|
- معالم المدرستين - السيد مرتضى العسكري ج 1 ص 161 : - |
سادسا
: الامر وأولوا الامر لمعرفة معنى " الامر " و " اولي الامر " وهل هما
مصطلحان شرعيان أم لا ؟ نستعرض في ما يلي موارد استعمالهما في لغة العرب وعرف
المسلمين والنصوص الاسلامية كتابا وسنة ، فنقول :
أ ) في لغة
العرب ورد في سيرة ابن هشام ، والطبري ، وغيرهما ، أن رسول الله كان
يعرض نفسه في المواسم على قبائل العرب ، يدعوهم إلى الاسلام ، ويخبرهم أنه نبي
مرسل من قبل الله ، ويسألهم أن يصدقوه ويمنعوه حتى يبين عن الله ما بعثه به . "
قال وأنه أتى بني عامر بن صعصعة ذات مرة فدعاهم إلى الله عزوجل ،
وعرض عليهم نفسه ، فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس (
1 ) : والله لو اني أخذت هذا الفتى من قريش لاكلت به العرب ثم قال له : أرأيت
ان نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الامر من بعدك
؟
قال : " الامر إلى الله يضعه حيث يشاء " قال : فقال له :
أفنهدف نحورنا ( 2 ) للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الامر لغيرنا ؟ ! ! لا
حاجة لنا بأمرك ( 3 ) .
ان هذا العربي كان يفهم ( أمر رسول الله ) على أنه سيادة وحكم
على العرب ، فأراد أن يعقد مع الرسول حلفا يكون لقبيلته الحكم والسيادة على
العرب من بعد الرسول ، لكن الرسول امتنع من اجابته رغم حاجته الشديدة يومذاك
إلى المؤازرين ، لان الامر ليس إليه وانما الامر إلى الله يضعه حيث يشاء .
وكذلك كان شأن هوذة بن علي الحنفي في طلبه من الرسول حين دعاه الرسول إلى
الاسلام كما في طبقات ابن سعد ، ما ملخصه : كتب رسول الله صلى الله عليه وآله
إلى هوذة بن علي الحنفي يدعوه إلى الاسلام ، فكتب في جواب النبي صلى
الله عليه وآله " ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله ، وأنا شاعر
قومي وخطيبهم والعرب تهاب مكاني ، فاجعل لي بعض الامر أتبعك ، فقال النبي صلى
الله عليه وآله : " لو سألني سيابة من الارض ما فعلت " ( 4 ) .
نرى أن الرسول صلى الله عليه وآله قصد من " سيابة " : الارض المهملة . اذن فقد
طلب هوذة من الرسول أن يجعل له بعض الامر : امارة ما على أرض أو قبيلة وما
شابههما فأجابه الرسول أنه لا يؤمره ولا على سيابة من الارض ، وهذا القول من
الرسول نظير قول أهل الكوفة أو البصرة عندما وظف واليهم على كل واحد منهم نقل
كمية من
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
قال ابن هشام : فراس : ابن عبد الله بن سلمة بن قشير بن كعب بن ربيعة
بن عامر بن صعصعة . سيرة ابن هشام 2 / 33
.
(2)
" أفنهدف نحورنا " معناه نصيرها هدفا ، والهدف : الغرض الذي يرمى
بالسهام إليه .
(3)
سيرة ابن هشام ج 2 ص 31 - 34 ، والطبري
.
(4)
طبقات ابن سعد ، ط . اوربا ج 1 / ق 1 / 18 .
وقالوا في السيابة : واحدة السياب : البسر الاخضر ، وعلى هذا لم يكن من
المناسب أن يقول ولا سيابة أي لا بسر من الارض بل كان المناسب أن يقول
ولا بسر من التمر . ونرى أن السيابة مشتقة من السيب وهو كل سيب وخلي
ومنه السائبة : أي الدابة المهملة ، ويكون المعنى : الارض الخالية
والمتروكة . ( * )
|
|
|
الحصباء إلى مسجدهم الجامع ليفرشه بالحصباء ، وأمر عليهم
أحدهم وكان يتصعب في قبول الحصباء منهم ، فقالوا : يا حبذا الامارة ولو على
الحجارة ! وكذلك الامر في الخبر السابق ، فان هوذة طلب من الرسول الامارة " ولو
على الحجارة " فأجابه الرسول : لا ، ولا على الحجارة .
ب ) في عرف المسلمين : كان أكثر استعمال "
الامر " في عرف المسلمين يوم السقيفة وما بعدها ، قال سعد بن عبادة للانصار يوم
السقيفة : " استبدوا بهذا الامر دون الناس . . . " . واجابته الانصار بقولهم :
" نوليك هذا الامر " .
ثم ترادوا الكلام وقالوا : فان أبت مهاجرة قريش فقالوا . . .
نحن عشيرته وأولياؤه فعلام تنازعوننا هذا الامر من بعده ؟ " .
وقال أبو بكر في احتجاجه عليهم يومذاك : " ولن يعرف هذا الامر
الا لهذا الحي من قريش . . . " .
وقال - أيضا - في قريش : " هم أحق الناس بهذا الامر من بعده
ولا ينازعهم ذلك الا ظالم " .
وقال عمر - أيضا - يوم السقيفة : " من ذا ينازعنا سلطان محمد
وامارته ونحن أهله وعشيرته " .
وقال الحباب بن المنذر في جوابه " لا تسمعوا مقالة هذا
وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الامر . . . فأنتم والله أحق بهذا الامر . . .
" .
وقال بشير بن سعد عندئذ في حق قريش : " لا يراني الله أنازعهم
هذا الامر أبدا " ( 1 ) .
ج ) النصوص الاسلامية : لقد ورد في حديث الرسول ذكر " الامر " كثيرا مما
سندرسه في البحوث الاتية
| |
* هامش * |
|
| |
(1)
كل هذه المحاججات وردت في خبر السقيفة بتاريخ
الطبري ، ط . اوربا 4 / 1837 - 1851 . ( * )
|
|
|
ان شاء الله تعالى ونقتصر هنا بتسجيل كلمة الرسول صلى الله
عليه وآله في جواب العامري : " ان الامر إلى الله يضعه حيث يشاء " .
وقد ورد في كتاب الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا
الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم . . . " . النساء / 59 .
في كل هذه الموارد سواء في لغة العرب ، وعرف المسلمين ،
والنصوص الاسلامية سنة وكتابا ، انما أريد من الامر أمر الامامة والحكم على
المسلمين .
وعلى هذا فان " الامر " استعمل في الشرع الاسلامي بنفس المعنى الذي استعمل فيه
لدى العرب والمسلمين ولا مانع بعد ذلك أن نسمي " أولي الامر " مصطلحا شرعيا
وتسمية اسلامية واريد به الامام بعد النبي صلى الله عليه وآله ولا خلاف
في ذلك ولكن الخلاف بين المدرستين في من يصدق عليه تسمية أولي
الامر ، فان مدرسة أهل البيت ترى أنه لما كان المقصود من أولي الامر : الائمة ،
فلابد أن يكون منصوبا من قبل الله معصوما من الذنوب على التفصيل الذي سيأتي
بيانه في بابه ان شاء الله .
وترى مدرسة الخلافة أن " أولى الامر " : من بايعه المسلمون بالحكم . وبناء على
ذلك يرون وجوب طاعة كل من بايعوه ، وعلى هذا الاساس أطاعوا الخليفة يزيد بن
معاوية فقتلوا وسبوا آل بيت رسول الله بكربلاء ، وأباحوا مدينة الرسول ثلاثة
أيام ، ورموا الكعبة بالمنجنيق كما سيأتي بيانه في محله ان شاء الله تعالى .
سابعا : الوصي والوصية ورد
مصطلح الوصي والوصية ومشتقاتهما في كلام العرب بالمعاني الآتية : يقال لانسان
حي يعهد لانسان آخر أن يقوم بأمر يهمه بعد وفاته : الموصي ، وللاخر : الوصي ،
وللامر الموصى به : الوصية ، وتجري
الوصية بلفظ الوصية ومشتقاتها تارة مثل أن يقول الموصي لوصيه
: أوصيك بعدي برعاية أهلي أو إدارة مدرستي ، وأن تفعل كذا وكذا ، وأخرى بلفظ
يؤدي معنى الوصية ، مثل أن يقول
الموصي لوصيه : أطلب منك أن تقوم بعدي برعاية أهلي ومدرستي
وتفعل كذا وكذا . . . ويخبر الموصي الآخرين عن وصيته أحيانا بلفظ : أوصيت إلى
فلان ، ووصي فلان ، وأخرى يقول : عهدت إلى فلان ، أو أوكلت إليه أن يقوم بكذا ،
وكلا اللفظان يؤديان معنى واحدا وهكذا نظائرهما .
كان هذا موجز معنى مصطلح الوصي والوصية ومشتقاتهما في لغة العرب ، وبنفس المعنى
وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة :
قال الله سبحانه في سورة البقرة الآيات 180 - 183 : " كتب
عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية - إلى قوله تعالى - فمن خاف من
موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم "
وفي سورة المائدة الاية 106 " يا أيها الذين آمنوا شهادة
بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم . . . "
وكذلك وردت في سورة النساء الآية 11 - 12 .
ومما ورد في السنة النبوية ما رواه كل من البخاري في أول كتاب الوصايا من صحيحه
ومسلم في كتاب الوصية من صحيحه : " أن رسول الله ( ص ) قال : ما حق امرئ مسلم
له شئ يوصي فيه أن ييبت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " .
وللوصية أحكامها في الفقه الاسلامي وبناءا على ما ذكرنا إن لفظي الوصي والوصية
من المصطلحات الاسلامية .
والوصية من الانبياء والرسل كما سننقل أمثلة منها من التوراة
والانجيل أن تعهد الرسل إلى أوصيائهم من بعدهم من حمل شريعتهم إلى الناس ورعاية
أمتهم من بعدهم . وفي هذه الامة لقب الامام علي بلقب الوصي وأصبح علما له ،
ومعناه أنه
وصي النبي ( ص ) وأن خاتم الانبياء فعل مثل من سبقه من الرسل
وعهد إلى الامام علي ( ع ) تبليغ شريعته ورعاية أمته من بعده وبواسطته عهد ذلك
إلى بنيه الائمة الاحد عشر من بعده وأخبر النبي المسلمين بكل ذلك تارة بلفظ
الوصي والوصية ومشتقاتهما ، وأخرى بألفاظ أخرى تؤدي نفس المعنى .
كما سيأتي بيان كل ذلك في باب النصوص الواردة عن رسول الله ( ص ) في تعيين ولي
الامر من بعده مع بيان قول من أنكر ذلك ورأى أن رسول الله ( ص ) لم يهتم بأمر
المسلمين ولم يوص إلى أحد من بعده ، إن شاء الله تعالى .
|