أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 37 :

الفصل الثاني هوية الخلفاء والأئمة

عند أهل السنة

عند تدخل الشرع بالمسألة لقد تأسست نظرية الخلافة والإمامة عند أهل السنة على أساس عدم وجود أي نص في تعيين من يخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وترك أمر اختيار الخليفة

للناس وبالأسلوب الذي يرونه مناسبا " ، محتجين بقوله تعالى : ( وأمرهم شورى بينهم ) [ الشورى / 38 ] .


ويرى أهل السنة - أيضا "- أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أهمل تحديد ذلك لئلا يحرج المسلمين بالتقيد بنمط خاص من أنماط الحكم أو اختيار الحاكم ، وذلك يرجع لتطور الزمن

وأساليب الحياة التي اختلفت وتعددت مقارنة بما كان عليه الحال في عهده صلى الله عليه وآله وسلم .


ويقول الكاتب المصري المعاصر الدكتور محمد سليم العوا في هذا الشأن: ( من الثابت تاريخيا " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يعين للمسلمين من يقوم بأمر الدولة الإسلامية

بعد وفاته ، بل لم يحدد الطريقة التي تتبع في اختيار الحاكم بعده ، وإنما أوضح للمسلمين القواعد العامة التي يجب أن يراعيها الحاكم في سيرته . وبين الرسول صلى الله عليه وآله

وسلم بسيرته وأقواله المثل العليا التي يجب التمسك بها والمحافظة عليها من جانب الحاكم والمحكومين على السواء ، دون أن يتضمن ذلك الجانب من سنة الرسول ، كما لم تتضمن

نصوص القرآن الكريم تفصيلا " لنظام الحكم الذي يجب أن يطبق في الدولة الإسلامية إذ اكتفى في هذا الصدد بالقواعد العامة فحسب ) ( 1 ) .
 

 

( 1 ) محمد سليم العوا ، في النظام السياسي للدولة الإسلامية ، ص 71 . ( * )

 

 

- ص 38 -

وأضاف : إن الإمام الجويني ذهب إلى مثل هذا الرأي عندما يقرر أن ( معظم مسائل الإمامة عرية عن مسالك القطع ، خلية عن مدارك اليقين ) ( 1 ) .


وبعد قول أهل السنة بعدم وجود نصوص في تعيين من يخلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو في طريقة اختياره وشروط انعقاد البيعة له ، فإنهم ذهبوا للاستدلال بأقوال الصحابة وأفعالهم في تشريع القوانين ووضع النظريات في هذه المسائل .


وهم يجمعون على كل حال على الاعتقاد بأن الإمامة الحقة تمثلت بخلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، على حسب ترتيب أفضليتهم عندهم ، وسموهم بالخلفاء الراشدين .


ويعتبرون أيضا " شرعية الخلفاء ممن جاءوا بعدهم كالخلفاء الأمويين ، والعباسيين ، والعثمانيين ، ولم يستثن من هذا الاعتبار سوى قلة نادرة كالخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز الذي عد خليفة راشديا " خامسا " .


وعلى وبالرغم من إجماع أهل السنة بعدم وجود أي نص باستخلاف أي أحد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، إلا أن غالبيتهم قالوا إنه ألمح باستخلاف أبي بكر وشذ بعضهم وقالوا إنه

صلى الله عليه وآله وسلم نص على خلافة أبي بكر ، فأما القائلون بالتلميح ، فهو لاستنادهم على ما روته عائشة عندما سئلت من كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مستخلفا " لو

استخلفه ؟ قالت : أبو بكر ، فقيل لها : ثم من بعد أبي بكر ؟ قالت : عمر ، ثم قيل لها : من ؟ قالت : أبو عبيدة بن الجراح ، ثم انتهت إلى هذا ( 2 ) .


وروت عائشة أيضا " أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال لها في مرضه الأخير : ( ادع لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابا " ، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل : أنا أولى ، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ) ( 3 ) .
 

 

( 1 ) عبد الملك الجويني ، غياث الأمم ، ص 75 .
( 2 ) صحيح مسلم ، كتاب فضائل الصحابة ، باب فضائل أبي بكر ، ج 5 ص 247 .
( 3 ) المصدر السابق ، ص 248 . ( * )

 

 

- ص 39 -

وأما الشاذون بالقول بنص الرسول صلى الله عليه وآله وسلم باستخلاف أبي بكر كابن حزم ، وابن حجر ، فهو لاستنادهم إلى روايات ضعفها علماء الفريقين .


ومنها ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لامرأة : ( إن جئت فلم تجديني فأت أبا بكر الخليفة من بعدي )
( 1 ) .

ومنها أيضا " : ( يكون خلفي اثنا عشر خليفة ، أبو بكر لا يلبث إلا قليلا " ) ( 2 ) .

ومنها : ( إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم فاقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) ( 3 ) .

ومن هذه الروايات المشكوك في صحتها أيضا " ما نسب إلى الإمام علي عليه السلام أنه قال : ( لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد

قدم أبا بكر في الصلاة ، فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لديننا ، فقدمنا أبا بكر ) ( 4 ) .
 


طرق انعقاد الخلافة

تنعقد الخلافة أو الإمامة عند أهل السنة بإحدى الطريق التالية :

 1 - إختيار أهل الحل والعقد. وأهل الحل والعقد هم بمثابة أعضاء مجلس الشورى الذي يمثل الأمة في عملية اختيار الخليفة ، ولم يشترط في ذلك عدد معين منهم ، فضلا" عن الإجماع ،

ويذهب معظم علماء أهل السنة إلى تجويز انعقاد البيعة للخليفة ولو بمبايعة شخص واحد له من أهل الحل والعقد .
 

 

( 1 ) ابن حجر الصواعق المحرقة ، ص 20 .               ( 2 ) المصدر نفسه ، ص 20 .
( 3 ) المصدر نفسه ، ص 20 .                             ( 4 ) ابن الجوزي : صفوة الصفوة . ( * )

 

 

- ص 40 -

يقول الجويني : ( . . فإذا لم يشترط الإجماع في عقد الإمامة لم يثبت عدد معدود ، ولا حد محدود ، فوجه الحكم بأن الإمامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحل والعقد ) ( 1 ) .


ويقول القرطبي : ( فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد ، فذلك ثابت ويلزم الغير فعله . ( وهذا ) خلافا " لبعض الناس حيث قالوا : لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ، ودليلنا أن عمر عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك ! ) ( 2 ) .


وقال عضد الأيجي : ( بل الواحد والاثنان من أهل الحل والعقد كاف ، لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لأبي بكر ) ( 3 )


وقال آخرون : ( أقل ما تنعقد به الإمامة منهم خمسة يجتمعون على عقدها ، أو يعقدها أحدهم برضا الأربعة استدلالا " بأن عمر جعل الشورى في الستة ليعقد لأحدهم برضا الخمسة ) ( 4 )


 2 - عهد من الخليفة السابق : وفي هذه الطريقة يجوز للخليفة أن يعهد بالخلافة لمن شاء ليجعله خليفة بعده ، فتنعقد الإمامة بذلك . فيقول التفتازاني على سبيل المثال : أن هذا الاستخلاف يعد بمنزلة الشورى ، ودليله على ذلك عهد أبي بكر بالخلافة إلى عمر ( 5 ) .


ويدخل في ذلك أيضا العهد إلى مجموعة من أهل الحل والعقد ليختاروا واحدا " منهم إماما " . واستدل على ذلك من فعل عمر عندما عهد بالخلافة إلى ستة .


ويرى بعض العلماء من أهل السنة أن شرعية خلافة يزيد قد اعتبرت انطلاقا " من هذا الأساس ( الشرعي ) المستنبط من فعل الصحابة لأنها كانت
 

 

( 1 ) عبد الملك الجويني ، الإرشاد ، ص 424 .                 ( 2 ) تفسير القرطبي ، ج 1 ص 260 .
( 3 ) الأيجي ، المواقف ، ص 400 .                            ( 4 ) الماوردي ، الأحكام السلطانية ، ص 7 .
( 5 ) التفتازاني ، شرح المقاصد ، ص 272 . ( * )

 

 

- ص 41 -

أيضا " بعهد من أبيه معاوية بن أبي سفيان وهو صحابي لا يجوز نقده ، ثم كانت ( خلافة يزيد ) بمبايعة من بعض الصحابة ورضاهم كعبد الله بن عمر وهو أيضا " لا يجوز نقده ، بل يجب الاقتداء بما فعله ورضي به !


 3 - الغلبة والقهر : وتكون هذه الطريقة بأخذ الخلافة بالقوة كما في حال الانقلاب العسكري .

ويقول التفتازاني : ( وتنعقد الإمامة بالقهر والاستيلاء ، فإذا مات الإمام وتصدى للإمامة من يستجمع شرائطها من غير بيعة ( أهل الحل والعقد ) أو استخلاف ( بعهد من الإمام السابق ) وقهر الناس بشوكته ، انعقدت الخلافة له ) ( 1 ) .


ويقول الشربيني : ( والطريق الثالث [ يكون ] باستيلاء شخص متغلب على الإمامة جامع للشروط المعتبرة في الإمامة على الملك بقهر وغلبة بعد موت الإمام لينظم شمل المسلمين .

أما الاستيلاء على [ إمامة الخليفة ] الحي ففيه أمران : فإذا كان هذا الخليفة الحي متغلبا " ( بمعنى أنه وصل إلى الخلافة عن طريق الغلبة والقهر ) انعقدت إمامة المتغلب عليه ، وإن كان إماما " ببيعة أو بعهد من الإمام السابق لم تنعقد إمامة المتغلب عليه ) ( 2 ) .

 

 

( 1 ) المصدر نفسه .                          ( 2 ) الشربيني ، مغني المحتاج ، ج 4 ص 131 - 132 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب