بحوث المدرستين في مصادر الشريعة الاسلامية

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 75 : -

القسم الاول بحوث المدرستين في مصادر الشريعة الاسلامية

توطئة في تاريخ الفكر الاسلامي


نجد انقساما بينا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله بين مدرستين متعارضتين ، مدرسة السلطة الحاكمة بعد الرسول حتى آخر الخلفاء العثمانيين ( 1 ) ومدرسة أئمة اهل البيت حتى الامام الثاني عشر ، ولم يزل الخلاف قائما بين خريجي المدرستين وأتباعهما من المسلمين ولا يزال كذلك حتى عصرنا الحاضر والى ما شاء الله .


وفي ما يلي من هذا البحث نسمي المدرسة الاولى بمدرسة الخلفاء ، والاخرى بمدرسة اهل البيت ونبدأ بذكر منشأ الخلاف بينهما ثم نورد أمثلة من وجوه الخلاف إن شاء الله تعالى . منشأ الخلاف : تتفق المدرستان في القرآن الكريم ، وتلتزمان بما أحله وحرمه وفرضه وندب إليه ، وتختلفان في تأويله وخاصة متشابه آياته أشد الاختلاف ، ثم تختلفان في الامور الثلاثة التالية :

 أ ) في الصحابة .

  * هامش *  
  (1) انما حددنا مدرسة السلطة الحاكمة بآخر الخلفاء العثمانيين ومدرسة اهل البيت بالامام الثاني عشر من أئمة أهل البيت ، لان مدرسة الخلفاء تلتزم بشرعية حكومة الخلفاء بعد النبي وتسميهم بخلفاء النبي ، وتلتزم مدرسة اهل البيت بأحقية الائمة الاثني عشر في الحكم وتسميهم اوصياء النبي ، ولهذا سمينا الاولى بمدرسة الخلفاء والثانية بمدرسة اهل البيت . ( * )  

 

ج1 - ص 78 -

 ب ) في الامامة والخلافة وهما من سبل الوصول إلى مصادر الشريعة الاسلامية

 ج ) في مصادر الشريعة الاسلامية بعد القرآن .


وسندرس بحوث المدرستين في كل منها بعد دراسة المصطلحات الواردة في بابه في أول الباب ونبدأ هنا بدراسة المصطلحات المشتركة في جميع أبواب الكتاب أولا ، ثم بدراسة كيفية تدوين معاجم اللغة العربية ثانيا
 

ج1 - ص 79 -

اللغة العربية والمصطلحات الاسلامية أولا : تعريف المصطلحات وهي :

 أ ) لغة العرب .
 ب ) المصطلح الشرعي أو المصطلح الاسلامي .
 ج ) مصطلح المتشرعة أو مصطلح المسلمين .

ونسمي الاول أحيانا بـ‍ " تسمية العرب " ، والثاني ب‍ـ " تسمية الشارع " والثالث بـ‍ " تسمية المسلمين "

ونقول :

 أ ) لغة العرب ان جل الالفاظ العربية التي نستعملها اليوم ، كانت شائعة في معانيها قبل الاسلام وبعد الاسلام حتى اليوم ، مثل : الاكل والنوم والليل والنهار . ومن تلكم الالفاظ ما ورد في لغة العرب في معان متعددة ، مثل لفظ : غنم ، الذي كان

في البدء بمعنى كسب الغنم ، ثم استعمل أيضا في لغة العرب بمعنى الفوز بالشئ بلا مشقة ثم استعمل في الاسلام في الفوز بالشئ مطلقا ، سواء أكان الفوز بمشقة أم من دون مشقة . وقد يرد لفظ عند قبيلة بمعنى وعند أخرى بمعنى آخر مثل : " الاثلب " فانه في لغة أهل الحجاز : الحجر ، وفي لغة تميم : التراب ( 1 ) .


وفي عصرنا يستعمل لفظ : " المبسوط " ويراد به عند العراقيين المضروب ، ولدى الشاميين واللبنانيين : المسرور ، وفي مثل هذه الحالة يجب ان نقول مثلا :
 

  * هامش *  
  (1) تهذيب اللغة للازهري ، ط / القاهرة ، سنة : 1384 ه‍ ، ج 15 / 91 . ( * )  

 

ج1 - ص 80 -

" الاثلب " في لغة تميم بمعنى كذا ، وفي لغة الحجازيين بمعنى كذا ، وكذلك الامر في " المبسوط " .


 ب ) المصطلح الشرعي أو المصطلح الاسلامي . عندما بعث الله خاتم أنبيائه صلى الله عليه وآله ، استعمل بعض الالفاظ العربية في غير معانيها الشائعة لدى العرب ، مثل : " الصلاة " التي كانت تستعمل في مطلق " الدعاء " ، واستعملها

رسول الله صلى الله عليه وآله ، في عبادة خاصة لها قراءات خاصة مقارنة بأفعال خاصة من قيام وركوع وسجود ، مما لم تكن معروفة لدى العرب ، وهذا ما نسميه ب‍ـ " المصطلح الشرعي أو الاسلامي " سواء في ذلك أغير المعنى اللغوي للفظ مثل " الصلاة " ، أم جاء الشارع الاسلامي بلفظ جديد في معنى جديد ، مثل : " الرحمن " صفة لله تعالى .


ويعرف " المصطلح الشرعي " بورود اللفظ في معناه في القرآن الكريم أو الحديث النبوي الشريف ، وبدون ذلك لا يوجد المصطلح الشرعي . إذا فالمصطلح الشرعي : ما استعمله الشارع في معنى خاص وبلغ الرسول صلى الله عليه وآله ذلك .


 ج ) مصطلح المتشرعة أو " تسمية المسلمين " من الالفاظ ما هي شائعة في معان خاصة بها لدى المسلمين عامة مثل : " الاجتهاد " و " المجتهد " الشائعين لدى عامة المسلمين في الفقه والفقيه ، وكان اللفظان في لغة العرب بمعنى بذل الجهد

في طلب الامر ( 1 ) ، وباذل الجهد ، واستعملا بنفس المعنى اللغوي في حديث الرسول صلى الله عليه وآله كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال : " فضل العالم على المجتهد مائة درجة " ، أي على المجتهد في العبادة ( 2 ) .

وفي ما روي عن سيرته صلى الله عليه وآله ، وقيل : " كان رسول الله يجتهد في العشر الاواخر مالا يجتهد في غيره . "
( 3 )

  * هامش *  
  (1) مادة : جهد ، من نهاية اللغة ، لابن الاثير .
(2)
مقدمة سنن الدارمي ، باب فضل العلم والعالم ، ح - 32 ، ج 1 / 100 .
(3)
صحيح مسلم ، كتاب الاعتكاف ، باب الاجتهاد في العشر الاواخر من شهر رمضان ، ح - 1175 . ( * )
 

 

ج1 - ص 81 -

ولم يرد " الاجتهاد " و " المجتهد " بمعنى : الفقه والفقيه ، في القرآن الكريم ولا الحديث النبوي الشريف ، ونسمي هذا النوع من التسمية بـ‍ " عرف المتشرعة " و " تسمية المسلمين " .


ومن هذا النوع من التسمية مالا يكون شائعا لدى عامة المسلمين بل يكون شائعا لدى بعضهم ، مثل كلمة : " صوم زكريا " المستعمل لدى بعض المسلمين في الصوم مع الالتزام بالصمت والامتناع عن التكلم ، وهذا النوع من المصطلح ينبغي أن

نسميه باسم البلد الشائع فيه ، فنقول : هذا اصطلاح المسلمين من اهل بغداد ، أو اصطلاح المسلمين في القاهرة مثلا ، ولا يصح أن نسميه بـ‍ " اصطلاح المسلمين " أو " عرف المتشرعة " أو " تسمية المسلمين " مطلقا وبدون تقييد .


وكذلك الامر بالنسبة إلى التسمية الشائعة لدى أهل مذهب من المذاهب الاسلامية أو لدى فرقة تنتمي إلى الاسلام .

مثل : " الشاري " والمشرك " لدى الخوارج ، فـ‍ " الشاري " عندهم بمثابة المجاهد عند كافة المسلمين ، و " المشرك " عندهم : جميع المسلمين وكل من لا ينتمي إلى الخوارج .

ومثل : " الرافضي " الذي ينبز به بعض أتباع مدرسة الخلفاء بعض أتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام .

و" الناصبي " عند أتباع مدرسة اهل البيت عليهم السلام ، الذي يسمون به : كل من يبغض الائمة من اهل البيت عليهم السلام .

وفي مثل هذه الحالة ، نسمي الاول : بـ‍ " اصطلاح الخوارج " والثاني : بـ‍ " اصطلاح مدرسة الخلفاء " والثالث : ب‍ـ " اصطلاح مدرسة اهل البيت عليهم السلام " .


وبناء على ما ذكرنا ، فإذا ورد لفظ " الناصبي " لدى أتباع مدرسة الخلفاء لا ينبغي أن نفهم منه أعداء اهل البيت عليهم السلام ، وكذلك إذا ورد لفظ " الشاري " عند غير الخوارج لا نفهم منه ما اصطلح عليه الخوارج .


 د : الحقيقة والمجاز إذا شاع استعمال اللفظ في معناه بحيث لم يتبادر إلى ذهن السامع عند استماع
 

ج1 - ص 82 -

الكلمة غير ذلك المعنى ، مثل لفظ : " الاسد " الذي يفهم منه : الحيوان المفترس ، لا غيره .

ومثل لفظ : " الصلاة " التي لا يفهم منها لدى المسلمين غير : القيام بالاعمال الخاصة المقرونة بأذكار خاصة .

في مثل هذه الحالة ، يوصف " الاسد " بانه حقيقة في الحيوان المفترس ، و " الصلاة " بانها حقيقة في الاعمال المخصوصة ويسمى الاول : بـ‍ " الحقيقة اللغوية " والثاني بـ‍ " الحقيقة الشرعية " .

وقد يستعمل لفظ " الاسد " ويقصد به : الرجل الشجاع ، ويقال : رأيت أسدا يتكلم في المسجد . وهذا الاستعمال يسمى استعمالا مجازيا ويقال : استعمل " الاسد " مجازا في الرجل الشجاع ، ولابد عند ذلك من وجود قرينة في الكلام أو في

المقام يدل على انه لم يقصد من " الاسد " المعنى الحقيقي ، مثل قولك هنا : " يتكلم في المسجد " فان الاسد لا يتكلم ، وهذه قرينة على أن القائل لم يقصد الحيوان المفترس وانما قصد رجلا شجاعا .


ثانيا : كيفية تأليف مجاميع اللغة العربية عندما قام علماء اللغة العربية بتدوين اللغة العربية في القرنين الثاني والثالث الهجريين ، سجلوا أمام كل لفظ ما وجدوا له من معنى ، منذ العصر الجاهلي إلى زمانهم سواء أكان ذلك المعنى شائعا عند

أهل اللغة أم في الشرع الاسلامي ، أو لدى المسلمين غير ان فقهاء المسلمين ، بذلوا جهدا مشكورا مدى القرون في تحديد المصطلحات الاسلامية الفقهية وتعريفها ، مثل مصطلح الصلاة والصوم والحج وغيرها ، فأصبحت المصطلحات الاسلامية

الفقهية معروفة لدى جميع المسلمين ، ولما لم يبذل نظير ذلك الجهد في تعريف المصطلحات الاسلامية غير الفقهية ، أصبح بعض المصطلحات غير معروف لدى المسلمين ، أهي من نوع الاصطلاح الشرعي أم من نوع تسمية المسلمين واصطلاح

المتشرعة ؟ وأدى ذلك إلى اللبس والغموض في ادراك المفاهيم الاسلامية وأحيانا في معرفة بعض الاحكام الشرعية نظير ما وقع في لفظ الصحابي ، والصحابة ، كما سندرسهما في ما يلي .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب