- 7 - الاختلاف في البكاء على
الميت ومنشؤه
كان البكاء على الميت وخاصة الشهيد من سنة الرسول ( ص ) فقد روى البخاري في
صحيحه : ان النبي نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم وقال :
" أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذ جعفر فأصيب ثم أخذ ابن رواحة فأصيب ، وعيناه
تذرفان . . . " ( 1 ) .
وفي ترجمة جعفر من الاستيعاب واسد الغاية والاصابة وخبر غزوة مؤته من تاريخ
الطبري وغيره ما ملخصه : لما اصيب جعفر واصحابه دخل رسول الله ( ص ) بيته وطلب
بني جعفر فشمهم ودمعت عيناه فقالت زوجته اسماء بابي وامي ما
يبكيك ابلغك عن جعفر واصحابه بشئ ؟ قال نعم اصيبوا هذا اليوم
، قالت اسماء فقمت اصيح واجمع النساء ودخلت فاطمة وهي تبكي وتقول واعماه ، فقال
رسول الله ( ص ) على مثل جعفر فلتبك البواكي .
بكاء الرسول على ابنه ابراهيم
وفي صحيح البخاري : قال انس : دخلنا مع رسول الله ( ص ) . . .
وابراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا
رسول الله تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف ( رض ) وانت يا
رسول الله ! فقال يا ابن عوف انها رحمة ثم اتبعها باخرى فقال ان العين تدمع
والقلب يحزن ولا نقول الا ما يرضي ربنا وانا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون .
وفي سنن ابن ماجة : " فانكب عليه وبكى " ( 1 )
بكاء الرسول ( ص ) على حفيده
في صحيح البخاري ان ابنة النبي ( ص ) ارسلت إليه : ان ابنا لي
قبض فاتنا ، فقام ومعه سعد بن عبادة ورجال من اصحابه فرفع إلى رسول الله ( ص )
ونفسه تتقعقع ففاضت عيناه ، فقال سعد يا رسول الله ما هذا ؟ فقال هذه رحمة
جعلها الله في قلوب عباده وانما يرحم الله من عباده الرحماء ( 2 ) .
ندب الرسول ( ص ) إلى البكاء على عمه حمزة لما سمع رسول الله ( ص ) بعد غزوة
أحد ، البكاء من دور الانصار على قتلاهم ذرفت عينا رسول الله وبكى ، وقال : لكن
حمزة لا بواكي له . فسمع ذلك سعد بن معاذ واسيد بن حضير ، فرجع
إلى نساء بني عبد الاشهل فساقهن إلى باب رسول الله ( ص )
فبكين على حمزة ، فسمع ذلك رسول الله ( ص ) فدعا لهن وردهن ، فلم تبك امرأة من
الانصار بعد ذلك إلى اليوم على ميت الا بدأت بالبكأ على حمزة ثم بكت على ميتها
( 3 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح البخاري كتاب الجنائز ، باب قول
النبي ( ص ) : انا بك لمحزونون ج 1 / 158 واللفظ له . وصحيح
مسلم ، كتاب الفضائل ، باب رحمته بالصبيان والعيال ، الحديث 62
. وسنن ابن ماجة ، كتاب الجنائز ، باب ما
جاء في النظر إلى الميت ، الحديث 1475 . وطبقات
ابن سعد ط ، أروپا ، ج 1 / ق / 1 / 88 . و
مسند احمد ج 3 / 194
(2) تتقعقع : أي تضطرب روحه لها
صوت وحشرجة كصوت الماء إذا ارتقى في القربة الخالية .
صحيح البخاري ، كتاب الجنائز ، باب قول
النبي ( ص ) " يعذب الميت ببعض بكاء اهله عليه واللفظ له ، وكتاب
المرضى ، باب عيادة الصبيان ، ج 4 / 3
وصحيح مسلم ،
كتاب الجنائز ، باب البكاء على الميت ، الحديث 11 ، ص : 636 وسنن
ابي داود ، كتاب الجنائز ، باب البكاء على الميت ، الحديث 3125
و 3126 . وسنن النسائي ، كتاب الجنائز ،
باب الامر بالاحتساب والصبر . ومسند احمد
، ج 2 / 306 وج 3 / 83 و 88 و 89 .
(3) اوردناه من ترجمة حمزة في
طبقات ابن سعد ط . دار صادر بيروت 1377
وج 3 / 11 ، واكثر تفصيلا منه في مغازي الواقدي ج 1 / 315 - 317 وبعده
امتاع الاسماع 1 / 163 . ومسند احمد 2 /
40 وتاريخ الطبري . وأورده ابن عبد البر
بايجاز بترجمة حمزة من الاستيعاب وباختصار ايضا ابن الاثير بترجمته من
الاسد . ( * )
|
|
|
بكى الرسول على قبر أمه وأبكى من حوله
زار رسول الله ( ص ) قبر امه فبكى وابكى من حوله أمر الرسول
بإرسال الطعام لاهل المصاب لما جاء نعي جعفر قال النبي ( ص ) اصنعوا لاهل جعفر
طعاما فانه قد جاءهم ما يشغلهم ( 2 ) .
عين الرسول أيام الحداد على الميت تواتر عن النبي انه عين
حداد المرأة على غير زوجها ثلاثا وعلى زوجها فكما قال الله اربعة اشهر وعشرا (
3 ) ( البقرة / 224 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سنن النسائي كتاب الجنائز باب زيارة قبر
المشرك سنن ابي داود كتاب الجنائز باب زيارة القبور الحديث 3234 .
سنن ابن ماجة كتاب الجنائز باب ما جاء في
زيارة قبور المشركين .
(2) سنن
ابن ماجة ، كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الطعام يبعث إلى اهل
الميت ، ص 511 ، الحديث 1610 و 1611 .
وفي سنن الترمذي ، ج 4 / 219 ، ابواب
الجنائز ، باب ما جاء في الطعام يصنع لاهل الميت وقال هذا حديث حسن
صحيح .
سنن ابي داود ، كتاب الجنائز ، باب صنعة
الطعام لاهل الميت الحديث : 3132 . مسند احمد
1 / 205 ، 6 / 370 .
(3)
البخاري كتاب الجنائز باب حداد المرأة على غير زوجها 1 / 154
وكتاب 23 الطلاق باب تحد المتوفي عنها زوجها اربعة اشهر وعشرا 3 / 189
وباب 68 الكحل للحادة وباب القسط للحادة عند الطهر وباب تلبس الحادة
ثياب العصب وباب والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا 3 / 189 - 190
وصحيح مسلم كتاب
الطلاق باب وجوب الاحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك الا ثلاثة
ايام ج / 1486 و 1487 ، 1490 ، 1491 ص 1124 و 1125 و 1126 و 1127 و
1128 .
وسنن ابي داود
كتاب الطلاق باب حداد المتوفى عنها زوجها ح / 2299 وباب فيما تجتنبه
المعتدة في عدتها ح / 2302 .
وسنن الترمذي
كتاب الطلاق واللعان باب ما جاء في عدة المتوفي . عنها زوجها 5 / 171 -
174 و سنن النسائي كتاب الطلاق باب عدة المتوفى عنها زوجها وباب
الاحداد وباب سقوط الاحداد عن الكتابية المتوفي عنها زوجها . وباب ترك
الزينة للحادة المسلمة دون اليهودية والنصرانية وباب ما تجتنب الحادة
من الثياب المصبغة وباب الخضاب للحادة .
وسنن ابن ماجة
كتاب الطلاق باب هل تحد المرأة على غير زوجها ( ح / 2085 - 2087 ) - >
( * )
|
|
|
منشأ الخلاف حول البكاء على الميت
مر في ما سبق أن رسول الله ( ص ) بكى على المتوفي قبل أن يتوفى وبعده ، خاصة
الشهيد وانه امر بالبكاء على الشهيد وبكى على قبر امه وابكى من حوله ، وامر
بصنع الطعام لاهل الميت وعين حداد المرأة على غير الزوج ثلاثا .
اذن فالبكاء على المتوفى والحداد عليه وصنع الطعام لاهله من
سنة الرسول فما هو منشأ الخلاف والنهي عن البكاء على الميت ؟ نرجع ايضا إلى
صحيحي البخاري ومسلم فنجد حديث المنع عن البكاء من الخليفة عمر ( رض ) .
الخليفة عمر يروي ان رسول الله ( ص ) نهى عن البكاء وأم المؤمنين عائشة تستدرك
عليه .
في صحيح البخاري ومسلم ، عن ابن عباس : لما أن اصيب عمر دخل
صهيب يبكي ويقول : وا أخاه ! وا صاحباه ! فقال عمر : يا صهيب اتبكي وقد قال
رسول الله " ان الميت ليعذب ببكاء اهله عليه " فقال ابن عباس . فلما مات عمر
ذكرت
ذلك لعائشة . فقالت رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله ( ص
) ان الله ليعذب المؤمن ببكاء اهله عليه ولكن رسول الله ( ص ) قال
ان الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء اهله عليه وقالت حسبكم القرآن " ولا تزرر
وازرة وزر اخرى " قال ابن عباس ( رض ) عند ذلك : " والله هو اضحك وابكى " ( 1 )
.
وفي صحيح مسلم : ذكر عند عائشة ان ابن عمر يرفع إلى النبي " ان الميت يعذب في
قبره ببكاء اهله عليه " فقالت : انما قال رسول الله " انه ليعذب بخطيئته أو
بذنبه وان اهله ليبكون عليه " .
| |
* هامش * |
|
| |
< - وسنن الدارمي
كتاب الطلاق باب 11 وموطأ مالك كتاب الطلاق ح / 101 ، 105
وطبقات ابن سعد 4 / ق 1 / 27 ، 28 و 8 /
70
ومسند احمد 5 / 8 و 6 / 37 ، 184 ، 249 ،
281 ، 286 ، 287 ، 324 ، 325 ، 326 ، 369 ، 408 ، 426 .
ومسند الطيالسي ( ح / 1587 ، 1589 ، 1591
) .
(1) صحيح
البخاري ، كتاب الجنائز ، باب قول النبي ( ص ) يعذب الميت ببكاء
اهله عليه ج 1 / 155 - 156 ، وصحيح مسلم
، كتاب الجنائز ، باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه ، الحديث : 23 ، ص
642 ( * )
|
|
|
وفي رواية قبله : ذكر عند عائشة قول ابن عمر : الميت يعذب
ببكاء اهله عليه فقالت : رحم الله ابا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظه انما مرت
جنازة يهودى على رسول الله وهم يبكون عليه فقال " انتم تبكون وانه ليعذب " ( 1
) .
قال الامام النووي ( ت 177 ه ) في شرح صحيح مسلم عن روايات النهى عن البكاء
المروية عن رسول الله ( ص ) " وهذه الروايات من رواية عمر بن الخطاب ؟ بنه عبد
الله رضي الله عنهما وانكرت عائشة ونسبتها إلى النسيان والاشتباه عليهما وانكرت
ان يكون النبي ( ص ) قال ذلك ( 2 ) .
ويظهر من الحديث الاتي أن منشأ الخلاف كان اجتهاد الخليفة عمر في النهي عن
البكاء في مقابل سنة الرسول بالبكاء ، فقد ورد في الحديث أنه : مات ميت من آل
الرسول ( ص ) فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله
( ص ) دعهن يا عمر فان العين دامعة والقلب مصاب والعهد قريب ( 3 ) .
وفي صحيح البخاري : كان عمر ( رض ) يضرب فيه بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي
بالتراب ( 4 ) .
هكذا كان منشأ الخلاف في شأن البكاء على الميت ، الاحاديث المتعارضة الواردة
بشأنه في كتب الصحاح ولعل اجتهاد الخليفة عمر ( رض ) في المنع كان منشأ
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح مسلم ، كتاب الجنائز باب الميت يعذب
ببكاء الله اهله عليه الحديث 25 والحديث 27 وقريب منه لفظ الترمذي في
كتاب الجنائز ، باب ما جاء في الرخصة في البكاء على الميت ، وسنن
ابي داود ، كتاب الجنائز ، الحديث 3129 .
(2) شرح
النووي بهامش صحيح مسلم ط . المطبعة المصرية 1349 ه ج 6 / 228
باب الميت يعذب ببكاء اهله عليه .
(3) سنن
النسائي كتاب الجنائز باب الرخصة في البكاء على الميت .
ابن ماجه كتاب الجنائز باب ما جاء في البكاء على الميت الحديث
1587 ص : 505 .
مسند احمد 2 / 110 ، 273 ، 333 ، 408 ، 444 .
(4) صحيح
البخاري ، كتاب الجنائز ، باب البكاء عند المريض ، ج 1 / 158 ،
وقوله " يضرب فيه " أي يضرب لاجل المنع من البكاء . ( * )
|
|
|
للاحاديث المروية في منع البكاء على الميت . فقد رووا غير ما
ذكرنا بعض الحديث في تأييد اجتهاد الخليفة الصحابي عمر ، ولا مجال في هذه
العجالة لبيان علل تلك الاحاديث وفي ما ذكرنا الكفاية في معرفة منشأ الخلاف في
شأن البكاء والذى نحن بصدده .
إلى هنا استعرضنا امثلة من مسائل الخلاف التي كان منشؤها اختلاف الاحاديث في كل
منها ونذكر في ما يأتي آيات من كتاب الله نشأ الخلاف حول تأويلها بحوله تعالى :