- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 323 :

الخلاصة والخاتمة


إن أهم ما يمكن استنتاجه من هذا البحث أن ما جعل من الخلاف الذي حصل في صدر الإسلام حول خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وإمامة الأمة بعده أزمة على مر العصور هو أن

هذا الخلاف لم يكن مجرد خلاف سياسي بين أشخاص تنافسوا على الوصول للسلطة والحكم ، ولم يكن مجرد فتنة وقتية حدثت بين الصحابة وانتهت برحيلهم ، وإنما كان فوق كل ذلك خلافا

" حول المسار الذي ينبغي على المسلمين اتباعه في تحصيل معارف الدين من عقائد وسنن وأحكام .


وهذا يؤكد ما بيناه في بداية البحث أن المفهوم القرآني للخلافة والإمامة يتلخص في اعتبارها الخلافة الإلهية في الأرض ، والأمانة أو العهد الذين يربطان العباد بمعبودهم ، وما يعني أن

أي خلل في فهم هذا المبدأ أو تطبيقه ، سيؤدي حتما " إلى حدوث خلل في فهم عقائد الإسلام ، وانحراف في تطبيق أحكام الشرع .


ونجمل ذلك في نقاط :


صراع الخطط والإرادات

لقد كان واضحا " أن التخطيط الإلهي ببعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان يهدف إلى تبليغ الرسالة ليس إلا ( وما أرسلناك إلا شاهدا " ومبشرا " ونذيرا " ) ، فقال جل وعلا

بعد نجاح هذه المهمة : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " ) .

وأما التخطيط الإلهي بحصر خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ، فقد كان يهدف إلى إتمام نور الرسالة على يد هؤلاء الأئمة ، والذين خصتهم العناية الإلهية بالعناية والتسديد ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " ) [ الأحزاب / 33 ] .
 

- ص 324 -

فلم يكن دور الأئمة حسب هذا التخطيط حفظ الرسالة وصيانتها من التحريف والتشويه فحسب ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون )


بل أيضا " تعليمها وإرشاد الناس إليها على مر العصور ( لكل قوم هاد ) ، على أن يكون ذلك بخطوات تدريجية تمهيدا " لإتمام النور الإلهي في جميع أركان الأرض في عهد الإمام الثاني

عشر ، والذي ستكون خلافته تتويجا " لجميع رسالات السماء ، وتحقيقا " لأهداف الأنبياء والرسل ( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ) .


ولا يمكننا فهم إبعاد هذا التخطيط عن جريانه الطبيعي ، كما حصل فعلا " بتهمش دور الأئمة عليه السلام ، إلا بفهم القوانين والسنن التي جعلها الله سبحانه وتعالى المبدأ الأساس الذي

يحكم العلاقة بين الهداية الربانية وحرية إرادة الإنسان واختياره ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) [ الرعد / 11 ] .


فالتخطيط الإلهي من إرسال الأنبياء إلى بني إسرائيل على سبيل المثال، لم يكن يهدف إلى قتل هؤلاء الأنبياء وإنما لاهتداء الناس بهم . فأما قتلهم فكان ناتجا " عن تخطيط بشري أدى إلى

انتصار إرادة الباطل ، فكان جواب الأنبياء والدعاة إلى الحق للمعاندين والكارهين للهداية على مر العصور ( قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ) .


وهذه القوانين والسنن هي التي تفسر سياسة الأئمة الاثني عشر منذ لحظة وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تجاه الأوضاع التي كانت تمر بهم وتحكم علاقتهم بالسلطة وجمهور الأمة .


فالأسباب التي أدت إلى إبعاد التخطيط الإلهي القاضي باستخلاف أهل البيت عليه السلام لم تكن محصورة في الأشخاص الذين اجتهدوا بالتصدي لولاية أمر المسلمين على طريقتهم الخاصة ، وإنما تعود إلى عدة عوامل مجتمعة ،
 

- ص 325 -

أبرزها العقلية القبلية والتي اتضح من صراع السقيفة وما بعدها . إنها كانت لا تزال سائدة في مجاميع المهاجرين والأنصار ، وبكل ما في هذا النهج القبلي من حب السلطة والجاه ،

والتمكن والانتصار للشخص والعشيرة وغير ذلك من الاعتبارات الجاهلية ، ومما كان دليلا " أكيدا " على عدم تشرب نفوس المسلمين لغاية ذلك الحين بروحية الإسلام وفكرته ورسالته .


وقد عبر الإمام علي عليه السلام
عن رفضه لما جرى في السقيفة بتخلفه عن بيعة أبي بكر ستة شهور ، ولكنه آثر أخيرا " البيعة لما استسلم له الناس ، واختار أن يبقى على مقربة من

النظام القائم ، لتحققه من أن المصلحة الرسالية العليا تتطلب منه ذلك ، لا سيما لبقاء وجود قدرته على التأثير في الحفاظ على تعاليم الإسلام من التحريف والتشويه ، وباعتبار أن الخلفاء الثلاثة الأوائل قد بايعهم الناس على أن يعملوا بكتاب الله وسنة نبيه .


وهذا المبدأ هو نفسه الذي يفسر رفض الإمام علي عليه السلام الأولي للخلافة بعد مقتل عثمان ، ولم يقبلها إلا بعد إصرار الناس عليه ، وإظهار رغبتهم الأكيدة لخلافته ، فأصبحت الفرصة

بمبايعة المسلمين له مهيأة لتوحيد الخط والفكر والمنهج ، لأن خلافته عليه السلام هي الوحيدة التي أجمع المسلمون على صحتها على مر العصور باختلاف فرقهم ومذاهبهم ، وهي المعياد

التي يجب أن تقاس به أي خلافة كانت ، سواء كانت بنص من الله ورسوله ، أو كانت بشورى حقيقية من الناس .


فخلافة علي عليه السلام هي الغاية والمثال الأعلى فيما ذهب إليه أهل السنة والشيعة بقولهما في الخلافة ، وهو الوحيد الذي استحق عند أهل السنة من بين جميع الخلفاء على مر العصور لقب ( الإمام ) ، وعند الشيعة من بين جميع الأئمة الاثني عشر لقب ( أمير المؤمنين ) .


ولكن هيهات ، فقد أبى الشيطان إلا أن يخرج بقرنه ، فماجت الأرض ، وهدرت دماء المسلمين بسيوف المسلمين ، حتى تحول عهد علي عليه السلام إلى
 

- ص 326 -

عصر دام بأبشع صور التمرد والعصيان عن طاعة أمير المؤمنين وخليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإمام الزمان ! وبسبب انتصار تلك الإرادة التمردية ، وخصوصا " مع

خذلان شيعة الإمام علي عليه السلام وتقاعسهم عن نصرة حقهم ، وما تبع ذلك من تنازل الإمام الحسن عليه السلام لمعاوية بن أبي سفيان المتلهف للوصول للخلافة والملك مهما كلف

الثمن ، فكان الصلح الاضطراري حقنا " للدماء وحفاظا " للوجود الإسلامي من الزوال التام ، فبذلك تكون الأمة قد اختارت مرة أخرى لنفسها منهجا " مغايرا " لما أراده الله ، والذي

جلت قدرته وحكمته لم يكن ليلزمها على الناس وهم لها كارهون ! ولأن هذه التحولات قد صاحبها كل أنواع الفوضى والاضطراب ، وقد أحدثت التباسا " في الفهم لدى كثير من

المسلمين في تلك الأثناء ، لا سيما بعد مقتل عثمان ، حتى قورن علي بمعاوية ( ! ) ، بل أنه وبفضل أجهزة الدعاية الأموية ، فإن غالبية مسلمي الولايات والأمصار خارج مكة والمدينة

أخذوا يصدقون أن عليا " عليه السلام قد حرف فعلا " سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وساعد على قتل عثمان ، ولم يعد مستغربا " إذا أن يسب الإمام ويلعن على منابر جمع

المسلمين ، وأعيادهم ، ثم تحدى معاوية لكل مشاعر المسلمين ، ولكل قانون إلهي ، ولكل سنة نبوية ( أو حتى عمرية ! ) بتوريثه الخلافة لابنه الفاجر المراهق يزيد ، وخلافا " لما تعاهد

عليه مع الحسن عليه السلام ، فإنه وبسبب كل هذه المستجدات ، فقد أصبح بتقدير الإمام الحسين عليه السلام أنه لم يعد هناك إسلام يخاف خسارته ، بل أنه رأى عليه السلام أن

مسخ الدين أو القضاء التام عليه سيكون بالسكوت والرضا بالأمر الواقع ، فكان قراره بعدم مبايعة مثل هذا اللون من أولياء الأمور ، والثورة ضد هذا اللون من الأنظمة الإسلامية ، لا

ليجلس على كرسي الخلافة ، وإنما لإزاحة اللثام عن قبح الوجه الأموي المتظاهر بالإسلام ، فانفضح أمر هذا النظام ، وانكشف في أقبح صوره
 

- ص 327 -

الجاهلية ، فيكون الناس جميعا " ( لا سيما من غفل وضلل ، وليس أناس ذلك الزمان فحسب بل كل من كان سيغفل ويضلل بعدهم وعلى مر العصور ) قد تميزت أمامهم معايير الحق من الباطل إلى الأبد ، فيحيى من حيي على بينة ، ويهلك من هلك على بينة .


فثورة الحسين كانت لإنقاذ الإسلام ، ولم تكن محصورة الغاية بذلك الزمان . فثورة كهذه إذا نظرنا إليها بهذا البعد ، فإن ذكراها تستحق أن يغلب فيها الابتهاج والسرور أكثر من البكاء

والعويل ! وهكذا كانت سيرة من تلا الحسين من الأئمة عليه السلام مرهونة بالظروف والمستجدات ، فتختلف استراتيجيتهم في العمل والتحرك على ضوئها ، فالأدوار تتنوع

والهدف واحد . ولأن غالبية هؤلاء الأئمة قد لاقوا التعذيب والقتل على أيدي الأنظمة القائمة ، فإنه وبمجئ آخرهم كان يعني استمرار هذا المسلسل الإجرامي بحقهم ، فكانت غيبة الإمام

الثاني عشر تجسيدا " لانتصار الإرادة البشرية الرافضة للهداية الإلهية من جهة ، ومؤشرا " على تأجيل تنفيذ الخطة الإلهية إلى الوقت الذي يغير فيه الناس من نظراتهم ومواقفهم تجاه

إمام زمانهم ، فيبحثوا عنه بصدق ، ويوالونه بمعرفة وإخلاص ، عندئذ يظهره الله سبحانه وتعالى تأييدا " لهم . وبهذا المعنى ، يكون الإمام المهدي هو الذي ينتظر الناس وليس العكس ! .
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب