200 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

قال الكاتب: إن المتعة كانت مُباحة في العصر الجاهلي، ولما جاء الإسلام أبقى عليها مدة، ثم حُرِّمَت يوم خيبر، لكن المتعارَف عليه عند الشيعة عند جماهير فقهائنا أن عمر بن الخطاب هو الذي حرمها، وهذا ما يرويه بعض فقهائنا.

المتعة وما يتعلق بها .............................................................................. 201

وأقول: لا دليل على أن نكاح المتعة كان من أنكحة الجاهلية بشروطه المعروفة، من عقد وعدة ومهر وتحديد مدة وغيرها، لأن أنكحة الجاهلية لا يعرف فيها ذلك.

بل ظاهر الأخبار الكثيرة الصحيحة أن النبي (ص) قد أباحه لصحابته، وأذن لهم فيه في بعض مغازيه.

فقد أخرج مسلم في صحيحه عن قيس قال: سمعت عبد الله (1) يقول: كنا نغزو مع رسول الله (ص) ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ).

وأخرج أيضاً عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي رسول الله (ص) فقال: إن رسول الله (ص) قد أذن لكم أن تستمتعوا. يعني متعة النساء.

وأخرج بسنده عن سلمة بن الأكوع وجابر بن عبد الله أن رسول الله (ص) أتانا، فأذن لنا في المتعة.

وأخرج بسنده عن الربيع بن سبرة، أن أباه غزا مع رسول الله (ص) فتح مكة، قال: فأقمنا بها خمس عشرة، ( ثلاثين بين يوم وليلة )، فأذن لنا رسول الله (ص) في متعة النساء... (2).

فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن النبي (ص) قد رخّص للناس في نكاح المتعة وأذن لهم فيه، ولو كانت المتعة من الأنكحة المعروفة في الجاهلية وكانت مباحة للمسلمين من أول الأمر لما اتّجه قولهم للنبي (ص) : (ألا نستخصي؟).

وأما تحريم عمر للمتعة فيدل عليه ما أخرجه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي

 

(1) أخرج الطحاوي هذا الحديث في شرح معاني الآثار 3/24 عن عبد الله بن مسعود، وهو المراد به في حديث مسلم.
(2) صحيح مسلم 2/1022-1025.

 
 

202 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث.

وبسنده عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر : فعلناهما مع رسول الله (ص) ، ثم نهانا عنهما عمر، فلم نَعُدْ لهما (1).

وأخرج أحمد في المسند عن جابر قال: متعتان كانتا على عهد النبي (ص)، فنهانا عنهما عمر رضي الله تعالى عنه فانتهين(2).

وفي رواية أخرى عن جابر بن عبد الله قال : تمتعنا متعتين على عهد النبي (ص) : الحج والنساء، فنهانا عمر عنهما فانتهينا (3).

وأخرج البيهقي في السنن الكبرى وغيره عن أبي نضرة عن جابر رضي الله عنه قال في حديث: تمتعنا مع رسول الله (ص) ومع أبي بكر رضي الله عنه، فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إن رسول الله (ص) هذا الرسول، وإن هذا القرآن هذا القرآن، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما، إحداهما متعة النساء، ولا أقدر على رجل تزوَّج امرأة إلى أجل إلا غيَّبته بالحجارة، والأخرى متعة الحج، افصلوا حجكم من عمرتكم، فإنه أتم لحجِّكم وأتم لعمرتكم (4).

وأخرج سعيد بن منصور في مسنده بسنده عن أبي قلابة قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) ، أنا أنهى عنهما، وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج (5).

 

(1) نفس المصدر 2/1023.
(2) مسند أحمد 3/325. أحكام القرآن للجصاص 2/152.
(3) مسند أحمد 3/365. وبألفاظ قريبة مما مرّ في 3/363.
(4) السنن الكبرى للبيهقي 7/206.
(5) سنن سعيد بن منصور، ص 252. وراجع مسند أحمد بن حنبل 1/52. شرح معاني الآثار2/144، 146.
كنز العمال
16/519، 521. أحكام القرآن للجصاص 1/290، 291، 293، 2/152، 3/239. تفسير القرطبي 2/392.
العلل الواردة في الأحاديث النبوية للدارقطني 2/156. تذكرة الحفاظ 1/366. بداية المجتهد 2/121.

 
 

المتعة وما يتعلق بها .............................................................................. 203

وقال السرخسي في المبسوط: وقد صحَّ أن عمر رضي الله عنه نهى الناس عن المتعة، فقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص)، وأنا أنهى عنهما: متعة النساء ومتعة الحج (1).

قلت: وهذه الروايات صريحة في المطلوب، فإن عمر نسب التحريم إلى نفسه، وشهد بأن المتعتين كانتا على عهد رسول الله (ص)، فلنا شهادته على حلِّيتهما، وله تحريمه.

وأخرج عبد الرزاق في مصنَّفه، والطحاوي في شرح معاني الآثار، عن عطاء قال: وسمعت ابن عباس يقول: يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رخصة من الله عز وجل، رحم بها أمة محمد (ص) ، فلولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شقي . قال: كأني والله أسمع قوله: إلا شقي (2).

وعن ابن جريج قال: أخبرني مَن أصدِّق أن عليًّا قال بالكوفة: لولا ما سبق من رأي عمر بن الخطاب ـ أو قال: من رأي ابن الخطاب ـ لأمرتُ بالمتعة، ثم ما زنى إلا شقي (3).

وأخرج ابن حبان في صحيحه بسنده عن خالد بن دريك أن مطرفاً عاد عمران ابن حصين فقال له: إني محدِّثك حديثاً، فإن برئتُ من وجعي فلا تحدِّث به ، ولو مضيتُ لشأني فحدِّث به إن بدا لك ، إنا استمتعنا مع رسول الله (ص) ثم لم ينهنا عنه حتى مات (ص) ، رأى رجل رأيه (4).

 

(1) المبسوط 4/27.
(2) المصنف لعبد الرزاق 7/499، ط أخرى 7/399. شرح معاني الآثار 3/26.
(3) المصنف لعبد الرزاق 7/499، ط أخرى 7/399.
(4) صحيح ابن حبان 9/244.

 
 

204 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن مطرّف عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: تمتَّعنا على عهد رسول الله (ص)، فنزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء (1).

قال ابن حجر في فتح الباري: فقال في آخره: ( ارتأى رجل برأيه ما شاء ) يعني عمر.

وقال: ففي مسلم أيضاً أن ابن الزبير كان ينهى عنها، وابن عباس كان يأمر بها، فسألوا جابراً، فأشار إلى أن أول من نهى عنها عمر (2).

ولهذا عدَّ أبو هلال العسكري ـ ونقله عنه السيوطي ـ من أوليّات عمر بن الخطاب تحريمه للمتعة.

قال السيوطي في تاريخ الخلفاء: فصل في أوليات عمر رضي الله عنه، قال العسكري: هو أول من سُمِّي أمير المؤمنين، وأول من كتب التاريخ من الهجرة، وأول من اتّخذ بيت المال، وأول من سَنَّ قيام شهر رمضان، وأول من عسَّ بالليل، وأول من عاقب على الهجاء، وأول من ضرب في الخمر ثمانين، وأول من حرَّم المتعة... (3).

ومما قلناه يتضح أن كتب أهل السنة تشهد عليهم بأن المتعة كانت محلَّلة زمان رسول الله (ص) وزمان أبي بكر وشطراً من زمان عمر، ثم حرَّمها عمر في شأن عمرو بن حريث.

والذي يظهر أن عمر أبى أن يتذَّرع من خلا بامرأة لا يُعرَف لها بعل بنكاح المتعة، فأراد أن يسد هذا الباب، وهذا اجتهاد منه لا يلزم غيره مع ثبوت النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على حلّية نكاح المتعة.

فما قاله الكاتب من أن الشيعة يقولون:  ( إن عمر حرَّمها ) صحيح، لأنهم استدلوا

 

(1) صحيح البخاري 1/468.
(2) فتح الباري 3/339.
(3) تاريخ الخلفاء، ص 108. وتجد ذكر تحريم المتعة في كتاب الأوائل للعسكري 1/240.

 
 

المتعة وما يتعلق بها ................................................................................... 205

على ذلك بما نقلنا بعضه من كتب أهل السنة، فما المحذور في ذلك؟!

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب