مصطلحات بحث الامامة والخلافة يدور بحث الامامة والخلافة على
المصطلحات السبعة التالية :
أ ) الشورى
ب ) البيعة
ج ) الخليفة
د ) أمير المؤمنين
ه ) الامام
و ) الامر واولوا الامر
ز ) الوصي والوصية
وفي ما يلي تعريف المصطلحات المذكورة آنفا :
أولا : الشورى التشاور ،
والمشاورة ، والمشورة في لغة العرب : استخراج الرأي بمراجعة البعض البعض الاخر
. وشاوره : استخرج ما عنده من رأي . وأشار عليه بالرأي ، يشير : إذا ما وجه
الرأي . " وأمرهم شورى بينهم " من صار هذا الشئ شورى بين القوم إذا تشاوروا فيه
( 1 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
راجع مادة " شور " من : مفردات الراغب ،
ولسان العرب ، ومعجم
الفاظ القرآن الكريم . ( * ) |
|
|
لم يتغير معنى مشتقات هذه المادة في استعمال القرآن الكريم ،
والحديث الشريف ، ولدى المسلمين عما كانت عليه في لغة العرب وانما الكلام في
مورد الشورى والمشاورة في الشرع الاسلامي وحكمها .
ثانيا : البيعة
أ ) البيعة في لغة العرب
البيعة في لغة العرب : الصفقة على ايجاب البيع ( 1 ) ، وصفق يده بالبيعة والبيع
، وعلى يده صفقا : ضرب بيده على يده عند وجوب البيع ، وتصافقوا : تبايعوا ( 2 )
، كان هذا معنى البيعة لدى العرب .
أما العهد والحلف : فقد كانت العرب تعقد الحلف والعهد بأساليب
مختلفة ، مثل ما فعل بنو عبد مناف حين أرادوا أن يقاتلوا بني عبدالدار على من
يقوم بحجابة البيت وسقاية الحج وغيرهما من أعمال السيادة بمكة .
روى ابن اسحاق أن بني عبد مناف أخرجوا جفنة مملوءة طيبا فوضعوها في المسجد عند
الكعبة ، ثم غمسوا أيديهم فيها ، وتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم ، ثم مسحوا
الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم وسموا " المطيبين " ( 3 ) .
وروى ابن اسحاق في أمر تجديد الكعبة : أن البنيان عندما بلغ موضع الركن اختصموا
فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى ، حتى تحاوروا وتحالفوا ،
وأعدوا للقتال ، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي
بن كعب بن لؤي على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة ، فسموا "
لعقة الدم " ( 4 ) .
ب ) البيعة في الاسلام كانت البيعة اي :
صفق اليد على اليد ، في لغة العرب علامة على وجوب البيع ، واصبحت في الاسلام
علامة على معاهدة المبايع المبايع له ان يبذل له الطاعة في
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
لسان العرب ، مادة : " بيع " .
(2) لسان
العرب ، مادة : " صفق " .
(3) سيرة
ابن هشام 1 / 141 - 143 .
(4) سيرة
ابن هشام 1 / 213 . ( * ) |
|
|
ما تقرر بينهما ، ويقال : بايعه عليه مبايعة : عاهده عليه .
وورد في القرآن الكريم في قوله تعالى : " ان الذين يبايعونك
انما يبايعون الله ، يد الله فوق ايديهم ، فمن نكث فانما ينكث على نفسه ، ومن
اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما " ( 1 ) .
ونذكر من سنة الرسول صلى الله عليه وآله ثلاث مرات اخذ الرسول صلى الله عليه
وآله فيها البيعة من المسلمين :
1 ) البيعة الاولى اول بيعة
جرت في الاسلام بيعة العقبة الاولى ، اخبر عنها عبادة بن الصامت وقال : وافى
موسم الحج من الانصار اثنا عشر رجلا ممن اسلم منهم في المدينة وقال عبادة :
بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وذلك
قبل أن يفترض علينا الحرب ، على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا
نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل اولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين ايدينا
وارجلنا ، ولا نعصيه في معروف ، فان وفيتم فلكم الجنة ، وان غشيتم من ذلك شيئا
فأخذتم بحده في
الدنيا فهو كفارة له ، وان سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم
إلى الله عزوجل : ان شاء عذب ، وان شاء غفر ( 2 ) ، وسميت هذه البيعة ببيعة
العقبة الاولى .
2 ) البيعة الثانية الكبرى بالعقبة روى كعب
بن مالك وقال : خرجنات من المدينة للحج وتواعدنا مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم العقبة أواسط ايام التشريق ، وخرجنا بعد مضي ثلث الليل متسللين مستخفين
حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة
ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان ، فجاء رسول الله صلى الله
عليه وسلم ومعه عمه العباس ، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن
ودعا إلى الله ورغب في الاسلام ثم قال :
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سورة الفتح ، الاية 10 .
(2) سيرة
ابن هشام 2 / 40 - 42 . ( * )
|
|
|
" ابايعكم على ان تمنعوني مما تمنعون نساءكم وابناءكم " فاخذ
البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا
( 1 ) ، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله اهل الحروب . . . " . فقال أبو الهيثم
بن التيهان : يا رسول الله
ان بيننا وبين الرجال حبالا ، وانا قاطعوها " يعني اليهود "
فهل عسيت ان نحن فعلنا ذلك ثم اظهرك الله ان ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :" بل الدم الدم والهدم الهدم . . ." اي : ذمتي
ذمتكم وحرمتي حرمتكم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " اخرجوا الي منكم اثني
عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم " فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من
الخزرج وثلاثة من الاوس ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " انتم على قومكم
بما فيكم كفلاء
ككفالة الحواريين لعيس بن مريم ، وانا كفيل على قومي " يعني :
المسلمين ، قالوا : نعم . واختلفوا فيمن كان اول من ضرب على يده ، اسعد بن
زرارة أم أبو الهيثم بن التيهان ؟ ( 2 ) .
3 ) بيعة الرضوان ، أو بيعة الشجرة في سنة
سبع من الهجرة ، استنفر رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه للعمرة فخرج معه
الف وثلاثمائة ، أو الف وستمائة ، ومعه سبعون بدنة ، وقال لست احمل السلاح ،
انما خرجت معتمرا واحرموا
من ذي الحليفة ، وساروا حتى دنوا من الحديبية على تسعة اميال
من مكة ، فبلغ الخبر اهل مكة فراعهم ، واستنفروا من أطاعهم من القبائل حولهم
وقدموا مائتي فارس عليهم خالد بن الوليد أو عكرمة بن ابي جهل ، فاستعد لهم رسول
الله صلى
الله عليه وآله وقال : ان الله امرني بالبيعة ، فاقبل الناس
يبايعونه على ألا يفروا ، وقيل بايعهم على الموت ، وأرسلت قريش وفدا للمفاوضة
فلما رأوا ذلك تهيبوا وصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله . . . ( 3 )
هذه ثلاثة أنواع من البيعة على عهد الرسول صلى الله عليه وآله
وهي :
أ ) البيعة على الاسلام
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
" أزرنا " : نساءنا ، والمرأة يكنى عنها بالازار .
(2) سيرة
ابن هشام 2 / 47 - 56 .
(3)
امتاع الاسماع للمقريزي ص 274 - 291 . ( * )
|
|
|
ب ) البيعة على اقامة الدولة
الاسلامية
ج ) البيعة على القتال .
والبيعة الثالثة تجديد للبيعة الثانية ، وذلك لان الرسول صلى
الله عليه وآله كان قد استنفرهم للعمرة . وبعد تبدل الحالة من العمرة إلى
القتال ، كانت الحالة الحادثة مخالفة للعمل الذي استنفرهم له وخرجوا من اجله ،
فكأنه كان مخالفا لما عاهدهم
عليه ، فلذلك احتاج إلى اخذ البيعة للقيام بالعمل الجديد ،
وفعل ذلك وأعطى ثمره في ارعاب اهل مكة ، وحصول النتيجة المطلوبة .
ونختم البحث بست روايات وردت في البيعة وطاعة الامام :
1 ) روى ابن عمر قال : كنا نبايع رسول الله ( ص ) على
السمع والطاعة ثم يقول لنا : " فيما استطعت " ( 1 ) .
2 ) وفي رواية ، وقال علي : " ما استطعتم " ( 2 ) .
3 ) وفي رواية ، وقال جرير ، قال قل : " في ما استطعت "
( 3 ) .
4 ) وروى الهرماس بن زياد قال : مددت يدي إلى النبي ( ص
) وانا غلام ليبايعني فلم يبايعني ( 4 ) .
وعن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " على المرء المسلم
السمع والطاعة فيما أحب وكره ، الا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا
طاعة " ( 5 ) .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
صحيح البخاري ، كتاب الاحكام ، باب
البيعة ، ح : 5 وصحيح مسلم ، كتاب
الامارة ، باب : البيعة على السمع والطاعة في ما استطاع ح : 90 وسنن
النسائي ، كتاب البيعة باب : البيعة في ما يستطيع الانسان .
(2) سنن
النسائي ، كتاب البيعة ، باب : البيعة في ما يستطيع الانسان .
(3) صحيح
البخاري ، كتاب الاحكام ، باب البيعة ، ح : 5 .
(4)
البخاري كتاب الاحكام ، باب بيعة الصغير ، وسنن النسائي ، كتاب
البيعة ، باب بيعة الغلام ، والهرماس بن زياد أبو حيدر البصري الباهلي
من قيس عيلان مات باليمامة بعد المائة . راجع ترجمته بأسد
الغابة ، وتقريب التهذيب .
(5) صحيح
البخاري : كتاب الاحكام ، باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن
معصية ح : 3 . صحيح مسلم ، كتاب الامارة
، باب وجوب طاعة الامراء في غير معصية ، ح : 1839 .
سنن ابن ماجة ، كتاب الجهاد ، باب لا
طاعة في معصية الله ، ح : 2863 .
سنن النسائي ، كتاب البيعة ، باب جزاء من أمر بمعصية .
مسند أحمد ، ج 2 / 17 و 142 . ( * )
|
|
|
5 ) وعن ابن مسعود قال : قال : " سيلي أموركم بعدي رجال
يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها " فقلت : يا رسول
الله ! ان ادركتهم كيف أفعل ؟ قال : " تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل ؟ لا طاعة
لمن عصى الله " ( 1 ) .
6 ) وعن عبادة بن الصامت في حديث طويل آخره : " فلا طاعة لمن عصى الله تبارك
وتعالى فلا تعتلوا بربكم " ( 2 ) . وفي رواية : " لا تضلوا بربكم " ( 3 ) .
يتضح لنا من دراسة البيعة في سنة الرسول صلى الله عليه وآله ان للبيعة ثلاثة
اركان :
أ ) المبايع .
ب ) المبايع له .
ج ) المعاهدة على الطاعة للقيام بعمل ما .
وتقوم البيعة اولا على تفهم ما يطلب الطاعة على القيام به ، ثم تنعقد المعاهدة
بضرب يد المبايع على يد المبايع له بالكيفية الواردة في السنة ، والبيعة على
هذا مصطلح شرعي ، غير ان شروط تحقق البيعة المشروعة في الاسلام غير واضحة لكثير
من المسلمين اليوم فنقول : تنعقد البيعة في الاسلام إذا توفر فيها الشروط
الثلاثة التالية :
أ ) ان يكون المبايع ممن تصح منه البيعة ، ويبايع
اختياريا .
ب ) ان يكون المبايع له ممن تصح مبايعته .
ج ) ان تكون البيعة لامر يصح القيام به .
وعلى ما بينا لا تصح البيعة من صبي أو مجنون ، لانهما غير مكلفين بالاحكام في
الاسلام ، ولا تنعقد بيعة المكره ، لان البيعة مثل البيع فكما لا ينعقد البيع
بأخذ المال من صاحبه قهرا ودفع الثمن له ، كذلك البيعة لا تنعقد بأخذها بالجبر
وفي ظل السيف .
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
سنن ابن ماجة ، ج 2 / 956 الحديث : 2865
ومسند أحمد 1 / 400 وفي لفظ ليس طاعة لمن
عصى الله .
(2) مسند
أحمد ، 5 / 325 عن عباده بن الصامت وانه روى الحديث في دار
عثمان عند ما شكاه معاوية إلى عثمان فجلبه عثمان إلى المدينة ، ومختصر
الحديث برواية عبادة في ص 329 منه .
(3)
تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 215 . ( * )
|
|
|
وكذلك لا تصح البيعة للمتجاهر بالمعصية ، ولا تصح البيعة
للقيام بمعصية الله . إذن فالبيعة مصطلح إسلامي ، ولها أحكامها في الشرع
الاسلامي .