- أزمة الخلافة والامامة - أسعد وحيد القاسم  ص 327 :

صراع الفرق والروايات


من الخطأ الفاحش جعل الانتماء للفرقة أو المذهب المعيار الأساس في بحث مسائل الخلافة والإمامة ، لأن غالبية الفرق والمذاهب كانت إما من صنع الأنظمة القائمة ، أو ممن تأثر بها،

فهي بمبادئها وتعاليمها التي تعرف بها هذه الأيام لم تكن موجودة أصلا " عند تولد أزمة الخلافة والإمامة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولغاية تطورها واستفحالها في خلافة علي وبداية ملك معاوية .
 

- ص 328 -

وهذا يعني لزوم التحرر التام عند بحث مسائل كهذه من كل تلك الأهواء المذهبية ، والتي تجد أغلبها قد صدر بدوافع المصالح الذاتية أو المؤقتة وبأجواء مشحونة بالتعصب والأحقاد من

غير المنطق والعدل إقحام مسلمي هذا الزمان فيها ! والمعيار نفسه ينبغي استخدامه عند الأخذ بأي حديث أو رواية من كتب الصحاح عند أهل السنة كصحيحي البخاري ومسلم ، أو الكتب الأربعة الرئيسية عند الشيعة كالكافي .


فليس كل ما في هذه الكتب صحيحا " ، بل إن الضعيف والموضوع فيها أكثر من الصحيح والموثق ، فلا يصح إذا الاعتماد على ما في هذه الكتب من مرويات للبت والحكم في قضايا

مصيرية كقضية الخلافة والإمامة ، لا لشئ إلا لأن الصحابي الفلاني رواها ، أو الشيخ الفلاني وثقها ، ما لم تكن مؤيدة بقرائن أخرى تجعلها فوق أي شبهة وشك .


وأما سبب توثيق غالبية رجال الحديث لكثير من تلك الروايات الموضوعة التي ذكرنا منها أمثلة عديدة ، والمروية عن طريق الصحابة كأبي هريرة ، فهو راجع إلى الصورة الوهمية

التي رسمتها أجهزة الدعاية والإعلام الأموية عنهم ، حيث جعلتهم بمرتبة قريبة جدا " من التقديس والعصمة . وإلا فما معنى اعتبار استحالة الكذب عليهم مع أنهم رفعوا السيوف في

وجه بعضهم بعضا " . لا بل أعطيت لبعضهم مرتبة من الالهام والتسديد فوق ذلك لدرجة أصبحوا فيها يصححون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف زعم أنه صلى الله عليه

وآله وسلم كان قد أخطأ فيها ، وهو الذي ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) .


فالصحابة أصبحوا حسب هذه الحالة القدسية الجيل الفريد الذي لم ولن يأتي جيل أفضل منه ، حتى أصبح الشرع عند أهل السنة بعد كتاب الله وسنة نبيه هو ما عمله الصحابة ورضوا به ، بما في ذلك كل ما يتعلق بأمر خلافة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإمامة الأمة بعده .
 

- ص 329 -

ولأنه كان مما عمل به الصحابة ورضوا به استخلاف ومبايعة أئمة أقل ما يقال فيهم بأنهم كانوا جاهلين ويعملون على تجهيل الشريعة وتحريفها ، فإن غالبية علماء أهل السنة على مر

العصور لم يشترطوا في حكام المسلمين توافرهم على مؤهلات تنسجم مع سمو الشريعة وخطورة حفظها والقيمومة على أحكامها ، فاعترفوا وأقروا تبعا " لذلك بشرعية الخلفاء حتى

( غير الراشدين ) منهم . فيتضح من ذلك كله نتائج إبعاد أئمة الهدى من أهل البيت عليه السلام عن المواقع التي اختارهم الله سبحانه وتعالى لها وآثار ذلك الإبعاد .


فتهميش دورهم يعني تهميش رسالة الإسلام ، وقتلهم يعني قتل رسالة الإسلام ، فهذه الأهمية اختصرت في قوله تعالى عندما أمر نبيه بإعلان ولاية علي على الملأ بعد حجة الوداع :

( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) ، [ المائدة / 67 ] ، وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حجة الوداع : ( أيها الناس : إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) .
 

فاستحق الإمام علي بصدق قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم له : ( لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ) ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنا مدينة العلم [ الحكمة حسب رواية أخرى ] وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها ) .


وأهل البيت عليه السلام على كل حال لا ينبغي وضعهم في قوالب الفرق والمذاهب ، فهم فخر الإسلام ، وشرف كل مسلم أن ينتمي إليهم ، لا بل لا يمكن للمسلم أن يكون مسلما " دون حبهم واتباعهم ، ولا يجوز كذلك لأي فرقة ادعاء احتكار حبهم واتباعهم دون غيرها .


وأما بنو أمية ، فمن العار ربط شرعية خلافتهم بشرع الإسلام ! واعتراف أهل السنة بخلافة وإمامة أهل البيت عليه السلام لا يعني بالضرورة أنهم أصبحوا من الشيعة بالمفهوم الشائع لهذه الكلمة ، فهذه التسمية فقط هي
 

- ص 330 -

التي تحجب الكثيرين عن رؤية هذه الحقيقة ، وتمنعهم من التفاعل معها . فما الذي يمنع أن يسمى المؤمنون بخلافة أهل البيت عليه السلام وإمامتهم أهل السنة إذا كانت هذه التسمية تعني

اتباع السنة النبوية المطهرة ، فليس المهم الأسماء ، ولكن ما تحمله هذه المسميات والمصطلحات من معان ! وفي الوقت نفسه ، فإنه ليس كل من قال بخلافة أهل البيت وإمامتهم عليه السلام أو انتسب إليهم ، يعني إعطاء شهادة التوثيق له بسلامة الخط والمنهج .


فالشيعة في هذا الزمان ، وبعد ما يزيد على أحد عشر قرنا من غيبة الإمام المعصوم ، هم كأهل السنة مطالبون في البحث عن المنهج الأصيل الذي يجسد بحق مسار أهل البيت عليه السلام .


فكما أن أهل السنة مطالبون بعدم قبول أي اجتهاد لصحابي كان أو غيره خالف القرآن والسنة ، واستنكار كل ما وضعه أبو هريرة وغيره من الصحابة من أحاديث يستحيل على العقل

السليم قبولها ، أو تلك الخرافات والخزعبلات ، وما نقل من إسرائيليات ملأت الكتب المسماة ظلما " وزورا " بالصحاح ، فإن الشيعة أيضا " مطالبون برفض كل ما نسب كذبا " لأهل البيت عليه السلام ، واستنكار كل تجاوز أو غلو باسم التشيع لآل البيت عليهم السلام .



خاتمة المطاف

لقد أشارت روايات عديدة أن خلقا " كثيرا " من أهل السنة والشيعة على السواء سيقفون في وجه خليفة رسول الله الثاني عشر الإمام المهدي عند ظهوره .


فضعف الفكر المتوارث ، وهشاشة معظم المفاهيم والتباسها على غالبية أبناء الأمة في هذا العصر ، وحالة التشتت والضياع التي يعيشونها ، ووجود تلك الهوة الكبيرة بين ما هو إسلام

اسمي وظاهري جاف من كل معنى يدينون به ، وإسلام واقعي أصيل يقولون به ، ما هي إلا أسباب أولية تجعل من
 

- ص 331 -

المسلم عدوا " لإمام زمانه عند ظهوره ، بل إنه قد يكون يعيش حالة العداء هذه قبل ذلك دون أن يدري بحاله ! ولأنه ليس كل ما ورثه المسلمون بسنتهم وشيعتهم من أسلافهم يمثل واقعا "

إسلاميا " ينبغي تقديسه ، فإنه لا سبيل للخروج من هذه الحالة الجاهلية إلا بأن يبدأ أبناء الأمة بنهضة توعية شاملة في الفكر والثقافة الإسلامية الأصيلة ، وعلى مستوى الفرد والمجتمع ،

وعلى أساس من العقيدة الباعثة على الحركة ، والمنهج الواعي والمتحرر من غبار وترسباته، بما في ذلك التعصبات الطائفية والمذهبية التي ينبغي أن لا ينظر إليها إلا كواقع سلبي فرض

على المسلمين طوال تاريخهم ، وأن ينظر إليها أيضا " من زاوية آثارها السلبية والمدمرة على الثقافة الإسلامية ووحدة المسلمين .


وهذا يلزم دراسة الإسلام بعقائده وشرائعه وتاريخه مجددا " ، والتحقق منها لا سيما على ضوء كثير من الحوادث التي حصلت في صدر الإسلام .


فما وافق منطق القرآن والأحاديث المجمع على صحتها والعقل السليم يجب الأخذ به دون أدنى تردد ، حتى لو كان مخالفا " للمذهب أو المعتقد الذي أورثنا التعصب له ، أو كان موافقا "

لأفكار ومعتقدات أورثنا جهلها ، فضلا عن رفضها وتكفير أصحابها ! وهذا الأمر يلزمنا بدوره محاولة التحرر قدر الامكان من أسر الفرقة أو المذهب أو الحزب أو الحركة أو الخط

أو غير ذلك من الأطر ، والتي غالبا ما تجعل من المنتمين المتعصبين إليها مقدسين لها وعابدين ، وقد استغرقوا في الانغلاق داخلها دون أن يشعروا ، فيصبحوا من المغفلين بل المقبورين .


كل ذلك على حساب الانفتاح والمرونة في السعي لتحصيل الحقائق ، أو البحث عن الصراط المستقيم الذي يفترض أن لا يتوقف الإنسان في البحث عنه لحظة واحدة في حياته ، مهما بلغ عنده من العلم والمذهب !
 

- ص 332 -

( اللهم أحي بوليك القرآن ، وأرنا نوره سرمدا " لا ليل فيه ، وأحي به القلوب الميتة ، وأشف به الصدور الوغرة ، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق ، وأقم به الحدود المعطلة ،

والأحكام المهملة ، حتى لا يبقى حق إلا ظهر ، ولا عدل إلا زهر، واجعلنا يا رب من أعوانه وناصري سلطانه والمؤتمرين لأمره ، والراضين بفعله ، والمسلمين لأحكامه، وممن لا حاجة

به إلى التقية من خلقك ، وأنت يا رب الذي تكشف الضر ، وتجيب المضطر إذا دعاك ، وتنجي من الكرب العظيم ، فاكشف الضر عن وليك واجعله خليفة في أرضك كما ضمنت له .

اللهم لا تجعلني من خصماء آل محمد عليهم السلام ، ولا تجعلني من أعداء آل محمد عليهم السلام ، ولا تجعلني من أهل الحنق والغيظ على آل محمد عليهم السلام ، فإني أعوذ بك من

ذلك فأعذني ، وأستجير بك فأجرني ، اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلني بهم فائزا " عندك في الدنيا والآخرة ، ومن المقربين ، آمين رب العالمين ) .
 

 

مكتبة الشبكة

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب