الشورى

 


اختر اللون المناسب لأرضية الصفحة

- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 152 : -

مصطلحات بحث الامامة والخلافة يدور بحث الامامة والخلافة على المصطلحات السبعة التالية :

 أ ) الشورى
 ب ) البيعة
 ج ) الخليفة
 د ) أمير المؤمنين
 ه‍ ) الامام
 و ) الامر واولوا الامر
 ز ) الوصي والوصية

وفي ما يلي تعريف المصطلحات المذكورة آنفا :

 أولا : الشورى التشاور ، والمشاورة ، والمشورة في لغة العرب : استخراج الرأي بمراجعة البعض البعض الاخر . وشاوره : استخرج ما عنده من رأي . وأشار عليه بالرأي ، يشير : إذا ما وجه الرأي . " وأمرهم شورى بينهم " من صار هذا الشئ شورى بين القوم إذا تشاوروا فيه ( 1 ) .
 

  * هامش *  
  (1) راجع مادة " شور " من : مفردات الراغب ، ولسان العرب ، ومعجم الفاظ القرآن الكريم . ( * )  

 

ج1 - ص 153 -

لم يتغير معنى مشتقات هذه المادة في استعمال القرآن الكريم ، والحديث الشريف ، ولدى المسلمين عما كانت عليه في لغة العرب وانما الكلام في مورد الشورى والمشاورة في الشرع الاسلامي وحكمها .


 ثانيا : البيعة

 أ ) البيعة في لغة العرب البيعة في لغة العرب : الصفقة على ايجاب البيع ( 1 ) ، وصفق يده بالبيعة والبيع ، وعلى يده صفقا : ضرب بيده على يده عند وجوب البيع ، وتصافقوا : تبايعوا ( 2 ) ، كان هذا معنى البيعة لدى العرب .
 

أما العهد والحلف : فقد كانت العرب تعقد الحلف والعهد بأساليب مختلفة ، مثل ما فعل بنو عبد مناف حين أرادوا أن يقاتلوا بني عبدالدار على من يقوم بحجابة البيت وسقاية الحج وغيرهما من أعمال السيادة بمكة .


روى ابن اسحاق أن بني عبد مناف أخرجوا جفنة مملوءة طيبا فوضعوها في المسجد عند الكعبة ، ثم غمسوا أيديهم فيها ، وتعاقدوا وتعاهدوا هم وحلفاؤهم ، ثم مسحوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم وسموا " المطيبين " ( 3 ) .


وروى ابن اسحاق في أمر تجديد الكعبة : أن البنيان عندما بلغ موضع الركن اختصموا فيه ، كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الاخرى ، حتى تحاوروا وتحالفوا ، وأعدوا للقتال ، فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة ، فسموا " لعقة الدم " ( 4 ) .


 ب ) البيعة في الاسلام كانت البيعة اي : صفق اليد على اليد ، في لغة العرب علامة على وجوب البيع ، واصبحت في الاسلام علامة على معاهدة المبايع المبايع له ان يبذل له الطاعة في
 

  * هامش *  
  (1) لسان العرب ، مادة : " بيع " .
(2)
لسان العرب ، مادة : " صفق " .
(3)
سيرة ابن هشام 1 / 141 - 143 .
(4)
سيرة ابن هشام 1 / 213 . ( * )
 

 

ج1 - ص 154 -

ما تقرر بينهما ، ويقال : بايعه عليه مبايعة : عاهده عليه .

وورد في القرآن الكريم في قوله تعالى : " ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله ، يد الله فوق ايديهم ، فمن نكث فانما ينكث على نفسه ، ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما " ( 1 ) .


ونذكر من سنة الرسول صلى الله عليه وآله ثلاث مرات اخذ الرسول صلى الله عليه وآله فيها البيعة من المسلمين :

 1 ) البيعة الاولى اول بيعة جرت في الاسلام بيعة العقبة الاولى ، اخبر عنها عبادة بن الصامت وقال : وافى موسم الحج من الانصار اثنا عشر رجلا ممن اسلم منهم في المدينة وقال عبادة : بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء وذلك

قبل أن يفترض علينا الحرب ، على أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل اولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين ايدينا وارجلنا ، ولا نعصيه في معروف ، فان وفيتم فلكم الجنة ، وان غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في

الدنيا فهو كفارة له ، وان سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله عزوجل : ان شاء عذب ، وان شاء غفر ( 2 ) ، وسميت هذه البيعة ببيعة العقبة الاولى .


 2 ) البيعة الثانية الكبرى بالعقبة روى كعب بن مالك وقال : خرجنات من المدينة للحج وتواعدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة أواسط ايام التشريق ، وخرجنا بعد مضي ثلث الليل متسللين مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة

ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس ، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الاسلام ثم قال :
 

  * هامش *  
  (1) سورة الفتح ، الاية 10 .
(2)
سيرة ابن هشام 2 / 40 - 42 . ( * )
 

 

ج1 - ص 155 -

" ابايعكم على ان تمنعوني مما تمنعون نساءكم وابناءكم " فاخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا ( 1 ) ، فبايعنا يا رسول الله فنحن والله اهل الحروب . . . " . فقال أبو الهيثم بن التيهان : يا رسول الله

ان بيننا وبين الرجال حبالا ، وانا قاطعوها " يعني اليهود " فهل عسيت ان نحن فعلنا ذلك ثم اظهرك الله ان ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :" بل الدم الدم والهدم الهدم . . ." اي : ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله : " اخرجوا الي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم " فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من الخزرج وثلاثة من الاوس ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله : " انتم على قومكم بما فيكم كفلاء

ككفالة الحواريين لعيس بن مريم ، وانا كفيل على قومي " يعني : المسلمين ، قالوا : نعم . واختلفوا فيمن كان اول من ضرب على يده ، اسعد بن زرارة أم أبو الهيثم بن التيهان ؟ ( 2 ) .


 3 ) بيعة الرضوان ، أو بيعة الشجرة في سنة سبع من الهجرة ، استنفر رسول الله صلى الله عليه وآله اصحابه للعمرة فخرج معه الف وثلاثمائة ، أو الف وستمائة ، ومعه سبعون بدنة ، وقال لست احمل السلاح ، انما خرجت معتمرا واحرموا

من ذي الحليفة ، وساروا حتى دنوا من الحديبية على تسعة اميال من مكة ، فبلغ الخبر اهل مكة فراعهم ، واستنفروا من أطاعهم من القبائل حولهم وقدموا مائتي فارس عليهم خالد بن الوليد أو عكرمة بن ابي جهل ، فاستعد لهم رسول الله صلى

الله عليه وآله وقال : ان الله امرني بالبيعة ، فاقبل الناس يبايعونه على ألا يفروا ، وقيل بايعهم على الموت ، وأرسلت قريش وفدا للمفاوضة فلما رأوا ذلك تهيبوا وصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله . . . ( 3 )

هذه ثلاثة أنواع من البيعة على عهد الرسول صلى الله عليه وآله وهي :

 أ ) البيعة على الاسلام

  * هامش *  
  (1) " أزرنا " : نساءنا ، والمرأة يكنى عنها بالازار .
(2)
سيرة ابن هشام 2 / 47 - 56 .
(3)
امتاع الاسماع للمقريزي ص 274 - 291 . ( * )
 

 

ج1 - ص 156 -

 ب ) البيعة على اقامة الدولة الاسلامية

 ج ) البيعة على القتال .

والبيعة الثالثة تجديد للبيعة الثانية ، وذلك لان الرسول صلى الله عليه وآله كان قد استنفرهم للعمرة . وبعد تبدل الحالة من العمرة إلى القتال ، كانت الحالة الحادثة مخالفة للعمل الذي استنفرهم له وخرجوا من اجله ، فكأنه كان مخالفا لما عاهدهم

عليه ، فلذلك احتاج إلى اخذ البيعة للقيام بالعمل الجديد ، وفعل ذلك وأعطى ثمره في ارعاب اهل مكة ، وحصول النتيجة المطلوبة .


ونختم البحث بست روايات وردت في البيعة وطاعة الامام :

 1 ) روى ابن عمر قال : كنا نبايع رسول الله ( ص ) على السمع والطاعة ثم يقول لنا : " فيما استطعت " ( 1 ) .

 2 ) وفي رواية ، وقال علي : " ما استطعتم " ( 2 ) .

 3 ) وفي رواية ، وقال جرير ، قال قل : " في ما استطعت " ( 3 ) .

 4 ) وروى الهرماس بن زياد قال : مددت يدي إلى النبي ( ص ) وانا غلام ليبايعني فلم يبايعني ( 4 ) .

وعن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ، الا أن يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " ( 5 ) .
 

  * هامش *  
  (1) صحيح البخاري ، كتاب الاحكام ، باب البيعة ، ح : 5 وصحيح مسلم ، كتاب الامارة ، باب : البيعة على السمع والطاعة في ما استطاع ح : 90 وسنن النسائي ، كتاب البيعة باب : البيعة في ما يستطيع الانسان .

(2)
سنن النسائي ، كتاب البيعة ، باب : البيعة في ما يستطيع الانسان .

(3)
صحيح البخاري ، كتاب الاحكام ، باب البيعة ، ح : 5 .

(4)
البخاري كتاب الاحكام ، باب بيعة الصغير ، وسنن النسائي ، كتاب البيعة ، باب بيعة الغلام ، والهرماس بن زياد أبو حيدر البصري الباهلي من قيس عيلان مات باليمامة بعد المائة . راجع ترجمته بأسد الغابة ، وتقريب التهذيب .

(5)
صحيح البخاري : كتاب الاحكام ، باب السمع والطاعة للامام ما لم تكن معصية ح : 3 . صحيح مسلم ، كتاب الامارة ، باب وجوب طاعة الامراء في غير معصية ، ح : 1839 . سنن ابن ماجة ، كتاب الجهاد ، باب لا طاعة في معصية الله ، ح : 2863 .
سنن النسائي
، كتاب البيعة ، باب جزاء من أمر بمعصية . مسند أحمد ، ج 2 / 17 و 142 . ( * )
 

 

ج1 - ص 157 -

 5 ) وعن ابن مسعود قال : قال : " سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة ويعملون بالبدعة ، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها " فقلت : يا رسول الله ! ان ادركتهم كيف أفعل ؟ قال : " تسألني يا ابن أم عبد كيف تفعل ؟ لا طاعة لمن عصى الله " ( 1 ) .


 6 ) وعن عبادة بن الصامت في حديث طويل آخره : " فلا طاعة لمن عصى الله تبارك وتعالى فلا تعتلوا بربكم " ( 2 ) . وفي رواية : " لا تضلوا بربكم " ( 3 ) .


يتضح لنا من دراسة البيعة في سنة الرسول صلى الله عليه وآله ان للبيعة ثلاثة اركان :

 أ ) المبايع .
 ب ) المبايع له .
 ج ) المعاهدة على الطاعة للقيام بعمل ما .


وتقوم البيعة اولا على تفهم ما يطلب الطاعة على القيام به ، ثم تنعقد المعاهدة بضرب يد المبايع على يد المبايع له بالكيفية الواردة في السنة ، والبيعة على هذا مصطلح شرعي ، غير ان شروط تحقق البيعة المشروعة في الاسلام غير واضحة لكثير من المسلمين اليوم فنقول : تنعقد البيعة في الاسلام إذا توفر فيها الشروط الثلاثة التالية :

 أ ) ان يكون المبايع ممن تصح منه البيعة ، ويبايع اختياريا .

 ب ) ان يكون المبايع له ممن تصح مبايعته .

 ج ) ان تكون البيعة لامر يصح القيام به .


وعلى ما بينا لا تصح البيعة من صبي أو مجنون ، لانهما غير مكلفين بالاحكام في الاسلام ، ولا تنعقد بيعة المكره ، لان البيعة مثل البيع فكما لا ينعقد البيع بأخذ المال من صاحبه قهرا ودفع الثمن له ، كذلك البيعة لا تنعقد بأخذها بالجبر وفي ظل السيف .

  * هامش *  
  (1) سنن ابن ماجة ، ج 2 / 956 الحديث : 2865 ومسند أحمد 1 / 400 وفي لفظ ليس طاعة لمن عصى الله .

(2)
مسند أحمد ، 5 / 325 عن عباده بن الصامت وانه روى الحديث في دار عثمان عند ما شكاه معاوية إلى عثمان فجلبه عثمان إلى المدينة ، ومختصر الحديث برواية عبادة في ص 329 منه .

(3)
تهذيب تاريخ ابن عساكر 7 / 215 . ( * )
 

 

ج1 - ص 158 -

وكذلك لا تصح البيعة للمتجاهر بالمعصية ، ولا تصح البيعة للقيام بمعصية الله . إذن فالبيعة مصطلح إسلامي ، ولها أحكامها في الشرع الاسلامي .


 

 

الصفحة الرئيسية

 

مكتبة الشبكة

 

فهرس الكتاب