الاختلاف في البكاء على الميت ومنشؤه

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 55 : -

 - 7 - الاختلاف في البكاء على الميت ومنشؤه


كان البكاء على الميت وخاصة الشهيد من سنة الرسول ( ص ) فقد روى البخاري في صحيحه : ان النبي نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم وقال : " أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ، وعيناه تذرفان . . . " ( 1 ) .


وفي ترجمة جعفر من الاستيعاب واسد الغاية والاصابة وخبر غزوة مؤته من تاريخ الطبري وغيره ما ملخصه : لما اصيب جعفر واصحابه دخل رسول الله ( ص ) بيته وطلب بني جعفر فشمهم ودمعت عيناه فقالت زوجته اسماء بابي وامي ما

يبكيك ابلغك عن جعفر واصحابه بشئ ؟ قال نعم اصيبوا هذا اليوم ، قالت اسماء فقمت اصيح واجمع النساء ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه ، فقال رسول الله ( ص ) على مثل جعفر فلتبك البواكي .


بكاء الرسول على ابنه ابراهيم

وفي صحيح البخاري : قال انس : دخلنا مع رسول الله ( ص ) . . . وابراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا
 

  * هامش *  
  (1) صحيح البخاري ، كتاب فضائل اصحاب النبي باب مناقب خالد بن الوليد ج 4 / 204 . ( * )  

 

ج1 - ص 56 -

رسول الله تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف ( رض ) وانت يا رسول الله ! فقال يا ابن عوف انها رحمة ثم اتبعها باخرى فقال ان العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول الا ما يرضي ربنا وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون .


وفي سنن ابن ماجة : " فانكب عليه وبكى " ( 1 )


بكاء الرسول ( ص ) على حفيده

في صحيح البخاري ان ابنة النبي ( ص ) ارسلت إليه : ان ابنا لي قبض فاتنا ، فقام ومعه سعد بن عبادة ورجال من اصحابه فرفع إلى رسول الله ( ص ) ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه ، فقال سعد يا رسول الله ما هذا ؟ فقال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء ( 2 ) .


ندب الرسول ( ص ) إلى البكاء على عمه حمزة لما سمع رسول الله ( ص ) بعد غزوة أحد ، البكاء من دور الانصار على قتلاهم ذرفت عينا رسول الله وبكى ، وقال : لكن حمزة لا بواكي له . فسمع ذلك سعد بن معاذ واسيد بن حضير ، فرجع

إلى نساء بني عبد الاشهل فساقهن إلى باب رسول الله ( ص ) فبكين على حمزة ، فسمع ذلك رسول الله ( ص ) فدعا لهن وردهن ، فلم تبك امرأة من الانصار بعد ذلك إلى اليوم على ميت الا بدأت بالبكأ على حمزة ثم بكت على ميتها ( 3 ) .
 

  * هامش *  
  (1) صحيح البخاري كتاب الجنائز ، باب قول النبي ( ص ) : انا بك لمحزونون ج 1 / 158 واللفظ له . وصحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، باب رحمته بالصبيان والعيال ، الحديث 62 . وسنن ابن ماجة ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في النظر إلى الميت ، الحديث 1475 . وطبقات ابن سعد ط ، أروپا ، ج 1 / ق / 1 / 88 . و مسند احمد ج 3 / 194

(2)
تتقعقع : أي تضطرب روحه لها صوت وحشرجة كصوت الماء إذا ارتقى في القربة الخالية . صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب قول النبي ( ص ) " يعذب الميت ببعض بكاء اهله عليه واللفظ له ، وكتاب المرضى ، باب عيادة الصبيان ، ج 4 / 3

وصحيح مسلم ، كتاب الجنائز ، باب البكاء على الميت ، الحديث 11 ، ص : 636 وسنن ابي داود ، كتاب الجنائز ، باب البكاء على الميت ، الحديث 3125 و 3126 . وسنن النسائي ، كتاب الجنائز ، باب الامر بالاحتساب والصبر . ومسند احمد ، ج 2 / 306 وج 3 / 83 و 88 و 89 .

(3)
اوردناه من ترجمة حمزة في طبقات ابن سعد ط . دار صادر بيروت 1377 وج 3 / 11 ، واكثر تفصيلا منه في مغازي الواقدي ج 1 / 315 - 317 وبعده امتاع الاسماع 1 / 163 . ومسند احمد 2 / 40 وتاريخ الطبري . وأورده ابن عبد البر بايجاز بترجمة حمزة من الاستيعاب وباختصار ايضا ابن الاثير بترجمته من الاسد . ( * )

 

 

ج1 - ص 57 -

بكى الرسول على قبر أمه وأبكى من حوله

زار رسول الله ( ص ) قبر امه فبكى وابكى من حوله أمر الرسول بإرسال الطعام لاهل المصاب لما جاء نعي جعفر قال النبي ( ص ) اصنعوا لاهل جعفر طعاما فانه قد جاءهم ما يشغلهم ( 2 ) .

عين الرسول أيام الحداد على الميت تواتر عن النبي انه عين حداد المرأة على غير زوجها ثلاثا وعلى زوجها فكما قال الله اربعة اشهر وعشرا ( 3 ) ( البقرة / 224 ) .
 

  * هامش *  
  (1) سنن النسائي كتاب الجنائز باب زيارة قبر المشرك سنن ابي داود كتاب الجنائز باب زيارة القبور الحديث 3234 .
سنن ابن ماجة كتاب الجنائز باب ما جاء في زيارة قبور المشركين .

(2)
سنن ابن ماجة ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى اهل الميت ، ص 511 ، الحديث 1610 و 1611 .
وفي سنن الترمذي ، ج 4 / 219 ، ابواب الجنائز ، باب ما جاء في الطعام يصنع لاهل الميت وقال هذا حديث حسن صحيح .
سنن ابي داود ، كتاب الجنائز ، باب صنعة الطعام لاهل الميت الحديث : 3132 . مسند احمد 1 / 205 ، 6 / 370 .

(3)
البخاري كتاب الجنائز باب حداد المرأة على غير زوجها 1 / 154 وكتاب 23 الطلاق باب تحد المتوفي عنها زوجها اربعة اشهر وعشرا 3 / 189 وباب 68 الكحل للحادة وباب القسط للحادة عند الطهر وباب تلبس الحادة ثياب العصب وباب والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا 3 / 189 - 190

وصحيح مسلم كتاب الطلاق باب وجوب الاحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك الا ثلاثة ايام ج / 1486 و 1487 ، 1490 ، 1491 ص 1124 و 1125 و 1126 و 1127 و 1128 .

وسنن ابي داود كتاب الطلاق باب حداد المتوفى عنها زوجها ح / 2299 وباب فيما تجتنبه المعتدة في عدتها ح / 2302 .

وسنن الترمذي كتاب الطلاق واللعان باب ما جاء في عدة المتوفي . عنها زوجها 5 / 171 - 174 و سنن النسائي كتاب الطلاق باب عدة المتوفى عنها زوجها وباب الاحداد وباب سقوط الاحداد عن الكتابية المتوفي عنها زوجها . وباب ترك الزينة للحادة المسلمة دون اليهودية والنصرانية وباب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة وباب الخضاب للحادة .

وسنن ابن ماجة كتاب الطلاق باب هل تحد المرأة على غير زوجها ( ح / 2085 - 2087 ) - > ( * )

 

 

ج1 - ص 58 -

منشأ الخلاف حول البكاء على الميت


مر في ما سبق أن رسول الله ( ص ) بكى على المتوفي قبل أن يتوفى وبعده ، خاصة الشهيد وانه امر بالبكاء على الشهيد وبكى على قبر امه وابكى من حوله ، وامر بصنع الطعام لاهل الميت وعين حداد المرأة على غير الزوج ثلاثا .

اذن فالبكاء على المتوفى والحداد عليه وصنع الطعام لاهله من سنة الرسول فما هو منشأ الخلاف والنهي عن البكاء على الميت ؟ نرجع ايضا إلى صحيحي البخاري ومسلم فنجد حديث المنع عن البكاء من الخليفة عمر ( رض ) .


الخليفة عمر يروي ان رسول الله ( ص ) نهى عن البكاء وأم المؤمنين عائشة تستدرك عليه .

في صحيح البخاري ومسلم ، عن ابن عباس : لما أن اصيب عمر دخل صهيب يبكي ويقول : وا أخاه ! وا صاحباه ! فقال عمر : يا صهيب اتبكي وقد قال رسول الله " ان الميت ليعذب ببكاء اهله عليه " فقال ابن عباس . فلما مات عمر ذكرت

ذلك لعائشة . فقالت رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله ( ص ) ان الله ليعذب المؤمن ببكاء اهله عليه ولكن رسول الله   ( ص ) قال ان الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء اهله عليه وقالت حسبكم القرآن " ولا تزرر وازرة وزر اخرى " قال ابن عباس ( رض ) عند ذلك : " والله هو اضحك وابكى " ( 1 ) .


وفي صحيح مسلم : ذكر عند عائشة ان ابن عمر يرفع إلى النبي " ان الميت يعذب في قبره ببكاء اهله عليه " فقالت : انما قال رسول الله " انه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وان اهله ليبكون عليه " .
 

  * هامش *  
   < - وسنن الدارمي كتاب الطلاق باب 11 وموطأ مالك كتاب الطلاق ح / 101 ، 105
وطبقات ابن سعد 4 / ق 1 / 27 ، 28 و 8 / 70
ومسند احمد 5 / 8 و 6 / 37 ، 184 ، 249 ، 281 ، 286 ، 287 ، 324 ، 325 ، 326 ، 369 ، 408 ، 426 .
ومسند الطيالسي ( ح / 1587 ، 1589 ، 1591 ) .

(1)
صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب قول النبي ( ص ) يعذب الميت ببكاء اهله عليه ج 1 / 155 - 156 ، وصحيح مسلم ، كتاب الجنائز ، باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه ، الحديث : 23 ، ص 642 ( * )
 

 

ج1 - ص 59 -

وفي رواية قبله : ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميت يعذب ببكاء اهله عليه فقالت : رحم الله ابا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه انما مرت جنازة يهودى على رسول الله وهم يبكون عليه فقال " انتم تبكون وانه ليعذب " ( 1 ) .


قال الامام النووي ( ت 177 ه‍ ) في شرح صحيح مسلم عن روايات النهى عن البكاء المروية عن رسول الله ( ص ) " وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب ؟ بنه عبد الله رضي الله عنهما وانكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما وانكرت ان يكون النبي ( ص ) قال ذلك ( 2 ) .


ويظهر من الحديث الاتي أن منشأ الخلاف كان اجتهاد الخليفة عمر في النهي عن البكاء في مقابل سنة الرسول بالبكاء ، فقد ورد في الحديث أنه : مات ميت من آل الرسول ( ص ) فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله ( ص ) دعهن يا عمر فان العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب ( 3 ) .


وفي صحيح البخاري : كان عمر ( رض ) يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي بالتراب ( 4 ) .


هكذا كان منشأ الخلاف في شأن البكاء على الميت ، الاحاديث المتعارضة الواردة بشأنه في كتب الصحاح ولعل اجتهاد الخليفة عمر ( رض ) في المنع كان منشأ
 

  * هامش *  
  (1) صحيح مسلم ، كتاب الجنائز باب الميت يعذب ببكاء الله اهله عليه الحديث 25 والحديث 27 وقريب منه لفظ الترمذي في كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت ، وسنن ابي داود ، كتاب الجنائز ، الحديث 3129 .

(2)
شرح النووي بهامش صحيح مسلم ط . المطبعة المصرية 1349 ه‍ ج 6 / 228 باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه .

(3)
سنن النسائي كتاب الجنائز باب الرخصة في البكاء على الميت .
ابن ماجه
كتاب الجنائز باب ما جاء في البكاء على الميت الحديث 1587 ص : 505 .
مسند احمد
2 / 110 ، 273 ، 333 ، 408 ، 444 .

(4)
صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب البكاء عند المريض ، ج 1 / 158 ، وقوله " يضرب فيه " أي يضرب لاجل المنع من البكاء . ( * )
 

 

ج1 - ص 60 -

للاحاديث المروية في منع البكاء على الميت . فقد رووا غير ما ذكرنا بعض الحديث في تأييد اجتهاد الخليفة الصحابي عمر ، ولا مجال في هذه العجالة لبيان علل تلك الاحاديث وفي ما ذكرنا الكفاية في معرفة منشأ الخلاف في شأن البكاء والذى نحن بصدده .


إلى هنا استعرضنا امثلة من مسائل الخلاف التي كان منشؤها اختلاف الاحاديث في كل منها ونذكر في ما يأتي آيات من كتاب الله نشأ الخلاف حول تأويلها بحوله تعالى :


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب