المتعة وما يتعلق بها .............................................................................. 269

قال الكاتب: ولم يقتصر الأمر على هذا، بل أباحوا اللواطة [كذا] بالنساء، وَرَوَوْا أيضاً روايات نسبوها إلى الأئمة سلام الله عليهم ، فقد روى الطوسي عن عبد الله بن أبي اليعفور [كذا] قال: ( سألتُ أبا عبد الله رضي الله عنه عن الرجل يأتي المرأة

270 ................................................................................. لله وللحقيقة الجزء الأول

من دبرها. قال: لا بأس إذا رضيت، قلت: فأين قول الله تعالى: ( فأتوهن من حيث أمركم الله ) فقال: هذا في طلب الولد، فاطلبوا الولد من حيث أمركم الله، إن الله تعالى يقول: ( نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أَنَّى شِئْتُم ) الاستبصار 3/243...
ثم ذكر الكاتب روايتين أخريين في هذه المسألة.

وأقول: بغض النظر عن أسانيد هذه الأحاديث التي فيها ما هو ضعيف السند، فإن مسألة إتيان النساء من أدبارهن مسألة مختلَف فيها بين العلماء، وقد وقع الأخذ فيها والرَّد، فمنَعها مَن منَعها، وجوَّزها مَن جوَّزها، وقد ذهب إلى جوازه بعض الصحابة والتابعين وأئمة مذاهب أهل السنة.

قال القرطبي: وممن نُسب إليه هذا القول سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك بن الماجشون، وحُكي ذلك عن مالك في كتاب له يُسمَّى كتاب السر، وحُذّاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب...

وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز هذا القول إلى زمرة كبيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة في كتاب (جماع النسوان وأحكام القِرَان)، وقال الكيا الطبري: وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه كان لا يرى بذلك بأساً (1).

وقال ابن قدامة في المغني: ورُويت إباحته عن ابن عمر وزيد بن أسلم ونافع ومالك، وروي عن مالك أنه قال: ما أدركتُ أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال (2).

ولا بأس بنقل ما ذكره السيوطي في الدر المنثور مع طوله، فإن فيه فوائد كثيرة.

قال السيوطي: أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وتفسيره والبخاري وابن

 

(1) الجامع لأحكام القرآن 3/93.

(2) المغني 8/132.  
 

المتعة وما يتعلق بها .............................................................................. 271

جرير عن نافع قال: قرأت ذات يوم ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ ) قال ابن عمر: أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في إتيان النساء في أدبارهن.

وأخرج البخاري وابن جرير عن ابن عمر ( فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) قال: في الدبر.

وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق النضر بن عبد الله الأزدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر في قوله ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) قال: إن شاء في قُبُلها، وإن شاء في دبرها.

وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده، والطبراني في الأوسط، والحاكم وأبو نعيم في المستخرج بسند حسن عن ابن عمر قال: إنما نزلت على رسول الله (ص) ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) الآية رخصة في إتيان الدبر.

وأخرج ابن جرير والطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن النجار بسند حسن عن ابن عمر: أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها في زمن رسول الله (ص)، فأنكر ذلك الناس، وقالوا: أثفرها. فأنزل الله ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) الآية.

وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق أحمد بن الحكم العبدي عن مالك عن نافع عن ابن عمر قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي (ص) تشكو زوجها، فأنزل الله ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) الآية.

وأخرج النسائي وابن جرير من طريق زيد بن أسلم عن ابن عمر أن رجلاً أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجداً شديداً، فأنزل الله ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ).

وأخرج الدارقطني في غرائب مالك من طريق أبي بشر الدولابي... عن عبد الله بن عمر بن حفص وابن أبي ذئب ومالك بن أنس فرقهم كلهم عن نافع قال:

272 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

قال لي ابن عمر: امسك على المصحف يا نافع. فقرأ حتى أتى على ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ )، قال لي: أتدري يا نافع فيمَ نزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم الناس ذلك، فأنزل الله ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ) الآية. قلت له: مِن دُبرها في قُبُلها؟ قال: لا، إلا في دبرها.

وقال الرفا في فوائده تخريج الدارقطني: نبأنا أبو أحمد بن عبدوس، نبأنا علي بن الجعد، نبأنا ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر قال: وقع رجل على امرأته في دبرها، فأنزل الله ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ ). قال: فقلت لابن أبي ذئب: ما تقول أنت في هذا؟ قال: ما أقول فيه بعد هذا؟

وأخرج الطبراني وابن مردويه وأحمد بن أسامة التجيبي في فوائده عن نافع قال: قرأ ابن عمر هذه السور، فمرَّ بهذه الآية ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) الآية، فقال: تدري فيمَ أُنزلت هذه الآية؟ قال: لا. قال: في رجال كانوا يأتون النساء في أدبارهن.

وأخرج الدارقطني ودعلج كلاهما في غرائب مالك من طريق أبي مصعب وإسحاق بن محمد القروي كلاهما عن نافع عن ابن عمر أنه قال : يا نافع أمسك على المصحف. فقرأ حتى بلغ ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) الآية، فقال: يا نافع أتدري فيم أنزلت هذه الآية؟ قلت: لا. قال: نزلت في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك، فسأل النبي (ص)، فأنزل الله الآية.

قال الدارقطني: هذا ثابت عن مالك. وقال ابن عبد البر: الرواية عن ابن عمر بهذا المعنى صحيحة معروفة عنه مشهورة.

وأخرج ابن راهويه وأبو يعلى وابن جرير والطحاوي في مشكل الآثار و ابن مردويه بسند حسن عن أبي سعيد الخدري أن رجلاً أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس عليه ذلك، فأنزلت ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ).

المتعة وما يتعلق بها ............................................................................... 273

وأخرج النسائي والطحاوي وابن جرير والدارقطني من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس، أنه قيل له: يا أبا عبد الله إن الناس يروون عن سالم بن عبد الله أنه قال: كذب العبد أو العِلْج على أبي، فقال مالك: أشهدُ على يزيد بن رومان أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر مثل ما قال نافع. فقيل له: فإن الحارث ابن يعقوب يروي عن أبي الحباب سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن إنّا نشتري الجواري، أفنحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر له الدبر، فقال ابن عمر: أف أف، أيفعل ذلك مؤمن؟ أو قال: مسلم؟ فقال مالك: أشهدُ على ربيعة أخبرني عن أبي الحباب عن ابن عمر مثل ما قال نافع.
قال الدارقطني: هذا محفوظ عن مالك صحيح.

وأخرج النسائي من طريق يزيد بن رومان عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن عبد الله بن عمر كان لا يرى بأساً أن يأتي الرجل المرأة في دبرها.

وأخرج البيهقي في سننه عن محمد بن علي قال: كنت عند محمد بن كعب القرظي، فجاءه رجل فقال: ما تقول في إتيان المرأة في دبرها؟ فقال: هذا شيخ من قريش فسَلْه. يعنى عبد الله بن علي بن السائب. فقال: قذر ولو كان حلالاً.

وأخرج ابن جرير عن الدراوردي قال: قيل لزيد بن أسلم: إن محمد بن المنكدر نهى عن إتيان النساء في أدبارهن. فقال زيد: أشهدُ على محمد لأخبرني أنه يفعله.

وأخرج ابن جرير عن ابن أبي مليكة أنه سُئل عن إتيان المرأة في دبرها، فقال: قد أردتُه من جارية لي البارحة، فاعتاصتْ عليَّ، فاستعنتُ بِدُهن.

وأخرج الخطيب في رواة مالك عن أبي سليمان الجرجاني قال: سألت مالك بن أنس عن وطء الحلائل في الدبر، فقال لي: الساعة غسلتُ رأسي منه.

وأخرج ابن جرير في كتاب النكاح من طريق ابن وهب عن مالك أنه مباح.

274 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

وأخرج الطحاوي من طريق أصبغ بن الفرج عن عبد الله بن القاسم قال: ما أدركتُ أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال ـ يعني وطء المرأة في دبرها، ثم قرأ ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ ) ثم قال: فأيُّ شيء أَبْيَنُ من هذا؟

وأخرج الطحاوي والحاكم في مناقب الشافعي والخطيب عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أن الشافعي سُئل عنه، فقال: ما صحَّ عن النبي (ص) في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال.

وأخرج الحاكم عن ابن عبد الحكم أن الشافعي ناظَرَ محمد بن الحسن في ذلك، فاحتج عليه ابن الحسن بأن الحرث إنما يكون في الفرج ، فقال له: فيكون ما سوى الفرج محرَّماً ؟ فالتزمه فقال: أرأيت لو وطئها بين ساقيها أو في أعكانها، أفي ذلك حرث ؟ قال: لا. قال: أفيحرم ؟ قال: لا. قال: فكيف تحتج بما لا تقول به ؟ (1)

قلت: هذه جملة وافرة من أحاديثهم الدالة على جواز إتيان المرأة في دبرها، منقولة عن بعض الصحابة والتابعين وأئمة مذاهبهم، وما تركناه أكثر مما نقلناه.

ولا بأس أن نختم الكلام بما ذكره الراغب الأصفهاني في محاضرات الأدباء، حيث ذكر أبياتاً من الشعر لهمام القاضي الذي أراد أن يطأ امرأة في دبرها على مذهب الإمام مالك، فنظم لها رغبته في هذه الأبيات:

ومَذعورةٍ جاءتْ على غيرِ موعدٍ   تقنَّصْتُها والنَّجمُ قد كادَ يطلعُ
فقلتُ لها لما استمرَّ حديثُها   ونفسي إلى أشياءَ منها تَطَلَّعُ
أَبِيْني لنا: هل تُؤمِنين بـمالكٍ؟   فإني بِحُبِّ المالكيَّةِ مُولَعُ
فقالتْ: نَعَمْ إني أدينُ بدينِهِ   ومذهبُه عَدلٌ لديَّ ومُقْنِعُ
فبِتْنا إلى الإصباحِ ندعو لمالكٍ   ونُؤْثرُ فتياهُ احتساباً ونتبعُ
(2)

 

(1) الدر المنثور 1/635-638. وذكر الطبري بعض هذه الأخبار في تفسيره 2/233-234، فراجعها.
(2) محاضرات الأدباء 2/268 ط دار مكتبة الحياة.

 
 

المتعة وما يتعلق بها .............................................................................. 275

قال الكاتب: لا شك أن هذه الأخبار معارضة لنص القرآن، إذ يقول الله تعالى: ( وَيَسْأَلُونك عن المحيض قل هو أَذى، فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يَطْهُرْنَ )(البقرة /222) فلو كان إتيان الدبر مباحاً لأمر باعتزال الفرج فقط ولقال (فاعتزلوا فروجَ النساء في المحيض) ولكن لما كان الدبر مُحَرَّما إتيانه أمر باعتزال الفروج والأدبار في محيض النساء بقوله ?ولا تقربوهن?.

وأقول: على هذا الاستدلال يحرم الاستمتاع بالحائض بأي نحو من أنحاء الاستمتاع ، سواءاً أكان في الفرج أم في الدبر أم في غيرهما ، وهذا لا يقول به أحد، وتردّه أقوال علماء أهل السنة الذين يعتقد بهم الكاتب، فإنهم نصُّوا على أنه يجوز مباشرة الحائض، ويجب اجتناب خصوص الفرج.

فقد قال ابن كثير في تفسيره: فقوله ( فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي المَحِيضِ ) يعني الفرج، لقوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). ولهذا ذهب كثير من العلماء أو أكثرهم إلى أنه يجوز مباشرة الحائض فيما عدا الفرج.

قال أبو داود أيضاً: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد عن أيوب عن عكرمة عن بعض أزواج النبي (ص): كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً (1).

وقال القرطبي في تفسيره: وقد اختلف العلماء في مباشرة الحائض وما يستباح منها...
إلى أن قال : وقال الثوري ومحمد بن الحسن وبعض أصحاب الشافعي: يجتنب موضع الدم، لقوله عليه السلام: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، وقد تقدَّم، وهو قول داود، وهو الصحيح من قول الشافعي، وروى أبو معشر عن إبراهيم عن مسروق قال: سألت عائشة ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ فقالت: كل شيء إلا الفرج . قال العلماء : مباشرة الحائض وهي مُتَّزرة
(2) على الاحتياط والقطع للذريعة، ولأنه لو أباح

 

(1) تفسير القرآن العظيم 1/258.
(2) دفع توهم أنه إذا جاز كل شيء إلا خصوص الفرج ما معنى ما ورد في بعض الآثار من أن للرجل من امرأته حال الحيض ما فوق السُّرَّة فقط؟

 
 

276 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

فخذيها كان ذلك منه ذريعة إلى موضع الدم المحرَّم بإجماع، فأُمر بذلك احتياطاً، والمحرَّم نفسه موضع الدم، فتتَّفق بذلك معاني الآثار ولا تَضادّ (1).

وقال ابن قدامة في المغني: مسألة: قال ويُستمتَع من الحائض بما دون الفرج، وجملته أن الاستمتاع من الحائض فيما فوق السُّرَّة ودون الركبة جائز بالنص والإجماع، والوطء في الفرج محرَّم بهما.

واختُلف في الاستمتاع بما بينهما، فذهب أحمد رحمه الله إلى إباحته، وروي ذلك عن عكرمة وعطاء والشعبي والثوري وإسحاق، ونحوه قال الحَكَم، فإنه قال: لا بأس أن تضع على فرجها ثوباً ما لم يدخله.

وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يباح، لما روي عن عائشة قالت: كان رسول الله (ص) يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض.

رواه البخاري. وعن عمر قال: سألت رسول الله (ص) عما يحل للرجل من امرأته وهي حائض، فقال: فوق الإزار.

ولنا قول الله تعالى ( فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي المَحِيضِ )، والمحيض اسم لمكان الحيض، كالمقيل والمبيت، فتخصيصه موضع الدم بالاعتزال دليل على إباحته فيما عداه.
إلى أن قال: اللفظ ـ يعني المحيض ـ يحتمل المعنيين ـ يعني الحيض، ومكان الحيض، وهو الفرج ـ، وإرادة مكان الدم أرجح، بدليل أمرين:
أحدهما: أنه لو أراد الحيض لكان أمراً باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه.
والثاني: أن سبب نزول الآية أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة اعتزلوها، فلم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيت، فسأل أصحاب النبي (ص) فنزلت هذه الآية، فقال النبي (ص): اصنعوا كل شيء غير النكاح. رواه مسلم في صحيحه
(2)،

 

(1) الجامع لأحكام القرآن 3/86-87.
(2) صحيح مسلم 1/246. صحيح ابن حبان 4/196. سنن ابن ماجة 1/211. مسند أحمد  3/132.

 
 

المتعة وما يتعلق بها .............................................................................. 277

وهذا تفسير لمراد الله تعالى، ولا تتحقق مخالفة اليهود بحملها على إرادة الحيض، لأنه يكون موافقاً لهم.
إلى أن قال: وما رووه عن عائشة دليل على حِل ما فوق الإزار لا على تحريم غيره ، وقد يترك النبي (ص) بعض المباح تقذّراً، كتركه أكل الضب والأرنب، وقد روى عكرمة عن بعض أزواج النبي (ص) أن النبي (ص) كان إذا أراد من الحائض شيئاً ألقى على فرجها ثوباً. ثم ما ذكرناه منطوق، وهو أولى من المفهوم
(1).

وقال الطبري في تفسيره: وعلَّة قائل هذه المقالة قيام الحجة بالأخبار المتواترة عن رسول الله (ص) أنه كان يباشر نساءه وهن حُيَّض، ولو كان الواجب اعتزال جميعهن لما فعل ذلك رسول الله (ص)، فلما صحَّ ذلك عن رسول الله (ص) عُلِم أن مراد الله تعالى ذكره بقوله ( فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي المَحِيضِ ) هو اعتزال بعض جسدها دون بعض، وإذا كان كذلك وجب أن يكون ذلك هو الجماع المجمع على تحريمه على الزوج في قبُلها دون ما كان فيه اختلاف من جماعها في سائر بدنها (2).

وبه يتضح أن المراد باعتزال النساء هو ترك وطئهن في الفرج، وأما سائر الاستمتاعات فالآية لا تدل على حرمتها، بل دلَّت على حلّيتها أحاديث صحيحة عندهم ذكرنا بعضاً منها، وإليك غيرها.

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي (ص) يباشرني وأنا حائض، وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف، فأغسله وأنا حائض (3).

وأخرج أيضاً بسنده عن عائشة قالت: كنتُ أغتسل أنا والنبي (ص) من إناء

 

(1) المغني لابن قدامة 1/384.

