|
- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم ص 305 :
|
5 - شيوع الجهل والتخلف
بما أن الدين الإسلامي بشريعته السماوية الحقة ، وأحكامه
الشاملة لجميع نواحي الحياة ، هو بإجماع الأمة دين محكم لا يأتيه الباطل من بين
يديه ولا من خلفه ، وصالح لكل زمان ومكان
، وقادر على الوصول بالإنسانية إلى أسمى ما يمكن أن يطمح
له البشر من درجات الحضارة والسمو ، فإن هذا يعني أن درجة تقدم أو تخلفهم في كل
عصر ستعتمد بصورة أولية على
درجة التوثيق والأمانة في نقل تعاليم هذا الدين السماوي
. وسلامة تفسير ما صح من نقله ، علاوة على التفسير الموضوعي لأحداث التاريخ
الإسلامي بعد النظر في سلامة نقلها أيضا ".
فالتاريخ كما يقال هو عبارة
عن ( حقائق تكونت من ضلال الحركة والانتقال في آنات الماضي ، لتصبح ركيزة
للحاضر ، الذي يحتضن المستقبل ويؤثر به ويرسم معالمه ) .
والأداة التي تحول أنات الماضي إلى ركيزة الحاضر هي
الاجتهاد ، ولكي يؤدي دوره الحيوي والفعال لا بد وأن يكون محددا " ضمن إطار
الشرع الإسلامي الصحيح ، ومعتمدا " على التراث التاريخي السليم ، ومتفاعلا " مع
حقائق العصر الحاضر .
وبالنظر في تعاطي المسلمين لتاريخهم،
فإننا سنجده كما يصفه الشيخ المرحوم محمد الغزالي : ( إنه لا غرابة في وجود
أخطاء في تاريخنا الثقافي والسياسي، وإنما الغرابة في التستر على
هذه الأخطاء أو الاستحماق في معالجتها والتعفية على
آثارها ... فالقتال الداخلي بين المسلمين أنفسهم [يقصد في الجمل وصفين] كانت له
آثار بعيدة المدى على حاضرهم ومستقبلهم )
( 1 ).
ذلك أنه كان فعلا " للخلفاء وما جرى بينهم من حروب ومنازعات على الحكم الدور
الكبير في تجهيل المسلمين ، وإعطائهم تلك الصورة المشوهة
| |
(
1 ) محمد الغزالي ، مائة سؤال عن الإسلام
، ج 2 ص 353 . ( * )
|
|
|
والمحرفة عن عقائد الإسلام ونظمه وأحكامه ، الأمر الذي
حدث غالبا " عبر ما وضع من أحاديث ، وأدخل من إسرائيليات ، وتلوعب بتفسير
الكتاب والسنة وتأويلها ، وزور من حقائق التاريخ ، فضلا " عن سيادة العادات
والتقاليد البالية أكثرها وانتشار الأساطير والخرافات .
فلا غرابة إذا بوجود مثل هذه
الحالة من التخلف والجهل في أمة الإسلام هذه الأيام ، وهي كما يصفها الدكتور
الترابي : ( وإذا كان الشأن في الإسلام أن يعمر الحياة بمعانيه ويغمرها
بصوره وألا ينفك كذلك مواكبا " لتطورها الموصول ، فقد
أصبح نصيبنا من الإسلام تدينا " تقليديا " متأخرا " عن تقدم حركة الحياة في
الاعتقاد والفكر والعمل .
فقد نضبت في مواقفنا العقدية معاني التوكل والإقدام التي
تدعو لاقتحام كل تحد جديد وتسخيره واتخاذه مادة لعبادة الله الواحد، وأصبح غاية
أمرنا أن نحفظ بقية الدين لا نزيده ولا نجدده ...
والجنوح إلى السكون وإلى القعود عن التفاعل مع الكون
والحياة ببواعث الدين هو علة تخلفنا الاقتصادي أيضا " )
( 1 )
.
ويذكر الدكتور الشيخ القرضاوي إحدى علل انحطاط
المسلمين بقوله : ( أهملوا إلى حد كبير فروض الكفاية المتعلقة بمجموع الأمة
كالتفوق العلمي ، والصناعي والحربي . . . )
( 2 )
.
وأما السيد فضل الله فيقدم شرحا " وتشخيصا " أوفى للعلل والأمراض بقوله : ( إذا
درسنا وضع العالم الإسلامي فسنواجه وضعا " ثقافيا " متخلفا " على صعيد المعرفة
الإسلامية فيما
يتعلق بتفاصيل العقيدة ، وخطوط الشريعة ، ومناهج العمل ، وأساليب التحرك ، ووعي
التحديات المضادة ، مما يجعل
| |
(
1 ) حسن الترابي ، تجديد الفكر الإسلامي
، ص 191 - 192 ، 195 .
( 2 ) يوسف القرضاوي ( صحوة الشباب الإسلامي ظاهرة صحية يجب ترشيدها لا
مقاومتها ، الصحوة الإسلامية : رؤية نقدية من الداخل ، ص 49 ، نقلا "
عن مجلة الأمة ، ع 1059 ، 1981 م . ( * )
|
|
|
الإنسان المسلم يفقد وضوح الرؤية للأشياء ، ويبتعد عن
إمكانيات التمييز الدقيق بين ما هو واقع الساحة فيما يمارسه من حياة ، وبين ما
هو واقع الانتماء فيما يحمله من عقيدة وفكر ،
وبذلك فقد أصبح فريسة سهلة لكل الدعوات الكافرة والضالة
والمنحرفة التي استغلت هذا الجهل بالإسلام ، فعملت على تضليله ، وإرباك تصوره
لمبادئه والإيحاء له بأن الكفر لا يبتعد عن الإسلام وأن الضلال قد يأخذ دور
الهدى .
وقد ساهم هذا الجهل في تعقيد
عملية الإصلاح ، لأن الصورة المشوهة التي يحملها الناس عن الإسلام فيما يفهمونه
من عقائده وأحكامه ، أصبحت تحمل في داخلها ، معنى من القداسة ،
التي تتحول فيها الأخطاء إلى مقدسات ، والأوهام إلى
مبادئ ، مما يجعل من قضية المناقشة فيها ، فضلا " عن رفضها ، أمرا " يبلغ حد
الكفر ، ويحمل معنى الانحراف ، وبذلك أصبح
للذهنية الأمية التي يحملها العوام ، ضغط كبير على مسار
الفكر الناقد لدى العلماء والمفكرين تحت ضغط الخوف من خسارة ثقة العامة . وهكذا
بقيت الأوهام والأضاليل التي أفرزها واقع
التخلف في حركة الذهنية العامة للإنسان واقعا " ثقافيا "
، إسلاميا " ، مقدسا " ، معترفا " به )
( 1 )
.
وبما أنه لا بد وأن يكون لكل تشريع حكمة وغاية ، فإن تعطيل أي من تلك الأحكام
المشرعة ، أو فهمها على غير صورتها الحقيقية ، أو تطبيقها على غير الطريقة التي
أرادها الشارع
المقدس ، فإن ذلك لا بد وأن يولد آثارا " سلبية تخل في النظام الإسلامي العام ،
أو تجعل فيه فراغا " يتهيأ من خلاله فرص الإفساد والانحراف .
ونقدم فيما يلي أمثلة متنوعة وشواهد حية على هذا التخلف والجهل في فهم العديد
من قضايانا الإسلامية المعاصرة وتطبيقها :
لمتابعة
الموضوع اضغط على الصفحة التالية أدناه
| |
( 1 ) محمد حسين فضل الله ، تأملات في الفكر
السياسي الإسلامي ، ص 125 - 126 . ( * )
|
|
|
|