- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 314 :

 4 - الجهل والتخلف في فهم القضايا الأخلاقية


هناك العديد من المفاهيم الأخلاقية التي أخذها المسلمون على غير حقيقتها كمفاهيم الزهد ، والصبر ، والتوبة ، والتوكل ، وغيرها ، ونأخذ الزهد كمثال : فالإسلام في الحقيقة قد حث

على الزهد ورغب فيه ، والزهد يطلق على ترك الإنسان لشئ يرغب فيه رغبة طبيعية ، أي أن هذه الصفة لا تطلق على المريض الراغب عن تناول الطعام بسبب فقدانه شهية الأكل .


وهذا المفهوم السامي كغيره من المفاهيم العديدة التي تشوهت صورتها في أذهان المسلمين ، حتى أصبح الزهد مما ينفر منه ، لأنه يعني عندهم ترك الإنسان الدنيا ولذاتها من أجل التفرغ للعبادة .


وهذا الفهم المنحرف قد تسرب إلى فكر المسلمين من المسيحية التي تفرق بين العمل الدنيوي والأخروي ، حيث تطلق هذه الديانة على كل ممارسة عملية للإنسان مع الطبيعة والحياة عملا " دنيويا "، بينما أطلقت على الطقوس المعزولة عن كل ممارسة حياتية اسم العمل الأخروي .


في حين أن الإسلام يعطي أي عمل أو نشاط للإنسان صفة الأخروية ويعده عبادة إذا كان مؤدى بنية التوجه والقرب من الله .
 

- ص 314 -

وقد أوجز الإمام علي عليه السلام الزهد في حكمتين من القرآن : ( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) [ الحديد / 23 ] .


وفي الحديث الشريف : ( الزهد ليس أن لا تملك شيئا " ، وإنما أن لا يملكك شئ ) .


ويرى الشهيد مطهري أن سبب حث الإسلام على الزهد لأن فيه تجسيدا " للإيثار ، ومواساة للفئة المحرومة ، والتحرر والانعتاق من قيود الشهوة والنهم وشح النفس وحب الادخار والجاه

ونظائرها ، بالإضافة إلى أن الزهد يساعد على تذوق اللذات المعنوية لأن الانغماس التام في تلبية حاجات الجسد المادية يغلظ الحس ويضخمه ( 1 ) .


وهو يستنكر الزهد الذي يعني الانفصال عن حياة الناس ، أو الامتناع عن اللذات الدنيوية ، فهو زهد لا روح فيه ، بل إن الإسلام ينفر من مثل هذا الزهد وأولئك الزهاد ( 2 ) .

 

 

( 1 ) مرتضى مطهري ، إحياء الفكر في الإسلام ، ص 43 - 46 .
( 2 ) مرتضى مطهري ، الحق والباطل ، ص 173 . ( * )

 

 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب