وفي ما يلي خبر استخلاف عمر وبيعته :
استخلاف عمر وبيعته .
دعا أبو بكر عثمان خاليا فقال : أكتب بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أما بعد . قال : ثم أغمي عليه
فذهب عنه ، فكتب عثمان : أما بعد فإني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم الكم
خيرا ، ثم أفاق أبو بكر فقال : أقرأ علي ، فقرأ عليه ، فكبر أبو بكر وقال :
أراك خفت أن يختلف الناس ان اسلمت نفسي في غشيتي ، قال : نعم ، قال : جزاك الله
خيرا عن الاسلام وأهله وأقرها أبو بكر ( رض ) من هذا الموضع .
وذكر قبل ذلك عن عمر أنه كان جالسا والناس معه وبيده جريدة ومعه شديد مولى لابي
بكر معه الصحيفة التي فيها استخلاف عمر وعمر يقول : " أيها الناس اسمعوا
وأطيعوا قول خليفة رسول الله أنه يقول : أني لم الكم نصحا " ( 1 ) .
كم من الفرق بين موقف أبي حفص هذا وموقفه من كتابة وصية الرسول ؟ الشورى وبيعة
عثمان قال ابن عبد ربه في العقد الفريد : لما طعن الخليفة عمر قيل له لو
استخلفت ، فقال : لو كان أبو عبيدة الجراح حيا لاستخلفته ، فان سألني ربي قلت
نبيك يقول : انه
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
تاريخ الطبري ط . اروبا 1 / 2138 . ( * ) |
|
|
أمين هذه الامة ، ولو كان سالم مولى ابي حذيفة حيا لاستخلفته
، فان سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول : ان سالم ليحب الله حبا لو لم يخف الله ما
عصاه ( 1 ) . وانهم قالوا له : يا أمير المؤمنين لو عهدت ، فقال : لقد كنت
اجمعت بعد مقالتي لكم أن أولي رجلا أمركم أرجو أن يحملكم على الحق - وأشار إلى
علي - ثم رأيت أن لا أتحملها حيا وميتا " الخ .
وروى البلاذري في أنساب الاشراف ( 2 ) قال عمر : ادعوا لي عليا وعثمان وطلحة
والزبير و عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص فلم يكلم أحدا منهم غير علي
وعثمان ، فقال : يا علي لعل هؤلاء سيعرفون لك قرابتك من النبي صلى
الله عليه وسلم وصهرك وما أنالك الله من الفقه والعلم ، فإن
وليت هذا الامر فاتق الله فيه . ثم دعا عثمان وقال : يا عثمان لعل هؤلاء القوم
يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك فان وليت هذا الامر فاتق الله ولا تحمل آل
أبي معيط على رقاب
الناس . ثم قال : ادعوا لي صهيبا فدعي ، فقال : صل بالناس
ثلاثا وليخل هؤلاء النفر في بيت فإذا اجتمعوا على رجل منهم فمن خالفهم فاضربوا
رأسه ، فلما خرجوا من عند عمر قال : إن ولوها الاجلح ( 3 ) سلك بهم الطريق
وقريب منه ما في طبقات ابن سعد ج 3 ق 1 ص 247 .
وراجع ترجمة عمر من الاستيعاب ومنتخب الكنز ج 4 ص 429 . وفي الرياض النضرة ج 2
ص 72 قال : أخرجه النسائي وفيه أيضا " لله درهم إن ولوها الاصيلع كيف يحملهم
على الحق وإن كان السيف على عنقه . قال محمد بن كعب : فقلت : أتعلم ذلك منه ولا
توليه ؟ فقال : إن تركتم فقد تركهم من هو خير مني " .
روى البلاذري في أنساب الاشراف : 5 / 17 عن الواقدي بسنده . قال : " ذكر عمر من
يستخلف فقيل : أين أنت عن عثمان ؟ قال لو فعلت لحمل بني أبي معيط على رقاب
الناس ، قيل الزبير ؟ قال : مؤمن الرضى كافر الغضب . قيل : طلحة ؟ قال : أنفه
في السماء واسته في الماء ، قيل : سعد ؟ قال صاحب مقنب ( 4 ) ، قرية له كثير ،
قيل : عبد الرحمن
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
العقد الفريد ج 4 / 274 أوردناه ملخصا .
(2)
أنساب الاشراف ، ج 5 / 16 .
(3) الاجلح ، من ا ؟ ؟ سر شعره
من جانبي رأسه .
(4) المقنب : جماعة من الخيل
تجتمع للغارة . ( * )
|
|
|
قال بحسبه أن يجري على أهل بيته " .
وروى البلاذري في ج 5 : 18 من أنساب الاشراف : أن عمر بن
الخطاب أمر صهيبا مولى عبد الله بن جدعان حين طعن أن يجمع إليه وجوه المهاجرين
والانصار ، فلما دخلوا عليه قال : اني جعلت أمركم شورى إلى ستة نفر من
المهاجرين
الاولين الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض
ليختاروا أحدهم لامامتكم وسماهم ، ثم قال لابي طلحة زيد بن سهل الخزرجي : اختر
خمسين رجلا من الانصار يكونوا معك ، فإذا توفيت فاستحث هؤلاء النفر حتى يختاروا
لانفسهم وللامة أحدهم ولا يتأخروا عن أمرهم فوق ثلاث ، وأمر
صهيبا أن يصلي بالناس إلى أن يتفقوا على إمام ، وكان طلحة بن عبيدالله غائبا في
ماله بالسراة ( 1 ) ، فقال عمر : ان قدم طلحة في الثلاثة الايام وإلا فلا
تنتظروه بعدها وأبرموا
الامر واصرموه وبايعوا من تتفقون عليه ، فمن خالف عليكم
فاضربوا عنقه ، قال ، فبعثوا إلى طلحة رسولا يستحثونه ويستعجلونه بالقدوم فلم
يرد المدينة إلا بعد وفاة عمر والبيعة لعثمان . فجلس في بيته وقال : أعلى مثلي
يفتات ! فاتاه عثمان
فقال له طلحة : إن رددت اترده ؟ ! قال : نعم ، قال : فاني
امضيته فبايعه . وقريب منه ما في العقد الفريد ج 3 ص 73 .
وروى في ص 20 منه قال : فقال عبد الله بن سعد ابن أبي سحر :
ما زلت خائفا لان ينتقض هذا الامر حتى كان من طلحة ما كان فوصلته رحم ولم يزل
عثمان مكرما لطلحة حتى حصر فكان اشد الناس عليه .
وروى البلاذري في ص 18 من كتابه انساب الاشراف بسند ابن سعد قال : " قال عمر :
ليتبع الاقل الاكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه " .
وروى في ص 19 منه عن أبي مخنف انه قال : " أمر عمر أصحاب
الشورى أن يتشاوروا في أمرهم ثلاثا فإن اجتمع اثنان على رجل واثنان على رجل
رجعوا في الشورى فإن اجتمع أربعة على واحد وأباه واحد كانوا مع الاربعة وان
كانوا ثلاثة
وثلاثة " كانوا مع الثلاثة الذين فيهم ابن عوف إذ كان الثقة
في دينه ورأيه المأمون للاختيار على المسلمين " وقريب منه ما في العقد الفريد ج
3 ص 74 .
وروى أيضا عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال : " إن
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
السراة : الجبل الذي فيه طرف الطائف ويقال لاماكن اخرى (
معجم البلدان ) . ( * )
|
|
|
اجتمع رأي ثلاثة وثلاثة فاتبعوا صنف عبد الرحمن بن عوف
وأسمعوا وأطيعوا " وأخرجه ابن سعد في الطبقات ج 3 ق 1 ص 43 . وفي تاريخ
اليعقوبي 2 / 160 :
وروى البلاذري في أنساب الاشراف ج 5 / 15 أن عمر قال : " ان رجالا يقولون إن
بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها ، وإن بيعة عمر كانت عن غير مشورة والامر بعدي
شورى فإذا اجتمع رأي أربعة فليتبع الاثنان الاربعة ، وإذا اجتمع رأي ثلاثة
وثلاثة فاتبعوا رأي عبد الرحمن بن عوف فاسمعوا وأطيعوا وأن صفق عبد الرحمن
باحدى يديه على الاخرى فاتبعوه "
وروى المتقي في كنز العمال ج 3 ص 160 عن محمد بن جبير عن أبيه أن عمر قال : "
ان ضرب عبد الرحمن بن عوف احدى يديه على الاخرى فبايعوه " وعن أسلم أن عمر بن
الخطاب قال : " بايعوا لمن بايع له عبد الرحمن بن عوف فمن أبى فاضربوا عنقه " .
ومن كل هذا يظهر ان الخليفة كان قد جعل أمر الترشيح بيد عبد الرحمن بن عوف ،
وبيت معه ان يشترط في البيعة العمل بسيرة الشيخين وهم يعلمون ان الامام عليا
يأبى ان يجعل العمل بسيرة الشيخين في عداد العمل بكتاب الله وسنة رسوله ( ص )
وان عثمان يوافق على ذلك فيبايع عثمان بالخلافة ويخالفهم الامام علي فيعرض على
السيف ،
والدليل على ما قلنا بالاضافة إلى ما سبق ، ما رواه ابن سعد في طبقاته عن سعيد
بن العاص ما خلاصته :
ان سعيد بن العاص اتى الخليفة عمر يستزيده في الارض ليوسع
داره فوعده الخليفة بعد صلاة الغداة وذهب معه حينئذ إلى داره قال سعيد : "
فزادني وخط لي برجليه فقلت يا أمير المؤمنين زدني فانه نبتت لي نابتة من ولد
وأهل فقال حسبك
واختبئ عندك انه سيلي الامر من بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك
قال فمكثت خلافة عمر بن الخطاب حتى استخلف عثمان وأخذها عن شورى ورضي فوصلني
واحسن وقضى حاجتي وأشركني في امانته ( 1 ) "
إذا فالخليفة عمر قد أنبأ سعيد بن العاص انه سيلى بعده ذو رحم سعيد وهو عثمان
وطلب منه أن يخبئ الامر عنده ، ويتضح من هذه المحاورة ان أمر استيلاء عثمان على
الخلافة كان قد بت فيه في حياة الخليفة عمر ، وتعيين الستة في الشورى كان من
اجل تمرير هذا الامر بصورة مرضية لدى الجميع . اما تعريض الامام علي
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
بترجمة سعيد بن العاص من الطبقات ، ط /
اروپا ، ( ج 5 / 30 - 31 ) . ( * )
|
|
|