنعتني منه ! )
( 2 )
.
وكما يذكر المؤرخون أن معبد الجهمي قتل بيد
الحجاج سنة 80 ه ، وغيلان الدمشقي بأمر من الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك
سنة 106 ه لقولهما بحرية الإرادة
( 3 )
.
ويصف السيد محمد حسين فضل الله الحالة الانهزامية
المتوارثة أمام الحكام بقوله : ( . . . أما الآخرون ، فقد توزعوا بين الذين
يعيشون الاستسلام للواقع ، لأنهم آمنوا أن عليهم طاعة
أولي الأمر كيفما كانوا ، وأن مسألة التمرد عليهم ليست واردة في الحساب ، بل لا
بد من إضفاء صفة القداسة عليهم في الطاعة والخضوع والالتزام ، لأن هذا هو ( أمر
الله ! ) ،
وبذلك عاش الجمهور الكبير في أجواء عجيبة من الحيرة والقلق والضياع ، بين طبيعة
القيم التي يؤمن بها ، وبين الإطار الذي فرضه عليه الخطأ في الفهم أو الاجتهاد
)
( 4 )
.
ويقول الدكتور حسن الترابي ما يوافق هذا الرأي :
( فإن صورة النظام السياسي الذي ورثناه هي صورة شائهة ، لأنها مركبة من عناصر
السكون لا الحركة ، عناصر الركون إلى الواقع والقعود عن التبديل الاجتماعي نحو
التي هي خير ، وعناصر الاستسلام إلى تقليد الإمام أو الحاكم أو السلطان )
( 5 )
.
| |
( 1 ) أحمد اليماني ، المنية والأمل في شرح
الملل والنحل ، ص 105 .
( 2 ) المصدر السابق ، ص 87 .
( 3 ) مفيد الفقيه ، العقل في أصول الدين
، ص 27 .
( 4 ) محمد حسين فضل الله ، تأملات في الفكر
السياسي الإسلامي ، ص 128 .
( 5 ) حسن الترابي ، تجديد الفكر الإسلامي
، ص 194 . ( * )
|
|
|
|