(2) تفسير القرطبي 2/226. (3) صحيح البخاري 2/602.  
 

278 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

واحد كلانا جُنُب، وكان يأمرني فأَتَّزِر، فيباشرني وأنا حائض (1).

ومنها: ما أخرجه مسلم في صحيحه بسنده عن ميمونة، قالت: كان رسول الله (ص) يباشر نساءه فوق الإزار وهن حُيَّض (2).

وعن عائشة، قالت: كان إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها رسول الله (ص) فتأتزر بإزار ثم يباشرها (3).

وفي حديث آخر قالت: كان إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها رسول الله (ص) أن تأتزر في فور حيضتها، ثم يباشرها، قالت: وأيّكم يملك إِرْبَه (4) كما كان رسول الله (ص) يملك إربه (5).

ومنها: ما أخرجه الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله (ص) إذا حضتُ يأمرني أن أتَّزر، ثم يباشرني.

قال الترمذي: حديث عائشة حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي (ص) والتابعين، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق (6).

والأحاديث بهذا المعنى كثيرة جداً لا حاجة لاستقصائها.

ولو نظرنا إلى فتاوى علماء أهل السنة في هذه المسألة لوجدناها مشتملة على شيء من التفصيل والإيضاح.

 

(1) نفس المصدر 1/114.
(2) صحيح مسلم 1/243.
(3) المصدر السابق 1/242.

(4) أي حاجته وشهوته، والمراد: أنه كان أملككم لنفسه، فيأمن من الوقوع في وطء الحائض في فرجها.
(5) صحيح مسلم 1/242.
(6) سنن الترمذي 1/239.
 
 

المتعة وما يتعلق بها ............................................................................ 279

فقد روى الدارمي في سننه بسنده عن عبد الله بن عدي، قال: سألت عبد الكريم عن الحائض، فقال: قال إبراهيم: لقد علمتْ أم عمران أني أطعن في إليتها. يعني وهي حائض (1).

وعن إبراهيم، قال: الحائض يأتيها زوجها في مَرَاقّها (2) وبين أفخاذها، فإذا دفق غسلتْ ما أصابها، واغتسل هو (3).

وعن مالك بن مغول، قال: سأل رجلٌ عطاء عن الحائض، فلم يرَ بما دون الدم بأساً.

وعن مجاهد قال: لا بأس أن تُؤتَى الحائض بين فخذيها أو في سُرَّتها (4).

وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أنه قال: لا بأس أن يلعب على بطنها، وبين فخذيها (5).

وعن الحكم قال: لا بأس أن تَضَعَه على الفرج، ولا تدخله (6).

وعن الشعبي قال: إذا لفَّتْ على فرجها خرقة يباشرها (7).

فإذا اتضح كل ما قلناه من أن المراد باعتزال النساء هو ترك وطئهن في الفرج، يتبيَّن أن باقي الاستمتاعات الأخرى جائزة كما ذهب إليه عامّة الفقهاء.

وأما مسألة الوطء في الدبر فبما أنها مكروهة كراهة شديدة عندنا، ولا يفعلها

 

(1) سنن الدارمي 1/255.
(2) قال ابن منظور في لسان العرب (مادة رقق) 10/122: ومراق البطن: أسفله وما حوله مما استرقَّ منه، ولا واحد لها. التهذيب: والمراق ما سفل من البطن عند الصفاق أسفل السُّرّة.

 
(3) سنن الدارمي 1/259.
(4) نفس المصدر 1/256.
(5) مصنف ابن أبي شيبة 3/525.
(6) سنن الدارمي 1/259. مصنف ابن أبي شيبة 3/524.
(7) مصنف ابن أبي شيبة 3/524.
 

280 ............................................................................ لله وللحقيقة الجزء الأول

إلا الأراذل من الناس، ومباحة عند بعض علماء أهل السنة، فلا وجه حينئذ للأمر بها، ولا معنى للتنصيص على اجتناب خصوص الفرج فقط إلا الحث على إتيان الدبر، مع أنه لا يصح الحث عليه إلا إذا كان محبوباً للمولى ومستحباً في الشريعة المقدسة، وهذا لم يقل به أحد.

 

مكتبة الشبكة

الصفحة التالية

الصفحة السابقة

فهرس الكتاب